أرشيف دنيا

الاتحاد

محسن العوضي: الإدارة اللوجستية تسهّل التدفق بين مناطق الإنتاج والاستهلاك

الإدارة اللوجستية تتضمن تجميع المعلومات عن النقل والجرد والتخزين والتغليف

الإدارة اللوجستية تتضمن تجميع المعلومات عن النقل والجرد والتخزين والتغليف

كثيرون يدرسون تخصصات جامعية اختاروها وفق رغباتهم وأحلامهم، متغاضين عن احتياجات سوق العمل ومدى توافق تخصصاتهم الجامعية مع تلك الوظائف المطروحة التي تنتظر من يشغلها، وبعد التخرج البعض منهم يصر على انتظار فرصته التي قد لا تأتي في أن يعمل في مجال دراسته، والغالبية ترضى بالعمل في أي مجال كان وإن كان لا يتوافق مع ما كانت تطمح إليه سابقاً، وهذا الأمر ينسحب على المواطن محسن العوضي، الذي اختار أن يدرس الإدارة اللوجستية وهو تخصص نادر، ولم يكن مطروحا في مجتمعاتنا العربية، خاصة في الفترة التي درس فيها، أي في أواخر التسعينيات إلا أنه نجح في إيجاد وظيفة تلائم تخصصه فأفاد واستفاد.

