الاتحاد

الملحق الثقافي

الشاعر الغزي إيهاب بسيسو في ديوانه الأخير يحدث في ساعة الرمل

من منفاه الاختياري بلندن، حمل الشاعر الفلسطيني الغزي الحالم إيهاب ياسر بسيسو هموم الوطن، كحقيبة سفر بين المرافئ المتعددة، وشق في جدار الغربة نوافذ للإطلالة على تفاصيل الحياة اليومية التي تعيش فيه، كدقائق ساعة رمل رتيبة وعاش فيها ذاكرة وبحرا وصورا·
وقد نفي الشاعر بسيسو مجموعته الشعرية الثانية عن الغربة صفة الغياب، برسم صور شعرية لأحداثها اليومية بما يشبه مينودراما لمشاهد حسية، لا تخلو من هواجس القلق والحزن ويتجلى في استخدامه لمفردات متنوعة من العتمة والغربة والاشتياق إلى صخب الجغرافيا والتاريخ في وطنه، رغم هدوء المدن وجمالها·
تقع المجموعة التي تحمل عنوان ''يحدث في ساعة الرمل''، والتي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، في مائتي صفحة من القطع المتوسط، وتحتوي على عشرين نصا شعريا موزعة على أربعة عناوين رئيسية هي: نوافذ البرق، في مدار الصدى، أقارع تابوتاً، وعلى قيد الذاكرة·
وترسم المجموعة لوحة شعرية للهم الإنساني، لاسيما الفلسطيني الذي يبدو بارزاً في اختيارات الشاعر للقصائد التي تتنوع في تناولها لحالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، وممارسات الاحتلال والجدار العنصري، كما يتطرق الشاعر للاغتيال السياسي من خلال قصيدة للصحفي اللبناني سمير قصير الذي اغتيل في بيروت عام ·2005
وأعاد بسيسو في مجموعته الشعرية كتابة هذه المعاناة وتصويرها بلغة شعرية مشحونة برؤية إنسانية خصبة·
بسيسو الذي تبدو متابعته لعذابات أهله في الوطن الفلسطيني واضحة بكل تفاصيلها وتأثيراتها يعمل في مجموعته الشعرية الجديدة على إعادة كتابة المعاناة وتصويرها بشعرية مشحونة برؤية انسانية خصبة وكما فعل في مجموعته الشعرية الأولى، حين ابتعد عن المباشرة والخطابية، يبدو بسيسو في عمله الجديد قادراً على جعل قاموسه الشعري أكثر تميزاً وفنية لجهة الاستفادة من الصورة اليومية للمعاناة في قصائد غنية بالدلالات والصور الشعرية التي تفتح أمام القارئ عوالم متنوعة من المقاربات الانسانية البليغة التي تحاور الألم ولا تكف عن الأمل·
من أجواء الكتاب يقول بسيسو:
كلما طردتُ جندياً خارج النص
نبتت وردة على الجدار
ورأيتنُي أحتفلُ بعودةِ الجسدِ من الجسد إليّ
جندي آخر تسلل للتوِّ
أكشط خطاه عن صدري لوردةٍ أخرى
تخرجُ من تعاريج القلق
وأظلُّ أحرثُ الوقتَ للوردِ والقرنفل···
بمزيدٍ من الشعر
كي لا ألحظَ دمي النافر فتسقط حديقتي المُعلقة···
ويقول بسيسو أيضاً:
أنفض مئات الخوذات عن نافذتي
أعدُّ طاولة ومزهرية للقرنفل
ومفرشاً للعشاء···
وأنتظر أنثى المكان
تطل من فضاءٍ سريّ···
ليتراجعَ الجندُ عن قضم روحي
علها القصيدة تخرجُ من هذيانِ الحربِ
إلى عرسِ المجاز···
يشار الى ان إيهاب بسيسو يحاضر في كلية الإعلام بجامعة ''كارديف'' في بريطانيا، ويعد رسالة الدكتوراة عن استراتيجيات الإعلام في الصراع الدولي، وهو يحن دائما الى مدينته العريقة غزة، وقد قال عنه الشاعر أحمد دحبور انه ''خيب ظن النقاد المتربصين بالشعر الفلسطيني الذين يقررون أن هذا الشعر كلما اقترب من الحداثة ابتعد عن فلسطين باعتبار أن فلسطين موضوعا مباشرا''·
ويقول بسيسو بصوت شعري واثق مفعم بالجمال:
''أنفض مئات الخوذات عن نافذتي
أعد طاولة ومزهرية للقرنفل
ومفرشا للعشاء
وأنتظر أنثى المكان
تطل من فضاء سري
ليتراجع الجند من قضم روحي
