الاتحاد

الملحق الثقافي

عمر شبانة

من الذي رأى؟
من الذي يغمض عينيه لكي يرى؟
في البدء كانت غزة
واليوم أيضاً غزة
يقولون: كلنا غزة
ولكن·· لا أحد يشبهها
هناك شعب شبع من المقاومة
أتعبته ومزقته وأدْمتْه ربما
لكنه لم يزل يقاوم
وهنا شعوب أدمنت الفرجة
تتسمر أمام الشاشات
تصب اللعنات هنا وهناك
ولم تتعب بعد
فقد تكلست و··
(على الأقل ثمة مسيرات داجنة)
أنا رأيت كفر قاسم
رأيت قبلها في سجن عكا
يبدأ الإعدام
وتبدأ المقاومة
للدم أكثر من لغة يحكي بها
لغة للحياة وأخرى للموت
لغة لنزرع الحب
والثانية ليزرعوا بها الحقد
لغات تتصارع
فلا نعرف إن كنا نصارع عدواً
أم نصارع وحشاً لا يرقى لصورة عدو
فليس هو العدو الذي يقاتل
من أجل الحياة والحرية
كما نقاتل نحن من أجل الحياة والحرية
بل يقاتل لمزيد من استعبادنا وقهرنا
قهرنا الذي يسكب دمنا
ويسكب دموع أطفالنا وأشلاءهم
في مرجل الغضب
فتنتفض الأرض حقولاً وجبالاً وبحاراً
تنتفض رصاصاً مقدساً مطهّراً من الحقد
رصاص ودم وأشلاء
ترسم صورة طائر الموت
طائر المعدن المتوحش
يرسم صورة البيوت والحقول
طائر بمخالب سوداء في الجو
لوقف إرهاب الطفل الرضيع
وكائنات وحشية خرافية على الأرض
تقتل الأخضر وتزرع الأحمر
سماء ملبدة بالدماء
وعيون مفتوحة على اتساع البراءة
مفتوحة على شلال الرعب والذهول
أشباح سود تحمل الرعب
وتنثره على رؤوس الأطفال
تقطف أزهار براءتهم
وتقذفهم إلى جحيم الكون
أمطار سوداء تغرق البيوت والأزقة
جحيم يفتح شدقيه
ليبتلع بقايا بشر يتضورون بؤساً
جحيم ينثر جحيمه في الروح
يقصف ما تبقى من أخضرها
يقصف تاريخاً من الغناء
غناء الأرجوان الأسطوري
أرجوان غزة الذي صنع تاريخ بحارتها
وكتب تاريخ اللون بين أيدي نسائها
تاريخ من الأرجوان
وتاريخ من السواد والحداد
يوم للزراعة والنسج والحياة
وآخر للكف التي تقاوم المخرز
وتنتصر
تختلط الأيام والجغرافيا
أهذه غزة
أم جنين؟
أم أريحا؟
أهي قانا الجنوب
أم جنوب الكون؟
هو الجنوب أم الجنون؟
من يفجر كل هذا الجنون؟
عيون أطفال مرعوبة
تتسع لتملأ الفضاء
وتحتل الشاشات
فتغمر الدنيا سيول المأساة
وتجتاح الكون فيضانات البلادة
ما الذي يبعث كل هذا الموت والجنون؟
موت من أيدينا يأتي
يتزوج موتا يأتي من أيدي الأعداء
وقد قال محمود درويش:
''صحراء من كل الجهات''
وخناجرنا تتوغل في صدرنا
صدر غزة
عجوز حكيم يقول:
لا تنتظروا من أحد شيئاً
في الصورة الأخيرة:
شجر الزيتون الألفي
يتقصف بأسنان آلات الجريمة
لكنه لن يلبث أن يعود
ليصرخ مثل طائر الفينيق
حين ينفض الرماد عن جناحيه
ويفتح الآفاق نحو أفقه الجديد

اقرأ أيضا