ثقافة

الاتحاد

ثقافة الذل

محمد المزروعي

محمد المزروعي

التمثيلات القارة في الذهن لوصف شعب بأكمله بصفة معينة، دون الالتفات إلى مستويات التعدد لهذا الشعب، تمارس دورها التحليلي، من حيث هي واصفة للحدود الجغرافية الفاعلة لأدواته الحاكمة بكليتها، لأن الوصف هنا يطال المؤسسة أكثر مما يطال الفرد، وعليه يصف الأداء التقني لروح الثقافة العامة لشعب ما، ومن هنا يكون بعض الوصف عيِّنة بسيطة، غير معقدة، وإشارية، أكثر منها حكم قيمة ثابت·
يعتمد الوصف هنا على حقائق واضحة ومُمَارَسة، لأنه يرصد النتيجة التي تجعل هذا الشعب أو هذه اللغة، محط نظر واضح للتكلم باسمها دون أخذ الإذن، وممَن يؤخذ الإذن أصلاً، والجميع على وجه الأرض طلابها·
فمثلاً هذه العبارة التندرية والمتداولة بين الناس ''إنترنتياً''، تسمح بتوفير بسمة إنثربولوجية عالمة بظواهر الأمور وبواطنها، لأن الالتقاط الجمعي لسرد مثلها، يأخذ دور المُقيِّم المعملي لتجربة ما، وعليه فإنه يكون مقاومة للحاصل·
تقول العبارة، وسأنقلها كما جاءت بطريقتها ولغتها ولهجتها وأخطائها، لأن الممارسة العامة للغة كشَفَاةٍ مكتوبة تعطي تصوراً دلالياً آخر غير قاموسها المستقر:
(لو كان هناك عصفور يغرد على غصن شجرة تخيلوا لو مر بجانبه أشخاص من الجنسيات التالية فماذا يفعل كل منهم؟/ الفرنسي···· يقوم بالغناء مع العصفور·/ الإسباني···· يقوم بالرقص على أنغام العصفور·/ الإيطالي···· يقوم برسم العصفور·/ الإنجليزي·· يقوم بإطلاق النار على العصفور بكل برود·/ الهندي····· يقوم بعبادة وتقديس العصفور·/ الصيني···· يقوم بأكل العصفور·ـ الياباني···· يقوم بصنع عصفور إلكتروني مشابه له·/ اليهودي··· يقوم بالمطالبة بملكية العصفور باعتباره من نسل هدهد سليمان·/ الأميركي··· يقوم بصنع فيلم عن جميع الأشخاص الذين مروا على العصفور·/ والعربي··· خائف من إنفلوانزا الطيور/ صباحكم عصافير)·
لقد تم التقاط التصور الأكثر تمثيلاً من وجهة نظر مؤلفها، والذي قام على الأغلب بتأليف التقاطي للموجود، أكثر منه إبداعاً جديداً، والمؤلف بالطبع عربي، يهمه إيصال رسالة مفادها التخلف والتأخر العربي من ناحية، ومن أخرى يستحث الذات العربية على التقدم، لقد أشار لبعض الدول الأوروبية والآسيوية على حدة، دون أن يقول الأوروبي سيفعل كذا، والآسيوي كذا، لكنه أجمل كل الدول العربية في تسمية واحدة، فهو متحدٌ مع الذات الجمعية للغة العربية، غير مفكر في التنوع الجغرافي والعِرقي والديني والمذهبي، ولا للمصالح الخاصة لحكومات الدول العربية، ولا للإتفاقات المبرمة سياسياً، بل يفكر في ''ثقافة الذل'' التي يعاني منها الوضع العربي الراهن·

اقرأ أيضا

طفيلي.. مساءلة الأخلاق في عالمنا المعاصر