الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين ... وبعد: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ حَبْواً، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، - قَالَ-: فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ اللَّهُ تعالى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، - قَالَ - فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي - أَوْ أَتَضْحَكُ بِي - وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ «قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَالَ فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً»، (أخرجه مسلم). هذا حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب: آخر أهل النار خُروجاً. من المعلوم أن دخول الجنة على درجات، وأن الناس يتفاضلون في دخول الجنة بحسب أعمالهم، وأن لدخول الجنة أول وآخر، فلا يدخلونها مرة واحدة، حيث إنَّ أول من يدخل الجنة هو رسولنا - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديث: عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ»، (أخرجه مسلم)، وآخر من يدخل الجنة هو هذا الرجل كما جاء في الحديث المذكور سابقاً. إن طريق الجنة سهل يسير وإن كان محفوفاً بالتحديات والاختبارات، فمن وضع الجنة هدفاً له وَجَبَ عليه السعي لتحصيلها بكل ما أُوتي من قوة وبصيرة، كما جاء في الحديث: «أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ»، (أخرجه الترمذي)، فأهل الجنة يعيشون في نعيم دائم، فهم لا يمرضون ولا يحزنون ولا يموتون، ولا يفنى شبابُهم، ولا تبلى ثيابُهم، في غرف يُرى ظاهرُها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فالجنة فيها مالا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خَطَر َعلى قلب بشر، كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، (أخرجه البخاري)، يسير الراكب في شجرةٍ من أشجارها مائة عام لا يقطعها، أنهارها مُطَّرِدةٌ، قصورها منيفةٌ، قطوفها دانيةٌ، عيونها جاريةٌ، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ)، «سورة الغاشية: الآية 12 - 16»، هي أمنية كل مسلم، فأين عقولنا لا تفكر؟! ما لنا لا نتدبَّر؟! إن الأعمال الصالحة هي مفاتيح الجنة، ومن هذه الأعمال: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - قال: «كُنْتُ أَبيتُ مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ»، (أخرجه مسلم). مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ الصَّلاة صلة بين العبد وربه، صلة بين العبد الضعيف وبين الإله القوي، صلة بين العبد الفقير وبين الربِّ الغني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، «سورة الفاتحة: آية 5»، صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح طمأنينة، وأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد؛ لذلك كان الصادق المصدوق - عليه الصلاة والسلام - إذا اشتدت به الأمور لجأ إلى الصَّلاة، وكان يخاطب مؤذنه قائلاً: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلاَل»، (أخرجه أحمد). ولصلاة البردين فضائل عديدة حيث إنها سبب لدخول الجنة ورضى الله سبحانه وتعالى لقوله - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، (أخرجه البخاري)، والمراد صلاة الفجر والعصر. ونختم مقالنا هذا بالحديث الشريف عن فضل الله سبحانه وتعالى على أهل الجنة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجل يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ، يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً»، (أخرجه مسلم).