الاتحاد

دنيا

عُلماء يقتربون من حل لغز سماع الأفاعي دون آذان خارجية

أفعى الأصَلَة الملكية تلتف حول بيضها في حديقة حيوانات بالهند

أفعى الأصَلَة الملكية تلتف حول بيضها في حديقة حيوانات بالهند

عندما تُحرك الأفعى المُجلجلة ذيلها، هل يا تُرى تسمع الصوت الذي تُحدثه؟ الجواب عن هذا السؤال حير العلماء منذ زمن طويل، إذ صارعوا منذ عقود لمعرفة كيفية استشعار الثعابين للأصوات فيما تفتقد الآذان الخارجية. لكن يبدو أن العلماء أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من حل لغز "آذان الأفعى غير المرئية". فقد كشفت دراسة حديثة نُشرت في العدد الأخير من مجلة "العلم الحيوي التجريبي" أن الموجات الصوتية تُحدث اهتزازات داخل جمجمة الأفعى فتتمكن من سماعها في أذنها الداخلية.

يقول عالم الأعصاب بروس يونج من جامعة ماساشوسيتس تعليقاً على نتائج هذه الدراسة التي لم يُشارك فيها “لطالما سادت تلك الفكرة الخرافية التي تُفيد بأن الأفاعي صماء. ولقد سبق لدراسات سلوكية أن أظهرت أن الأفاعي يمكنها أن تسمع في الواقع، والآن تأتي هذه الدراسة لتُضيف معلومةً جديدةً وتخطو خطوةً إضافيةً لتفسير كيفية سماع الأفعى”. ويختلف حال الثعبان عن حال الإنسان. فلدى البشر، تُسافر الموجات الصوتية عبر الهواء لتصل إلى طبلة الأُذن، فيتسبب ذلك في تحرك عظام رقيقة واهتزاز خلايا شُعيرات دقيقة داخل الأذن الداخلية. ثم تُتَرجَم هذه الاهتزازات إلى اندفاعات عصبية تشق طريقها إلى الدماغ. أما الأفاعي، فإن لديها أذناً داخليةً مكتملة البنيات والمكونات، لكنها تفتقد إلى طبلة الأذن. وبدلاً من ذلك، ترتبط الأذن الداخلية مباشرةً بعظم الفك، الذي يتخذ من الأرض متكأً ومسنداً كلما زحف الثعبان.
فحوى الدراسة
أظهرت دراسات سابقة أن تلك الاهتزازات المسافرة عبر الأرض، مثل وقْع خطوات أقدام فريسة أو حيوان مفترس، تتحول إلى اهتزازات تحدث على مستوى عظم فك الثعبان، الذي ينقل بدوره إشارات اهتزازات ارتدادية إلى الدماغ عبر الأذن الداخلية. غير أنه ليس من الواضح إلى الآن ما إذا كان بإمكان الأفاعي سماع الأصوات المُسافرة عبر الهواء. وهذا الأمر دفع العالم الحيوي كريستيان كريستينسين من جامعة آرهوس بالدانمارك إلى إجراء دراسة عن كثب على نوع خاص من الأفاعي يُدعى ثُعبان الأصَلَة الملكية ذات الأصول الإفريقية. وأقر كريستيان أن دراسة هذا النوع من الثعابين لم يكن بالأمر السهل، إذ “لا يمكنك تدريب الثعابين على الاستجابة للأصوات بإصدار سلوكات معينة كما نفعل عند إجراء تجارب على الفئران”. وعوضاً عن ذلك، قام كريستيان وزملاؤه باستخدام إلكترودات مربوطة برؤوس هذه الزواحف لمراقبة نشاط الأعصاب التي تربط الآذان الداخلية للأفاعي بأدمغتها.
وفي كل مرة يُطلَق فيها صوت عبر مكبر معلق فوق قفص الثعبان، كان الباحثون يقيسون ما إذا كان العصب ينقل نبضاً كهربائياً، لكنهم لاحظوا أن الأفاعي لم تُظهر أية استجابة خارجية حُيال هذه الأصوات. كما لاحظوا أن النبضات العصبية لهذه الأفاعي قوية جداً بحيث تتراوح تردداتها بين 80 و160 هرتز، وهي ترددات تُقارب أدنى نوتات كمان التشيلو الكبير، ولو أن الأصوات المسلطة على أقفاص هذه الثعابين لم تكن بالضرورة من صنف ما تسمعه الأفاعي في البراري والصحاري. وتبدو الأفاعي غير متجاوبة مع الاهتزازات التي تُحدثها هذه الأصوات على الأرض نظراً لأن هذه الاهتزازات كانت ضعيفةً جداً بحيث تعجز عن التسبب في صدور نشاط عصبي عندما لا تكون مصحوبةً بصوت يمر عبر الهواء. ولكن، حين ربط كريستيان وزملاؤه جهاز استشعار بجمجمة الثعابين الخاضعة لهذه التجارب، اكتشف أن الموجات الصوتية المسافرة مباشرةً عبر الهواء تُسبب اهتزازات كافية في عظام الأفاعي بما يجعلها قادرةً على استشعار مصدره.
إمكانية التعميم
