الاتحاد

الملحق الثقافي

ماذا فعلت البلاغة الأكاديمية بالذات؟

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

كان الأساتذة الذين درست على أيديهم يلحون على مسألة الموضوعية والعلمية، ولم أكن ـ مثل غيري ـ أتساءل كيف يمكن أن نكون موضوعيين في دراسة الإبداع اللاموضوعي أو الذاتي؟ ترى لماذا ترفض البلاغة الأكاديمية الكتابة التي تحاول أن تنقل ذات القارئ، رغم أنها تشيع جوّا من الحميمية عند المتلقين؟ ولم تدعُ إلى نفي الذات رغم أنها تساعد على تحقيق الاستقلال؟ لماذا تعدّ الذات في البلاغة الأكاديمية لا قيمة لها، ولماذا تؤمن بأن الذات معطى خسيس لابد من استئصالها، ومنعها من التجسد في الخطاب؟
لم تكن هذه الحالة السردية التي مررت بها خاصة بي، وإنما كانت حالة عامة يعيشها مجمل الطلبة، ولم تكن أيضا البلاغة الأكاديمية مجرد قوانين عرفية غير مدونة، وإنما كان هناك إلحاح على صياغة حكاية للنقد، تبدأ من الذاتية وتنتهي بالمنهجية والتعليل· وتسمى المرحلة الأولى بمسميات عدة مثل الذاتية والانطباعية والشفاهية وهي باستمرار توصف بأوصاف سلبية، أما الثانية التي بدأت في القرن الثاني أو الثالث الهجري فتسمى بالمنهجية والموضوعية، كما توصف عند مجمل النقاد في العصر الحديث بأوصاف إيجابية، ويؤرخ بها ظهور النقد العربي، ومجمل الأسباب تتمحور حول التحليل والاستنباط وترك كل ماهو ذاتي·
لقد ظلّ الذوق النقدي العربي قبل الإسلام مجهولا بالنسبة إلينا ومختزلا في أحكام مبسطة، على الرغم من أنه قد يكون تجليا من تجليات الفكر، فلا يمكن عزل الذوق عن الفكر، أو الذاتية عن الموضوعية، فلا أحد يستطيع أن يجزم بأن الفكر النقدي لا يحمل ولو بصورة رمزية انطباعات ذاتية، كما لا يستطيع أحد أن يثبت بأن الأحكام الذاتية تخلو تماما من الموضوعية والفكر· وهذا الاستنتاج المبدئي هنا رغم بساطته ووضوحه في التراث العربي إلا أنه كان غائبا عن النقاد المحدثين الذين بحثوا في النقد العربي القديم؛ لأن النقد العربي الحديث كان ينجذب إلى الخطاب النقدي القديم المدوّن في كتاب مستقل، مثل ''طبقات فحول الشعراء'' و''الشعر والشعراء'' إلخ··· مهملين المدونات الأدبية الأخرى كالرسائل والنثر الأدبي والروايات والتراجم وكتب الأدب الأخرى التي تتضمن خطابات ذاتية لقراءة النصوص الأدبية، وقد توصل إلى نتائج بالغة الأهمية تساعد في فهم الخطابات التراثية النقدية التي تعتمد على الفكر والاستنباط، كما أن الخطابات النقدية التراثية المباشرة ظلت هي الأخرى مجهولة بالنسبة إلينا كقراء، فلا توجد دراسة تحاول أن تفسر لنا كيف ينتقل الخطاب النقدي القديم من الموضوعية إلى الذاتية أو من الفكر إلى الذوق، وإنما ألح النقاد على تحويل كل من ابن سلام وابن قتيبه والآمدي··· إلى مفكرين منهجيين من الطراز الأول، دون ان ينقلبوا ولو لمرة واحدة على الموضوعية، فيقدموا أحكاما ذاتية·

A.tamim@kalima.ae

اقرأ أيضا