الاتحاد

دنيا

صلاح الملا: السينما الإماراتية جريئة ومخرجوها الشباب واعدون

صلاح الملا (يسار) خلال مشاركته في مهرجان أبوظبي السينمائي الأخير

صلاح الملا (يسار) خلال مشاركته في مهرجان أبوظبي السينمائي الأخير

يمتاز ممثل المسرح غالباً برصيد ثقافي كبير وخبرة فنية واسعة، ومن هنا تأتي أهميته في استكمال المسيرة في الأعمال الدرامية، ليتوجها بالسينما، والفنان القطري صلاح الملا، مثلٌ رائد في هذا المجال، عبر ما يزيد على ثلاثين عاماً في هذا العالم الفني الجميل. التقيناه على هامش مهرجان أبوظبي السينمائي الأخير، حيث يقول: «مشكلتنا الآن في الدراما التلفزيونية العربية أو الخليجية، لأن النصوص المطروحة محدودة، والدليل على ذلك أنه كل أربع أو خمس سنوات نجد عملاً مميزاً.

يتأمل الفنان القطري صلاح الملا، تجربته بوعي ليركز حديثه على الجهد الجماعي المشترك، مؤكداً: «العمل الفني ليس عملاً فردياً، فمهما كان الممثل متميزاً، ولديه طموح، فإنه قد يتعرض للصدمة، عندما يجد النص متوسطاً أو رديئاً، ومن الممكن أن يأتي النص الجيد، لكن قد يكون المخرج ليس لديه فكر أو رؤية، لتجسيد ما في هذا الورق «السيناريو» على الشاشة، وهنا تكون الإشكالية لأن عدم موافقة الممثل على هذه المشاركة في أعمال ليست على مستوى جيد، يعني التوقف، والتوقف الكثير يبعد الفنان عن الوسط وعن الإنتاج. فالممثل أحياناً يأتي، ويختار أفضل ما هو مطروح، وأحياناً يستسلم، ويعمل ما هو مطروح.
ثانياً، عملية الإنتاج وتوزيع الأعمال وعرضها على المحطات الآن غدت تعتمد على الراعي من أفراد وشركات، والدليل على ذلك أن جميع الأعمال الدرامية تجمعت وأصبحت فقط في شهر رمضان.
وهذه إشكالية كبيرة، فأنا كممثل لا أرغب في أن أكون محدودا في شهر واحد فقط. وبعد ذلك تتكرر الأعمال خلال العام من دون أعمال جديدة. وقد اكتشفت بعض القنوات هذا الخطأ، وبدأت تتطور، وتتجه لإنتاج الدراما طوال الموسم.
الاعتماد على الأسماء
ولكن أين تقع المسؤولية وكيف نخرج من المشكلة، خاصة بعد أن دخل الفن مجال التجارة؟، وهنا يجيب الملا قائلاً: «نحن جميعا مسؤولون، فالمؤسسات الثقافية في الأصل، والتي هي مسؤولة عن الأعمال الثقافية والفنية، تشرف على العمل المسرحي والفني أو المنتج الثقافي بشكل عام، ومع ذلك نجدها تتجه إلى التوك شو، والبروباجندا، يعني هناك الكثير من الفعاليات الثقافية ولكن، بقدرة قادر، هذه الفعاليات التي يجب أن يكون توجهها ثقافياً وفكرياً وأدبياً، نراها قد تحولت إلى فعاليات ومهرجانات دعائية وإعلامية استعراضية فقط، وأصبحت تقلد القنوات الفضائية الخاصة، والتي من حقها أن تعمل كما تشاء لأنها قنوات تجارية ربحية، وليست مسؤولة عن تفعيل الحياة الثقافية في مجتمعاتنا. وما يحدث في بعض المحطات أنه يتم الاعتماد على الأسماء من أهل الفن، وليس على المضامين. يعني مثلا، يقولون: نحن نريد الممثل الفلاني، وكفى..
ويضيف الملا: هنا قد يحدث تقصير من ناحية النص أو الإخراج أو الإنتاج، ولا يتحقق المأمول من العمل. لذا يجب ألا يكون اعتمادنا على الأسماء بل على مضمون العمل، بداية من النص وحتى خروج العمل للنور».
الدراما التركية والمكسيكية
وعن نجاح الأعمال التركية والمكسيكية ورواجها في أسواقنا، يرى الملا، أن المواضيع تطرح بأسلوب وبشكل لا نستطيع أن نطرحه، والفن متى حُدد بمقاييس وزوايا معينة لا يصبح فنا، ونحن لا نتحدث عن التحفظات الأخلاقية فنحن جميعنا مع القيم الأخلاقية، لكن إشكالياتنا الآن أننا لا نستطيع أن نتطرق إلا إلى المواضيع الاجتماعية فقط. فإلى متى نبقى في هذه الدائرة الضيقة؟.. الفن خيال وعطاء وفكر، ومتى احترمنا أفكار بعضنا بعضاً، ومبادئ وتوجهات غيرنا، ومتى احترمنا الآخرين في وسط مجتمعنا الإقليمي، استطعنا أن نبدع.
