الاتحاد

الملحق الثقافي

موسم الهجرة إلى الشمال إشكالية لم تنته بين المثقف والغرب

تبدو رواية ''موسم الهجرة إلى الشمال'' للكاتب السوداني الطيب صالح كإشكالية لم تنته في الثقافة العربية، فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على صدورها ما زالت تثير الكثير من الجدل في الأوساط الأدبية العربية، سواء من خلال الكتب النقدية التي خصصت لتناول هذه الرواية، أو تلك الكتب والدراسات التي منحتها حيّزا مهما فيها·
كتاب ''إشكالية المثقف والغرب في الرواية العربية: موسم الهجرة إلى الشمال نموذجا'' للناقد والباحث اليمني هشام علي يأتي تواصلا لهذه الدراسات المسبوقة عن الرواية، بل أن الكتاب الجديد، الذي صدر أخيراً عن مركز عبادي في صنعاء، يضع أكثر الكتابات السابقة في متناول فحصي لممارسة نقد النقد، حيث يذهب المؤلف إلى أن هذه الرواية ربما تكون ''ضحية القراءات المتعددة ذات الاتجاه الواحد· فهي تغري ببساطتها الظاهرة، الاستسلام للقراءة الأولى، دون معاناة أو مكابدة، والاستجابة ليقين المعنى الظاهر، دون إثارة قلق الشك''، وهو بذلك يرى ''كيف انحصرت كثير من القراءات النقدية بين ثنائيات الشرق والغرب، أو كيف وقعت في شرك الكتابة الجنسية قراءات أخرى، وراحت تحاول بعد ذلك أن تسقط على لقاء الشرق والغرب أو صدامهما صفات تلك العلاقات الجنسية التي تتكرر في الرواية، كأن الغرب والشرق رجل وامرأة يجذب أحدهما الآخر، وتتحول المواجهة إلى عملية مد وجزر ليس لها نهاية''·
بلا أوهام
ومع هذا لا يذهب المؤلف بعيدا عما ينتقده، وإن كانت نظرته من زاوية مختلفة، فالرواية عبرت عن الصراع بين الحضارتين الشرق والغرب، وهذه كانت القضية الرئيسية فيها، كما يقول هشام علي، ولكن ليس على النحو الذي صورها النقد العربي، فهي تختلف عن تلك الروايات التي عالجت هذه القضية مثل ''عصفور من الشرق'' لتوفيق الحكيم، و''الحي اللاتيني'' لسهيل إدريس· فميزة رواية ''موسم الهجرة إلى الشمال'' تتمثل ''في عدم استسلامها لأوهام الصراع بين الشرق والغرب من جهة، وفي استيعابها للاستعمار والعنف الاستعماري وتعبيرها عن الآثار والتشويهات التي أحدثتها في مجتمعات الشرق وفي نفس أهالي الشرق''·
فمصطفى سعيد بطل الرواية حمل معه ''إشكالية الهوية والذات والآخر مندغمة في إشكاليات الاستعمار والغزو والقهر، ولم تكن رغبته في الانتقام والغزو المضاد الذي مارسه مع النساء الغربيات وتحويل الممارسات الجنسية إلى فعل مضاد انتقامي للغزو العسكري الذي قام به الغرب لبلداننا· تحويل سرير النوم إلى ساحة حرب حمل صورة مغايرة لكل صور الحب أو الممارسة الجنسية التي رأيناها في الروايات العربية الأخرى، التي كان أبطالها يتخذون المرأة جسراً للعبور إلى الغرب والتكيف معه، في حالة نسيان تام لثنائية المستعمِر والمستعمَر''·
ولا يقتصر البحث في هذا الجانب فهناك بعض القراءات التي حاولت ''أن تستعين بالتحليل النفسي لتكشف حالة الانفصام التي تصيب ذلك المثقف المهاجر إلى الشمال''، ومنها قراءة رجاء نعمة·