يصف بروس يونج النتائج التي توصل إليها هذا الفريق العلمي بـ”الطيبة جداً”، لكنه يُذكر في الوقت نفسه أن أعضاء الفريق درسوا فقط نوعاً واحداً فقط من الأفاعي. ويقول بهذا الصدد “إذا علمنا أن الطبيعة تحفل بحوالي ثلاثة آلاف نوع من الأفاعي والثعابين، فإن السؤال الذي يطرح نفسه علينا تالياً هو ما هي أوجه الاختلاف في قوة السمع الداخلية ما بين الثعابين؟” ويضيف “بعض الثعابين معروفة بكونها تملك قوةً أفضل على استشعار الاهتزازات عبر الأرض، وبالتالي فإن قدرتها على استشعار الموجات الصوتية عبر الهواء قد تكون أضعف وأقل. وبما أن الكثير من الأصوات تُعد ضعيفةً بحيث يتعذر عليها التسبب في حدوث اهتزازات على الأرض يمكن استشعارها، فإن امتلاك قدرةً مزدوجةً لاستشعار الصوت عبر الأرض والهواء سيكون عاملاً مساعداً لها للكشف عن تشكيلة واسعة من الأصوات.
وتفتقد بعض الحيوانات البرمائية كالسمندل والضفادع إلى طبلات الأذن، وقد تسمع بنفس الطريقة التي تسمع بها الثعابين”.
ويقول يونج أيضاً إنه قد تكون هناك طرق أخرى تستخدمها الثعابين لاستشعار الاهتزازات في الهواء والأرض. ويضيف “نعلم أن الثعابين لديها أعضاء استشعار خاصة في جلدها ورأسها قد يكون لها الدور الأكبر في الاستجابة للاهتزازات. ونملك بين أيدينا في الوقت الراهن بعض الأدلة التي تُفيد بقدرة الثعابين على الكشف عن الاهتزاز على طول جسمها. لكن هذه الأدلة ليست كافيةً ولا هي تُقدم الكلمة الفصل لتقديم وصف دقيق عن كيفية استشعار الثعابين للأصوات والاهتزازات”.
عالم الأفاعي والثعابين
الثعبان هو ذكر الأفعى، وهو حيوان زاحف لاحم يمشي على بطنه. ومعظم أنواع الثعابين غير سامة، أما الأنواع السامة، فتستخدم السم بالأساس سلاحاً لقتل الفريسة أو إخضاعها. ويلتهم الثعبان فريسته بعد غرس أنيابه السامة في جسدها لشلها، أو بخ السم في عيونها عبر ثقوب الأنياب لعدة أمتار كما يفعل ثعبان الكوبرا. أما غير السام فيقتل فريسته بالالتفاف حولها وخنقها بعضلاته القوية أو اختيار الفرائس السهلة مثل فراخ الطير والبيض. وتنتشر الثعابين في جميع القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية. منها ما لا يتعدى طوله عشرة سنتيمترات، ومنها ما يفوق طوله سبعة أمتار.
وتتميز جمجمة الثعبان بجمعها بين الصلابة والمرونة، فدماغه محمي بغطاء عظمي قوي، بينما تتمتع فكوكه بمرونة عالية، ويحوي فكه السفلي أربطةً مرنةً تتمدد لتسمح له بابتلاع فريسته كيفما كان حجمها. وتتغذى الثعابين على فرائس متنوعة، فالصغيرة تتغذى على الحشرات، والكبيرة تأكل الفرائس الموجودة في بيئتها مثل الفئران والأرانب وصغار الطيور. أما الثعابين الضخمة، فتتغذى على بعض الحيوانات الكبيرة مثل الأكباش وبعض التماسيح.
ويبتلع الثعبان فريسته بالكامل، مستعيناً بمرونة فمه وعدم وجود لثة أو أسنان مضغ. وبعد تجاوز الفريسة الفم، يُحطمها بعضلات بطنه القوية التي تعمل كبديل للأسنان، ثم يأكلها ببطء وعلى مراحل وفترات متباعدة. وتختلف القوة البصرية من ثعبان إلى آخر، فالثعابين التي تعيش على الأشجار لديها رؤية أفضل من تلك التي تعيش في الجحور وجوف الأرض. أما حاسة شمه، فهي حاسته الرئيسة التي يعتمد عليها في اكتشاف بيئته المحيطة، يُساعده في ذلك لسانه في التذوق والشم معاً، ويُمكنه من التقاط ذرات الروائح والتعرف عليها. وهناك ثعابين يمكنها استشعار الأشعة تحت الحمراء بمساعدة أعضاء تحسس حرارية موجودة بين العينين والأنف تُتيح لها الإحساس بحرارة البيئة وتمييز حرارة فريستها عن حرارة البيئة. وفيما يتعلق بعيونه، فهو لا يملك جفوناً ولا يستطيع إغماض عينيه، ولذلك فهي مغطاة بطبقة قشرية مصقولة تحمي عينيه بشكل دائم.
ويقوم الثعبان من تارة لأخرى بطرح كسائه القشري والانسلاخ منه. ويحقق له هذا الانسلاخ الذي يقوم به من مرة إلى أربع مرات في السنة عدة فوائد على مستوى النمو وتجديد الثوب والتخلص من الطفيليات والأوساخ التي تعلق به. وتتكاثر الثعابين والأفاعي في فصلي الربيع والصيف. ومن أعداء الثعبان التي لا تخشاه القنافذ والصقور والنموس والقطط والدجاج والعناكب الكبرى. ويعتقد بعض سكان آسيا أن أكل الثعابين أو شرب دمه يزيد القدرة الجنسية وله قوة علاجية ودوائية. وفي الحضارة اليونانية، يحظى الثعبان بتقدير كبير، إذ يُعتبر رمزاً للشفاء من الأمراض.

هشام أحناش
عن «لوس أنجلوس تايمز»

اقرأ أيضا