الاتحاد

دنيا

ديكورات بدوية تمزج أجواء الماضي وجماليات الحاضر

روح الماضي تعانق الحاضر في تفاصيل ديكورات بيوت الشعر

روح الماضي تعانق الحاضر في تفاصيل ديكورات بيوت الشعر

خذوا الخلق الرفيع من الصحارى.. فإن النفس يفسدها الزحام.. وكم فقدت جلالتها قصورا.. ولم تفقد مروءتها الخيام. قالها الشاعر المتنبي ليصف به واقع الطبيعة البشرية التي ألفت حياة الخيام مما اختصوا بمجموعة من المفاهيم والمفردات التي تنم عن الشجاعة والمروءة والكرم والبسالة، وهي السمة الأخلاقية التي يتشربها المرء من حياة البداوة، وما يحيط به من طبيعة قاسية جعلتهم يصوغون الخامات المتوافرة في بيئتهم إلى أدوات تلبي احتياجاتهم اليومية

تفنن البدو في بناء مساكنهم التي كانت من الخيام وبيوت الشعر، ففي أجواء الشتاء يحن المرء إلى استعادة ذكريات حياة الأجداد، وإلى المكان الذي احتموا فيه من لفحات الشمس الحارة وقسوة الشتاء البارد، عبر بيت من بيوت الشعر، حيث الدفء والحميمة، وتتميز بيوت الشعر التي أبدع الاهالي قديما في صناعتها بطريقة تقاليدية قديمة بمقاومتها لظروف البيئة المحلية، وبسهولة تركيبها، نظرا لبساطة تقنيتها، وأيضا لسهولة حملها ونصبها من مكان إلى آخر، وبالرغم من بساطتها إلا أن خامتها التي كانت منسوجة من صوف الحيوانات، تساعد على تمتعها بعوازل طبيعية، حيث لا يمكن أن تتسرب إليها مياه الامطار.
روح الماضي
ونظرا لتطور صناعة بيوت الشعر ودخول تقنيات حديثة مجسدة جمال الحاضر وروح الماضي، نجد العديد من الأفراد من أراد أن يجلب هذه النمط من الديكور من أحضان حياة البداوة لتعيش وتستقر بطريقة مبتكرة في أجواء منازلهم الحديثة. فهناك العديد من الأفكار التي استطاع الكثيرون أن يحولوا من خلالها أفنيتهم إلى أجواء تمثل بوابة دخول إلى الماضي بروعته وفنياته المتمثلة في مقتنايته كافة، والتي شكلت بعض قطع ديكور المكان. من بين البيوت التي أبدع فيه أصحابها في خلق بيئة بدوية تواكب طبيعة الحياة المعاصرة، بيت “أم محمد”، حيث اقتحمنا أجواء المكان الذي يعبق بالثقافة والتراث في تفاصيله كافة، والذي اختزن في كل ركن من أركانه عبق الماضي الجميل، واحتضن الكثير من كنوز التراث..
تراث شعبي
وقد أبدع أصحاب المنزل في تحويل أحد أركان فناء منزل إلى عالم مستفيض بالتراث الشعبي بمفرداته كافة وأدق تفاصيله، ما خلق بيئة على غرار نمط الحياة البدوية، بما تحمله من أجواء ساحرة ودافئة، اختزنت في باطنها الكثير من بعض المقتنيات والتراث التي ربما تمثل ذكرى لا تنسى لأصحاب المنزل، وفضلوا أن تكون جزءا وقطعة حاضرة معهم، تثري تفاصيل المكان.
وعادة ما تنفذ بيوت الشعر وديكوراتها على شكل هياكل حديدية أو بناء خراساني ثم تنفذ أعمال الديكور الداخلي ووضع مفردات الأثاث الملائم من حيث الجلسات والمفروشات، وأيضا يتم تنجيد جدران وفراغات الخيمة وتبطينها بقطعة قماش بطريقة الشد والتدبيس.
وجاءت الفكرة في كيفية شغل حيز من المنزل واستغلال تلك المساحة بطريقة فنية مدروسة باتقان، حتى يتحول هذا الفراغ إلى مكان يمكن توظيفه بطريقة عملية وفنية في الوقت ذاته، من خلال تشييد أسقف المكان بالزجاج العازل ضد الحرارة والمياه حتى يكون المحيط مهيئاً لرسم ملامحه وتفاصيله الداخلية، الذي أراد أصحاب المنزل ان يبثوا فيه روح التراث الشعبي.