وحيث يقرأ المؤلف كتابات محمد شاهين، ادوارد سعيد، جورج طرابيشي، يمنى العيد، محيي الدين صبحي، رجاء النقاش، جورج سالم، خالدة سعيد، يوسف نور عوض، رضوى عاشور، منى تقي الدين أميوني ونفيسة داخلي، وهي الكتابات التي تناولت الرواية من مختلف الوجهات، فإنه ينطلق بداية من أن ''القراءة التي تكتفي بالأجوبة السريعة، ولا تصغي لتعقيد الرواية، تسقط هي الأخرى، في أسرار الراهن والآني، ولا تحتمل مغامرة الاستمرار في الكشف واختراق الأعماق''·
الكتاب (180صفحة من القطع الوسط) يناقش بشكل رئيس الإشكاليات التي أثارتها الرواية عن الهوية والغرب والذات والآخر، خصيصا وأنها ظهرت في مرحلة انكسار التيار القومي العربي ''حيث بدأ الانكسار عقب فشل وحدة مصر وسوريا في 1961م، وفي تكرار الفشل في محاولة وحدوية أخرى، كما أغرق المشروع القومي في حرب صعبة في اليمن، وجاءت نكسة 1967 لتمثل ضربة قوية وقاضية لهذا المشروع''·
ولهذا فإن الرواية بقدر ما استشرفت المستقبل ''فإنها رواية الهزيمة التي يحملها العربي منذ بدايات مشاريع النهضة والاستقلال والحداثة''·
تنتمي رواية الطيب صالح التي صدرت عام 1966 لهذه المرحلة ''ولئن كان يقول إنه بدأها قبل أكثر من خمسة عشر عاما إلا إنها تلونت باللون الرمادي الذي ساد سنوات الانكسار· ولكن ما يميز هذه الرواية إنها لا تمثل صورة للواقع كما تشكل، وكما تتفاعل أحداثه وتتداخل أحلام أبطاله وانكساراتهم، إنها مزيج من العالم المتخيل والعالم الواقعي، لكنه مزيج متداخل ومتفاعل، لا يعرف القارئ أين يبدأ المتخيل أو أين ينتهي الواقع· وهي تجمع إضافة إلى تهويماتها السردية ميراثا من الكتابة السردية، ابتداء من ألف ليلة وليلة حتى رواية ''قلب الظلام'' لكونراد ومسرحية ''عطيل'' لشكسبير''·
و جاء انتشار الرواية لما طرحته من قضايا ''تتعلق بالاستعمار والتحرر والمثاقفة والجنس وغيرها من القضايا، التي تجمع بين السياسة والتاريخ، الفكر ولأيديولوجيات، المجتمع والأخلاق، الشرق والغرب، وتعبر عن جدليتها''·
جنس أدبي لا يكتمل
في إشكالية المثقف والغرب يقوم المؤلف بمقاربة مشكلة نشؤ الرواية فيعيدنا إلى ذلك الربط التاريخي الذي كان هيغل قد أقامه بين ظهور الرواية وصعود البرجوازية، حيث أعتبر أن الرواية هي ملحمة البرجوازية· وإلى رأي جورج لوكاش الذي يعيد ظهور الرواية إلى سياق الإشكال التاريخي الذي عاشته البرجوازية الصاعدة وهي تفتش عن وعيها، أو وهي تسعى إلى تشكيله وتكوينه، ولكن لا لتعبر عن ذلك الوعي، بل إنها تظهر كممارسة إشكالية في إطار تاريخي متغير تجرد عن أبطال ملامحه القديمة، واختفت آلهته الملهمة، وبدأ البحث في ذلك العالم المتداعي عن قيمه وملامحه الجديدة·
وقد ظهرت الرواية العربية في غياب الطبقة البرجوازية العربية، وتزامنت مع المشروع النهضوي العربي، في مناخ ثقافي إشكالي، حيث كانت أسئلة الأنا والآخر هي الأسئلة السائدة في فكر النهضة ''وكان التمزق بين الذات والآخر من جهة والتمزق بين استيعاب الثقافة الغربية بكونيتها وإنسانيتها، وبين رفض الثقافة الغربية الكولونيالية المهيمنة من جهة أخرى''·