على الرغم من ضرورة وجود خريجي تخصص الإدارة اللوجستية في المطارات وشركات الشحن والاستيراد ونحو ذلك، إلا أن محسن العوضي عانى لفترة من الزمن من عدم وجود مهنة تناسبه وتنسجم مع تخصصه، وذلك نتيجة عدم فهم المؤسسات والشركات لطبيعة تخصصه، ولكنه أصر على التمسك بالحلم الذي طالما راوده، ورفض أن يعمل في غير مجال تخصصه، وشق طريقه بوظيفة بسيطة كموظف عادي يتقاضى راتبا زهيدا في شركة خاصة، وبعد أن أثبت جدارته وقدراته حظي بعدة فرص وظيفية حتى وصل به المطاف إلى العمل في مؤسسة مدينة دبي للطيران – دبي ورلد سنترال، إذ يشغل حاليا منصب مدير إدارة تطوير العمليات وعلاقات الشركاء.
علم واسع
عن سبب اختياره لتخصص الإدارة اللوجستية ليدرسه في جامعة تنسي الأميركية، يقول العوضي “بعدما أنهيت الثانوية العامة لم أكن أعلم ماذا أختار من تخصص، إذ فكرت في الدخول إلى مجال التسويق، ولكن أخي نصحني بأن أدرس تخصص الإدارة العامة كما فعل هو في أميركا. فأقدمت على السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية، وأنهيت تسجيلي في جامعة “تنسي”، حيث درست في العام الأول المواد التأهيلية، وقد بدأت بعد ذلك باختيار مواد التخصص في العام الثاني، إذ كان من بين المواد المطروحة هي مادة اللوجستيك وهي كانت مفتاح اختياري لهذا التخصص النادر آنذاك وقد أدخلتني هذه المادة في أروقة العشق اللوجستي، وقد أدركت حينها بأن علم “اللوجستية”، ليس محصوراً بالأمور اللوجستية العسكرية فقط كما يظنها الكثيرون، بل هي علم واسع ويدخل في طياته الكثير من المجالات الحياتية الأخرى، وقررت على أثرها أن أتخصص في الإدارة اللوجستية، التي أوقعتني في غرامها حيث عرفت أن اللوجستية ليست فقط محصورة في الأمور العسكرية كما يظن البعض بل لها مجالات أخرى”.
ويضيف “بعدما أنهيت مرحلة شهادة البكالوريوس وعدت إلى أرض الوطن، بدأ مشواري في البحث عن وظيفة حكومية تنسجم مع تخصصي الجديد، وكلما تقدمت لجهة ما رفضت وذلك لعدم فهمهم طبيعة تخصصي ودوره، وهكذا حتى وجدت ضالتي بوظيفة في مجموعة “الفطيم”، إذ عينت موظفا في إدارة النقليات، وقد اكتسبت خبرة في مجال إدارة النقل البري والجوي والبحري، وخلال فترة بسيطة تمت ترقيتي إلى مدير قسم النقل البري في الشركة نفسها، وفي تلك الآونة كنت من ضمن مؤسسي شركة نقليات عبر الجزيرة العربية التابعة لشركة الفطيم والمتخصصة في نقل البضائع من الإمارات إلى دول الخليج وبالعكس”. وبعد مضي عامين من عمل العوضي (35 سنة) في تلك الشركة الخاصة، انتقل للعمل لدى شركة أخرى، ولكن قبل أن يتابع حديثه عن مشواره المهني قدم شرحا لمصطلح الإدارة اللوجستية، حيث أوضح أنها “جزء من سلسلة توريد المواد والتي تقوم بالتخطيط والتطبيق والتحكم بتدفق البضائع وتخزينها بشكل مرن وفعّال، وذلك بين نقطة الإنتاج ونقطة الاستهلاك لهدف إرضاء المستهلك، وهي تشمل كل ما يتعلق بشحن وتفريغ وتخزين البضائع، وإيصالها للعميل من مكان وصولها إلى مكان العميل، أما اللوجستية فهي كلمة إنجليزية تعني بالعربية فَنُّ السَّوْقِيَّات وهو فن وعلم إدارة تدفق البضائع والطاقة والمعلومات والموارد الأخرى كالمنتجات والخدمات وحتى البشر من منطقة الإنتاج إلى منطقة الاستهلاك، ومن الصعب أو حتى من المستحيل إنجاز أي تجارة عالمية أو عملية استيراد وتصدير عالمية أو عملية نقل للمواد الأولية أو المنتجات وتصنيعها دون دعم لوجستي احترافي”، لافتا إلى أن اللوجستيات تتضمن تجميع المعلومات، والنقل، والجرد، والتخزين، والمعالجة المادية والتغليف.
رسالة الماجستير
المحطة الثانية التي عمل فيها العوضي لمدة امتدت إلى 6 سنوات كانت في شركة دبي للألمنيوم (دوبال)، التي كان لها دور في إتمامه رسالة الماجستير، حيث تسلم منصب رئيس قسم الإدارة اللوجستية للواردات، ويعتبر العوضي أن هذه المرحلة هي من أهم مراحل حياته ويصفها بأنها مدرسة في الإدارة وسوق العمل، إذ طبق من خلالها كل ما تعلمه خلال أعوام دراسته بالإضافة إلى خبرات جديدة تعرف عليها للمرة الأولى.
وفي العام 2006 ابتعثت شركة “دوبال” العوضي ليكمل دراسة الماجستير في الإدارة اللوجستية في جامعة كرانفيلد في بريطانيا، ما زاد من حماسه لذلك أخذ زوجته معه لإكمال دراساتها العليا أيضا في مجال الإدارة، إذ درسا الماجستير معا في الجامعة نفسها، وكانا نعم الزوجين الطموحين اللذين يسيران معا خطوة بخطوة ويداً بيد في طريق التميز والنجاح.