ولكن عندما نرى أن هناك أكثر من عمل مشابه للآخر، لا يختلف فيه إلا أسماء الممثلين، فهذا مؤسف. المشاهد لديه مئات القنوات ولن ينتظر، وأنا كفنان يجب أن أحس وأترجم ما يدور في خلد هذا المشاهد. لكن المشاهد عندما يرى عملا مضمونه مكررا عاما بعد آخر، ثم تأتيه أفكارا ومضامينا جميلة من الأعمال التركية، فسوف يتابعها، لأن الدراما صورة وشكل وجمال، وهذا الجمال موجود في المشهد والصورة، والمضامين المطروحة فيها جرأة، حتى لو كانت من الجانب العاطفي والإنساني، فهي تقدم صورة متكاملة من دون محاذير ومن دون ضغوطات».
«أكون أو لا»
وعن البديل والمفيد من خلال تجربته، يضرب مثلا ويقول: «أنا هنا أتكلم عن منطقة الخليج، وهذا من حقي، الآن لدينا الكثير من القصص في تاريخنا، ولدينا الكثير من المعاناة، والدليل على ذلك أنني قدمت في الآونة الأخيرة مسلسلاً بعنوان «أكون أو لا»، وتم عرضه خارج شهر رمضان وحقق النجاح، وهذا المسلسل طرح موضوعا مختلفا اختلافا كليا عما كنا نقدمه. وقوبل بشكل مغاير عند الناس، أي أن ردود الفعل التي جاءت أكدت أن هذا العمل مختلف، وتباينت آراء الناس حوله، وذلك لأننا تطرقنا لمعاناة نلمسها نحن في مجتمعاتنا من بعض من يعلقون أخطاءهم على شماعة الدين.
نحن لم نتطرق للدين، ولكن تطرقنا لمن هم يستغلون الدين بشكل مختلف ولأهداف خاصة بهم، وهذه الإشكالية نعانيها، فجميع الأديان تعاني استغلالية رجال الدين للناس وللمجتمع. إذاً، هذا موضوع مختلف تم طرحه وعرضه، عبر بعض المحطات الجريئة، وهناك أيضا مسلسل عمر بن الخطاب، ولكن كنت آمل أن يكون مستوى هذا العمل أفضل بكثير مما رأيته على الشاشة التلفزيونية، ولكن يكفي الجرأة في طرح هذه المواضيع.. إذاً، فلنحترم بعضنا بعضاً ونعمل».
سينما إماراتية جريئة
وفي عودة إلى مهرجان السينما الأخير في أبوظبي ورؤيته للتجارب الإبداعية التي قدمها شباب الإمارات في عالم السينما، عبّر الملا عن إعجابه ببعض الأعمال قائلا: «أتكلم بصورة عامة، وأنا حقيقة فرح وسعيد ومتفائل جدا بعد أن سمعت أن هناك في مهرجان أبوظبي أربعين شابا وشابة دخلوا هذا المجال، وبدأوا يبدعون حتى ولو بشكل أساسي، هذا شيء يفرح، وفي دبي الشيء نفسه. هناك الآن مجموعة كبيرة من السينمائيين في الإمارات. وهذه مرحلة يجب أن يمروا بها، وهو العمل في نطاق الفعاليات السينمائية والمهرجانات، لكن سيأتي يوم وسينطلقون من المحدودية التي هم بها إلى المشاهد العام، ولكن هذا بحاجة إلى وقت وربما لا يأتي في هذا الجيل، فربما يحققه الجيل القادم.
ويؤكد الملا: هذه الفعاليات يجب أن تستمر بدعم الموهوبين، لأن السينما صناعة والصناعة مكلفة. وقد شاهدت في أبوظبي أعمال شباب يطرحون أفكارا جريئة وقوية، فهناك من صور في مخيمات اللاجئين في بيروت، وهناك من صور مثلا على حدود الإمارات. وكذلك كانت هناك موضوعات تطرقت إلى قضية جنسية الأم، سواء كانت سورية أو قطرية أو أميركية أو هندية وغيرها، الجميل أنهم طرحوها بشكل إنساني.
الأم هي الأم، مهما كانت جنسيتها فهي تبقى أماً، وتبقى إنسانة. إذاً، هناك فكر عالٍ وهناك وعي عند هؤلاء الشباب.


دعم شباب السينما
يقول الممثل القطري صلاح الملا، إن الشباب من السينمائيين بحاجة إلى مزيد من الدعم، وهذا الدعم يجب ألا يتوقف مع آخر يوم، في أي مهرجان، بتوزيع الجوائز، بل يجب على المؤسسات الراعية أن يأتوا بهؤلاء الشباب ويتبنوهم مادياً ومعنوياً وبشكل قوي، حتى يكون عندنا سينما تنطلق من حدود المهرجانات والفعاليات الثقافية إلى الآفاق الواسعة، والتي هي الناس والجماهير في الشارع. أنا متفائل جدا بالأعمال القادمة لهؤلاء الشباب في أبوظبي وفي دبي، وكذلك في قطر، حيث مؤسسة الدوحة للأفلام، وهي توجه جميل، ويجب ألا نتراجع عنه، ويجب أن يكون هذا من أولويات ميزانيات الدولة وليس من ميزانيات الوزارة. يعني كما نخطط نحن للاستثمار في قطاعات العقارات والبنوك والنفط والمصانع والغاز، ونحاول أن ندعمها، كذلك يجب أن تكون السينما والحركة الفنية ضمن هذه المعطيات».

اقرأ أيضا