وتبعا لقول الناقد الروسي باختين بأن الرواية جنس أدبي ما زال في طور التكون، وأن الرواية لا تظل رواية إلا لأنها جنس أدبي لا يكتمل، وهي بالتالي تصبح جنسا منفتحا لإسهام جميع الشعوب، فلم تعد ''الرواية فناً أوروبيا محضاً وفقا لشهادة الميلاد، ولم يعد الشرط الطبقي البرجوازي شرطاً لازماً لظهورها· لقد أخذت شعوب الشرق والغرب تنهج مقاربات متنوعة للوصول إلى صياغة روايتها النابعة من ثقافتها ومجتمعها وتاريخها''·
وكان اختيار المؤلف لإشكالية المثقف والغرب في الرواية العربية جاء من عاملين اثنين، يراهما أساسيين في دراسة الرواية العربية ونشأتها·
الأول ينطلق من ''النشأة التاريخية للرواية العربية في سياق من التثاقف واللقاء مع الغرب، فالرواية العربية، في ظهورها ونشأتها، تنتمي للثقافة الغربية التي أخذت عنها ذلك الجنس الأدبي الجديد· وقد غيرت نتيجة له، أسلوب الكتابة الأدبية التقليدية وتخلت عن كثير من فنون البلاغة العربية، لكي تضبط إيقاع سردها مع الإيقاع الجديد لذلك الفن الذي انتشرت صوره مع نثر الحياة اليومية للمجتمع، لتعبر عن تغيره ووقائعه وتخرج من قبل تحولاته''·
والثاني هو ''حضور الغرب في التحولات التاريخية والمجتمعية وفي إشكاليات الوعي وفي كل المتغيرات التي شهدتها المجتمعات العربية والثقافة العربية طوال قرنين من الزمان وأكثر· فمنذ حملة نابليون بونابرت على مصر، التي استطاع الجبرتي أن يسرد حوادثها التاريخية وتأثيراتها الفكرية والنفسية بصورة جعلت نصه التاريخي أول نص سردي عربي استطاع أن يجمع السرد والتاريخ، دون أن يقصد ذلك قصداً واعياً· منذ تلك الحملة والغرب حاضر في بلادنا ووعينا وإشكالياتنا الفكرية والتاريخية يطرح أمامنا أسئلته وإشكالياته، ونغرق نحن في ثنائيات عديدة حين ندخل في متاهة البحث عن الإجابات·
الغرب الحاضر فينا، بأشكال مختلفة: استشراق، حداثة، تقدم، وغيرها من الأشكال، أو بما يحمله من آثار سلبية: استعمار، غزو، استلاب، هيمنة اقتصادية وثقافية، هذا الغرب فرض بحضوره إشكاليات تاريخية وفكرية، أصبح سؤال هوية تاريخية وفكرية''·
وقد عبرت الرواية العربية منذ نشأتها، عن هذه الإشكالية التاريخية والفكرية، بين حضور الغرب ورفضه، بين محاولة تمثل ثقافته وحضارته وأشكال تعبيراته الفنية وأجناسها، وبين محاولة التحرر من الاستعمار الغربي وهيمنته الثقافية·
ويربط المؤلف بين الرواية العربية والنهضة في إشكالية المثقف والغرب، أو إشكالية تمثل الحداثة الغربية وإعلان حضورها في البلاد العربية وبلسان عربي، وهو ما يتجلى عند رفاعة الطهطاوي في رحلته الشهيرة ''تخليص الإبريز في تلخيص باريز'' التي تنتمي إلى بدايات الكتابة الروائية العربية، بشكل يجمع بين السرد والسيرة الذاتية·
وإذا كانت الرواية العربية قد عبرت من خلال شخصياتها المنكسرة والمأزومة عن الانكسار التاريخي في تلك العلاقة بالغرب، فإن رواية ''موسم الهجرة إلى الشمال'' عبرت ''بشكل أكثر وضوحاً عن تلك الأزمة، لأنها جعلت الاستعمار حاضراً في صلب العلاقة بين الشرق والغرب وكسرت جدار الوهم الرومانسي الذي جعل الشرق مسألة إنشائية''·
لقد فتحت رواية ''موسم الهجرة إلى الشمال''، حسب المؤلف، أسئلة الشرق وأسئلة الغرب، وأضافت إلى ذلك ''الاستعمار والهيمنة الاقتصادية والثقافية على العالم''

اقرأ أيضا