الاتحاد

الملحق الثقافي

مهرجان الطبيعة

 د· صلاح فضل

د· صلاح فضل

ننتقل إلى الجزء الثالث من كتاب السريّ الرفّاء (362 هـ) المعنون: ''المحب والمحبوب والمشموم والمشروب'' ويدور الجزء الثالث على ''المشموم''، أي مصدر الروائح الطبيعية كما تضوع في ثنايا مظاهر الطبيعة وأنواع الأزهار والرياحين·
ونلاحظ في البداية أن معطيات الحواس متراسلة، فما يتعلق بالمشمومات يتضمن صورًا بديعة من المرئيات والمسموعات أيضًا؛ حيث لايقوم التقسيم على التمييز الحاسم بينها بقدر ما يعتمد على استثارة جمالياتها المنبثقة من الشعر، فالمحب والمحبوب يتنفسان شعريًّا في مجالات الحس والشعور بكل معطياته ويملآن السمع والبصر والوجدان· لكن احتفال المؤلف ـ وهو شاعر اختياراته بقدر ما هو كذلك في ديوانه وإشاراته ـ بالنص على هذه الأفرع كان يهدف فيما يبدو إلى إبراز ثراء الشعرية العربية حتى عصره في منتصف القرن الرابع، وقدرتها على تمثيل مظاهر الجمال في الإنسان والطبيعة معًا· هناك كثير من القصائد الشهيرة في الأدب العربي عن الربيع من أهمها قصيدة البحتري وغيرها، لكن السريّ يعدل عنها ليختار ما يروق له مما هو أقل شهرة، فإذا بنا أمام فيض حقيقي من الروائع التي أثرت التخييل والتعبير· مثل قول أبي القاسم الزاهي (352 هـ):
هذا الربيع وهذه أنوارُهُ
طابت لياليه وطاب نهارُهُ
فضيّةٌ أنهاره، ذهبيةٌ
أزهاره دُرّيةٌ أنواره
مُتَبلِّجٌ غَدَواتُهُ، مُتَبرِّجٌ
ضَحواتُهُ متأرجٌّ أسمارُه
والماء فضِّيُ القميص مغروزٌ
ببنفسجٍ واللازوردُ شعارهُ
والسرو ممدود القوام كأنه
قدُّ الفتاةِ تَشُقُّه أنهاره
واللافت في هذه الأبيات أمران: أحدهما هو فائض الإيقاع الذي يتدفق في الموسيقى الخارجية والداخلية؛ في الجمل الراقصة المكتنزة في توازيها التركيبي وتراسلها الدلالي· أما الأمر الثاني فهو هذا الولع الشديد بالقيمة المادية وترجمتها المباشرة إلى معادلها من الذهب والفضة، وسنلاحظ أن شعر العصور القديمة كله يقع في دائرة هذه القيم التي تترجم بالمعادن النفيسة من أثر الرقّ في الحياة· أما بقية المقطوعة فتقول:
وترنّمت عُجم الطيورِ كأنها
سرب القيانِ ترنّمت أوتارُهُ
فاشرب على ورد الخدودِ بجنبه
ورد الربيع تَحُفُّهُ أنواره
من كل أحور كالقضيبِ مُنَعَّمٌ
قد شَدَّ خوطَ قوامِه زُنَّـارُهُ
يسقيكما من كفّه وبطرفـه
أضعاف ما قد أسكَرَتْهُ عُقَارُهُ
مُتَدلّلٌ من عقده بدر الدجى
متهللٌ وظلامه أزرارُهُ
والزاهي مشهور بأنه من أحسن الوصافين، لكن أوصافه مشبعة بروح عصرها؛ فالطيور أعجمية لأنها تنطق بغير العربية، وهي مثل سرب القيان من الجواري المغنيات اللائي يُجدن العزف بالأوتار، والدعوة للشراب على ورد الخدود من الإماء طبعًا، وهن حور منعّمات، لكن إشارة الزُّنار المشدود على قدودهن تومئ بوضعهن الذي يسمح باستباحة المتعة لاختلاف الدين· هنا نجدنا فى قلب منظومة قيمية تختلف عما أسفر عنه التطور الحديث على المستوى الإنساني، لكنها تظل دالّة على روح عصرها وهامش الحرية العريض الذي كان متاحًا فيه

اقرأ أيضا