لغة الراحة
كما تم شغل هذه الديكورات وتصميمها في الجزء الخلفي من الفيلا، ليتحول المكان إلى صالة للمعيشة حيث يجتمع فيها أصحاب المنزل لفترة طويلة، ما يهيئ المكان ليتحقق فيه قدرا من الراحة والاسترخاء والهدوء أثناء مشاهدة التلفاز أو حتى تجاذب أطراف الحديث في ليالي السمر، لذلك جاءت مفردات الأثاث لتحاكي لغة الراحة، فهي وثيرة وناعمة وسرعان ما يغوص الجسد فيها ويسترخي، حيث إنها منجدة من قماش الشمواه لتمنح المكان الرقي والفخامة، حيث اللون الاحمر الذي استمد من لون قماش السدو، ولقد حرص أصحاب المنزل على خلق نوع من التنوع المتناغم بين قطع الاثاث من خلال المزج بين الأرائك الواسعة والكبيرة وإثرائها بقطع من الكوشينات، إلى جانب الجلسات العربية المدعومة ببعض الوسائد الجانبية، حيث شغل به الحيز الداخلي من المكان، بالرغم من اختلاف شكل ومظهر تصاميم مفردات الاثاث إلا أنها تسير على النهج نفسه الذي نسج بذاكرة الماضي، وقد سدل ستار السدو على كلا الجانبين وبُطن به سقف صالة المعيشة، بطريقة توحي كأنها خيمة ممتدة بطريقة طولية على الفراغ، وتتدلى من السقف عدد من المصابيح القديمة والمتمثلة في الفنر أو الصراي أو ما يطلق عليه في بعض الدول العربية “الفانوس”.
سحر ودفء
ونجد أن أكثر ما يلطف أجواء المنزل تلك التحف والمقتنيات التي تبدو غير أساسية إلا أنها تضفي على المكان جوا من السحر والدفء، فمن خلال هذه الاضافات يمكن ان نقرأ ملامح الناس وأهوائهم وأمزجتهم، فكل قطعة من هذه القطع التي تمنح المكان هوية ورائحة الماضي، وتنقلنا إلى عالم مستفيض بالتراث التي احتضنها هذا المكان الصغير، حيث وزعت تللك المقتنيات كأوسمة على صفحة الجدران، فنجد عددا من المنحوتات الخشبية التي علقت على الحوائط الداخلية إلى جانب عدد من قطع البنادق القديمة الصنع، وبعض اللوحات التي لم تخرج فكرتها من نطاق وطبيعة الاجواء، كما اتخذت بعض الأواني القديمة مكانا لها في زوايا المكان وبعض أباريق الشاي الفضية التي دمغت ببصمة حرفي تنم عن مهارة ودقة في زخرفة ونقش الاعمال الفضية، إلى جانب عدد من الاجهزة القديمة كالمذياع والبشتخته والمناديس الفضية المطعمة بالأحجار، وأيضا عدد من قطع السجاد القديمة التي غطت أرضية المكان فهي أشبه بلوحة فنية أبدعتها نبضات أنامل في لحظات عشق لتحكي من خلال نقوشها ورمزها وألوانها أسطورة تؤرخ حياة وحضارة شعب،


إبداع إنساني
جعلت المقتنيات القديمة البيوت وكأنها متاحف مفتوحة، بما تضمه من إبداع إنساني وتمثل نتاجا من الحضارات القديمة كافة. فكل قطعة من هذه القطع لربما تحمل عند أصحاب هذا المنزل قصة وحكاية تتجلى أمامهم لحظة لمحهم لتلك المقتنيات، والتي تعتبر عن إرث له قيمة معنوية ومكانة خاصة عند أصحاب المنزل.
وتظل ديكورات بيوت الشعر بتفاصيلها وطقوسها وتقاليدها كافة ماثلة ومتجددة فهي جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للإنسان، حتى وإن طوتها حياة التمدين والتطور.

اقرأ أيضا