الاتحاد

الملحق الثقافي

مَن أسْخَى مِن حاتِم··· غير الإمارات؟

د· عبد الملك مرتاض

د· عبد الملك مرتاض

للعرب مواقفُ مشرّفة يَقِفُونها، وخِصالُ شهامةٍ يتّصفون بها، منها إمعانُهم في إكرام الضيف، وحرصُهم الشديد على الْجَوْد بالمال حين الحاجة إلى تسجيل المآثر، والتعالي في المقامات والمفاخر· ومن أجل ترويج هذه الثقافة الكريمة التي عُرِفوا بها في حياتهم الأولى، ضرَبوا أمثالاً في آدابهم للخير والشر، وللكرم والبخل، ولكلّ القيم العظيمة والمعاني النبيلة، فسارت بها الرُّكبان، وتلقّاها عنه الجواري والولدان، ومن ذلك ضرْبُهُم مثَلاً في إكرام الضيف لشخصيّة عربيّة طائرة الصِّيت في تاريخ الأدب العربيّ، وهي شخصيّة حاتم الطّائيّ التي اشتهرت بالْجُود المدهش، فاستحقّ بتلك الصفة الأسطوريّة أن تضرب العربُ به المثلَ في ذلك، فقالت: أسخى من حاتم! كما ضربت العرب أمثالاً أخرى بأجواد عرب آخرين أمثال عبد اللّه بن جدعان، فقالوا: ''أقرى مِن حاسِي الذهب''! ولكن أين السخاءُ مِن السخاء، والْجُود مِن الجود!
ولذلك لا تزال هذه الحاتميّة العجيبة التي عُرف بها أسخياء العرب عطاءً، وأجودهم بذْلاً، ثمثُلُ في أحفادهم الأسخياء، وهم آل نهيان، وشعب آل نهيان في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، فقد جادت أريحيتهم العربيّة السمحة بأن تبرّعوا في يوم واحدٍ فقط بما يقرب من مائتي مليون دولار أميركيّ للشعب الفلسطينيّ المقهور المظلوم·
وإذا كانت دولة الإمارات العربيّة المتحدة قليلةً عددُ شعبِها، فإنّ الكرام قليل! وكثرة الخلق في بعض الأقطار العربيّة لم تقدّم ولم تؤخّر! والعالم كلّه يعرف أنّ الجهاد بالمال هو أرقى أنواع الجهاد، ونقصد بالجهاد هنا الدّعم المعنويّ والماليّ للشعب الفلسطينيّ المظلوم·
وإلاّ فأرُوني أيَّ شعب عربيّ استطاع حتى الآن، منذ هجوم إسرائيل على غزّة أن يتبرّع بهذا المبلغ الكبير للشعب الفلسطينيّ في يوم واحد؟ لقد بلغت الأريحيّة بشيوخ الإمارات غايتَها فأمسَوْا أكرَمَ من الريح المرسَلة! ولولا أنّي أخشى أنّ القراء الكرام قد يفهمونني على غير ما أريد أن أعبّر عنه لكنت اخترتُ لمقالتي هذه عنواناً أليَقَ بالمقام، وأدلّ على الحال، وهو: ''أسخى من الإمارات''! فضربْتها مثلاً شروداً في الناس سائراً بينهم؛ ذلك بأنّ الفهم العصريّ للعبارة قد يقتضي وجود من هو أسخى من الإمارات، في حين أنّ تقاليد الأسْلَبة العربيّة المعروفة إنّما تعني أنّه لا أحدَ على وجه الأرض، وعلى وجه الدهر أيضاً، أسخى من الإمارات العربيّة المتحدة التي تتضمّن شيوخ الإمارات العربيّة المتحدة وشعبها العظيم·
إنّ هذه المأثُرة الرائعة التي تمثّلت في جمع هذا المبلغ الهائل من المساعدات الماليّة وغيرها من أنواع الدعم الماديّ، وفي يوم واحد، وفي جوّ أقلّ ما يقال فيه: إنّه جوّ التضامن التلقائيّ في أعظم معانيه، وأروع تجلّياته: لا ريب في أنّها ستُثلج صدور الإخوة الفلسطينيّين الجائعين المجروحين المشرّدين، ولا ريب في أنّها ستخفّف عنهم ما لحِقهم من عَناء واضطهادٍ وتدمير وتشريد شنيع لم نكد نعرف له في التاريخ مثيلاً

اقرأ أيضا