علها القصيدة تخرج من هذيان الحرب إلى عرس المجاز''
ولو سالنا بسيسو: ما الذي يحدث في ساعة الرمل؟ يجيب بعفوية: ''لو نظرت إلى ساعة الرمل سنجد كم هو رتيب إيقاع الرمل ومكرر وربما أردت أن أقارب بين المشهد اليومي وبين حالة الرمل في الساعة الرملية لأخرج بنصوص هي الأقرب ربما إلى حوار المشهد الذي يحاصرنا برتابته سواء بحصار المحتل أو حصار الجدار أو حصار الاقتتال''·
ويضيف: ''أردت ربما أن أعيد صياغة هذه الرتابة بشكل شعري علني في حواري مع المشهد أستطيع أن اخرج من أزمته وعلني بالانكشاف على ألمي أستطيع أن أكون أكثر حرية في محاصرته كي لا يحاصرني في اللغة والحياة''·
يقول بسيسو: لا يمكن لإنسان حر وخاصة فلسطيني أن يزور برلين دون أن يقف على الحدود الفاصلة بين تاريخين مختلفين للمدينة ليكتشف شراسة الحروب وجهها القبيح، ويتنبأ بمستقبل أجمل لبلعين الفلسطينية وباقي المدن التي يفصلها جدار وجدار· وقد اقتنص الشاعر نفسه الفرصة ليصور بالكلمات جدار برلين كأنه يرقى لبلعين الفلسطينية بالأمل في أن تفوز بذات المصير، فيقول في قصيدته المعنونة بـ ''صورة للذاكرة'': ''ما بين برلين العتيقة وبلعين تشابه وظيفي لجدار وخوذات وضوضاء موت مخزن في بنادق جند''·
ويختم قصيدته: ''ما بين بلعين وبرلين جند سيخرجون من مسام الوقت وضوء يعود مزركشا بتضاريس التلال وأغنيات الرعاة وصبية يكملون طريقهم إلى المدرسة دون حدقات معدنية·· وزوار سيأتون من جهات الشمس الأربع يقفون على أنقاض الحجارة ابتسامة للكاميرا صورة للذاكرة''··
عن تلك المقاربة يقول بسيسو: ''بلعين هي الرمز مثل برلين قديما وللمصادفة أن يكون الاختلاف بينهما في حرفي اللام والراء''·
ويتابع: ''عندما قمت بزيارة إلى برلين مشيت في المكان الذي كان ينتصب فيه الجدار لقد ترك الألمان خطا في الطريق يشير إلى ذلك ووقفت كما غيري قدم شرق الجدار وقدم غرب الجدار· ومن هنا جاءت القصيدة ومثلما نذهب إلى برلين سياحا ونلتقط الصور سيأتي السياح أيضاً إلى هنا لالتقاط الصور والاحتفال بسقوط هذا الجدار الذي يحاصرنا في خبزنا وهواءنا مهما طال الوقت سيسقط هذا الجدار لأنه مناف لحركة التاريخ وحركة البشر''·
وتبدو متابعة الشاعر بسيسو لعذابات أهله في الوطن الفلسطيني واضحة بكل تفاصيلها وتأثيراتها ويعمل في مجموعته الشعرية الجديدة على إعادة كتابة المعاناة وتصويرها بشعرية مشحونة برؤية إنسانية خصبة وكما فعل في مجموعته الشعرية الأولى، حين ابتعد عن المباشرة والخطابية· كما يبدو بسيسو قادراً على جعل قاموسه الشعري أكثر تميزاً وفنية لجهة الاستفادة من الصورة اليومية للمعاناة في قصائد غنية بالدلالات والصور الشعرية التي تفتح أمام القارئ عوالم متنوعة من المقاربات الإنسانية البليغة التي تحاور الألم ولا تكف عن الأمل·
عن كتابته يقول: ''عندما أكتب يسكنني الإنسان بالدرجة الأولى، وربما لكوني فلسطينياً محاصراً دوماً في هويته، في جغرافيته، وفضائه، أشعر وكأن معاناتي تختصر معاناة الإنسان، ومفرداتي تتخذ أشكالها من رغبة هذا الإنسان في التخلص من الجوع والقهر والإذلال والعتمة والسجن·
''في جدل الحصار'' عنوان لقصيدة يسخر فيها الشاعر من الحصار بمعناه الشمولي للعقل واللغة والجغرافيا والإنسان والدواء وحليب الأطفال ويصوره تارة بخلل او معركة انتظار وعالما افتراضيا من الرجال· ويقول فيها: ''الحصار خلل أصاب رأس الجندي، فظن أن نكهة الموت قد تقلع أظافر القصيدة'

اقرأ أيضا