وحول طبيعة رسالة الماجستير، يقول العوضي “طبيعة نظام الدراسة في بريطانيا لمرحلة الماجستير هي دراسة نظرية لمدة 6 شهو ، تتبعها 6 شهور أخرى عملية تتمثل في تقسيم الجامعة للطلبة ليعمل كل لدى شركة ما متعاقدة مع الجامعة، ويكون لدى هذه الشركة مشاكل في وصول بضائعها أو منتجاتها إلى عملائها في مختلف الدول كتأخير وصولها ما يعطل مصالح العميل الذي قد تفقده الشركة المصدرة، وهنا تكمن مهمتنا نحن الطلبة بوضع خطة عمل تتضمن البحث وإيجاد حلول لوجستية لهذه الشركة تضمن وصول المنتج بالكمية والحالة والمكان والوقت والتكلفة المحددة إلى العميل الصحيح وفي الوقت المناسب، ولأنني صاحب خبرة مع شركات الملاحة بحكم عملي مع “دوبال”، تم تسليمي شركة سويدية وإدارتها في بريطانيا متخصصة في تصدير مواد لسلامة العاملين في المنشآت، ولأن تلك الفترة كانت بداية الثورة العمرانية فإن الطلب كبير جدا على منتجات تلك الشركة، فبرزت لديها مشكلة لوجستية متعلقة في وصول البضائع إلى دول العالم التي تصدر لها بالسرعة المطلوبة، وهنا بدأت أدرس حالة تلك الشركة، وأعد دراسات وخططا تساعدهم في حل مشاكلهم، وأجتمع في نهاية كل أسبوع بصحبة الدكتور المشرف على دراستي مع أعضاء منتدبين من الشركة ونناقش الحلول التي وضعتها، بالإضافة إلى اجتماع عبر الهاتف والفيديو مع أعضاء من المقر الرئيس للشركة في السويد بمعدل مرة كل شهر لنناقش الحلول، وهكذا حتى استطعت تقديم خطة شاملة لحل جميع مشاكلهم تطبق على مراحل تطبق على مدار 5 سنوات”. وأثبت العوضي نجاحه في أطروحة الماجستير لدرجة أن الشركة التي كان بحثه منصباً عليها طلبت منه أن ينضم إلى فريق عملها، لكنه رفض لالتزامه مع الشركة التي ابتعثته للدراسة، وتحملت جميع نفقاته، وبعد عودته إلى الدولة عاد مجددا للعمل في دوبال، وانتقل من قسم الواردات إلى قسم المبيعات، فاختلفت مهامه قليلا من مستلم للبضائع إلى مصدر لها.
فرصة جديدة
حظي العوضي بفرصة عمل جديدة في عام 2008 في مؤسسة مدينة دبي للطيران، إذ عين مديرا عاما لمدينة دبي اللوجستية/ قسم تطوير الأراضي، حيث تسلم في تلك الفترة مشروع بناء مدينة دبي اللوجستية، وبعد عام انتقل ليتسلم مسؤولية في إدارة تطوير العمليات وعلاقات الشركاء وتمثلت طبيعة عمله في مشروع تطوير المناطق الحرة الكائنة في مؤسسة مدينة دبي للطيران ومطار آل مكتوم، وهي مدينة دبي للطيران ومدينة دبي اللوجستية، ويتطلب هذا التطوير منه التواصل مع الشركات العالمية المستثمرة، وجذبها للاستثمار في تلك المنطقة، وتقديم الخدمات لها عبر تيسير إجراءات استثمارها عبر التواصل مع الجهات المختلفة كالجمارك والوزارات والشرطة.
وحول أبرز إنجازات الإدارة التي يترأسها، يقول العوضي إنها تتمثل في مشروع المعبر اللوجستي أو دبي لوجستكس كوردور بالتعاون مع جمارك دبي، وهو أداة رئيسة في تعزيز تنافسية دبي وموقعها المتميز كمركز لوجستي عالمي، إذ يربط هذا المعبر بين المنافذ البحرية والبرية والجوية في إمارة دبي على مساحة تبلغ نحو 200 كيلومتر مربع، ويصل بين ميناء جبل علي، الذي يعد تاسع أكبر ميناء للحاويات في العالم، والمنطقة الحرة لجبل علي “جافزا”، التي تحتضن حالياً أكثر من 6500 شركة، ودبي وورلد سنترال الذي يضم مطار آل مكتوم الدولي، ومن المنتظر أن يصبح عند اكتماله المطار الأكبر في العالم من حيث المساحة والطاقة الاستيعابية، إذ يهدف المشروع إلى تسهيل عملية إعادة تصدير البضائع عن طريق إيجاد مجتمع متكامل للاستيراد والتصدير، وإعادة التصدير للتسهيل على العملاء المعنيين بعملية إعادة التصدير، وتعزيز مكانة دبي كوجهة مفضلة لعمليات التصدير وإعادة التصدير في المنطقة، وكمنصة لوجستية متميزة في قلب العالم العربي وبوابة للوصل بين التجارة والسياحة في شرق العالم وغربه”.
ويلفت العوضي، الذي يشغل أيضا منصب سكرتير مجلس الإدارة لمنظمة “سي آي إل تي” في الإمارات، والتي تعمل على تطوير القطاع اللوجستي في الدولة، إلى أن تخصص الإدارة اللوجستية بدأ بالانتشار في الجامعات العربية ومنها جامعة الإمارات التي افتتحته مؤخرا ولم تتخرج منه أول دفعة بعد، ولأن العوضي يعشق تخصصه عمد إلى إفادة الطالبات الدارسات لهذا التخصص عبر تواصله مع أساتذتهم في الجامعة ومساعدتهم في تقديم بحوث جديدة من وحي تجربته وخبرته، وقد حضر وفد من طالبات جامعة الإمارات وأساتذتهم للقاء العوضي في مكتبه حيث قدم لهم شرحا مفصلا عن الإدارة اللوجستية.

اقرأ أيضا