الاتحاد

الملحق الثقافي

الجوع في زمن الديكتاتوريات

امرأة من مضايا تنظر إلى المساعدات الإنسانية (أرشيفية)

امرأة من مضايا تنظر إلى المساعدات الإنسانية (أرشيفية)

كم حكاية ستحكى عن مضايا وجوع مضايا؟

قيل بأن الصين هي زعيمة البطون الخاوية بلا منازع، فماضيها سلسلة متصلة من الكوارث الغذائية أسفرت عن أعداد لا تحصى من الموتى، حتى إن أول ما يبادر به صينيٌ صينياً آخر سؤاله: هل أكلت؟ كان عليهم أن يعتادوا على أكل ما لا يُؤكل، ويُقال: لهذا لديهم هذا القدر من رهافة الذوق في فن الطبخ. لكن مضايا كانت ذواقة ومبدعة في فن الطبخ، أخشى أن ينسيها الجوع فنونها، الكبة بأنواعها المختلفة: الكبة العادية، كبة البطاطا، كبة بكشك، كبة يقطين، كبة بمرمزا، كبة عكوب، كبة حيلة، كبة عصافير. والكبة اللبنية والمشوية والمقلية.
هل ستنسى مضايا الزطة؟ ليست أكثر من لبن وبرغل وطحين ولحمة، لكن يد امرأة مضاويّة تعرف كيف تبدعها فتخلب اللب معها. أم الرشتاية: وهي عبارة عن معكرونة مع عدس، والمغمومة: وهي من دبس وبرغل، فهما لوحتان تؤكلان بالعين قبل الفم. والمحاشي؟ كوسا محشو، باذنجان محشو، وبندورة محشية، وفليفلة محشية. عندما كنت أطلب وجبة المحاشي في المطعم يسخر مني أصحابي: هل قطعتِ كل هذه المسافة لتأكلي المحاشي؟ ألا تحضرينها في البيت، فأقول: لمحاشي مضايا نكهة لا تصحّ مع غيرها. كذلك طبق الجدي بالزيت، أو طبق من الخضراوات اليابسة، أو القاورما المحضرة من لحم خروف معلوف بسخاء ومربّى بطريقة «التزقيم» كما يسمّونها.
هل سينسي الجوع سكان مضايا تراثهم في فن الطبخ؟ لا أظن ذلك، ربما في لحظة المخمصة لا يبقى صوت غير صوت أمعاء تتضور، ولا تبقى صور غير أطياف يبدعها الخيال تحت سواطير الجوع تدنو من الأفواه وتهرب في لعبة تعذيب إضافية، فالجوع هو تلك الحاجة الفظيعة التي تنشب مخالبها في الكائن كلّه، إنه ذلك الفراغ الآسر، والتوق إلى الامتلاء، إنما عند سدّ قليل من الرمق ستنتعش الذاكرة وتستعيد مخزونها. ولكن مثلما ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكنه بدون الخبز لا يمكن أن يحيا، ومن يتحكم باللقمة يتحكم بالعقول والإدراك والإبداع.

أرجوحة الجوع
تتطرق الكاتبة الألمانية الحاصلة على نوبل، هيرتا مولر، في رواية «أرجوحة النفس» عن طريق الراوي الذي انتزع مع كثيرين من وطنه وماضيه وهو ابن السابعة عشرة، حاملاً معه كل ما عنده أو كل ما يملك في عربة معدّة للحيوانات، مع آخرين، قبل أن يحملهم القطار إلى الأصقاع الباردة الجرداء، ليؤدوا طوال خمس سنوات أعمالاً متنوعة شاقة بلا مقابل مادي لإعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، إلى الجوع الذي يشكّل الثيمة الرئيسية للرواية، فالراوي منذ الفصول الأولى يجعل من الجوع قضيته التي كان يناضل ضدها من أجل أن يبقى حيّاً: لا توجد كلمات مناسبة لوصف عذاب الجوع. يجب عليّ أن أرى الجوع اليوم وقد استطعت الإفلات منه. صرت ألتهم الحياة بتفاصيلها منذ اليوم الذي لم أعد فيه مجبراً على أن أجوع. أنا حبيس طعم الأكل، حين آكل منذ أن عدت من المعسكر إلى البيت، منذ ستين عاماً أكافح ضد الموت جوعاً، ويبقى الجوع عالقاً في الذاكرة، في زاوية من الروح، لا يغادر حتى مع انتهاء مسوّغاته البيولوجية.

كانوا مجموعة بشرية تربو على المئة ألف شخص، وجدوا أنفسهم مجتثّين من أماكنهم مسلوبي الإرادة ومطعونين في كرامتهم الإنسانية من غير أن يقترفوا أي ذنب، ومن غير أن يأبه بمصيرهم أحد. الجوع يستدعي فكرة ما، يمكن أن تسكته وهكذا تبدأ عمليات الطبخ بالكلمات: عندما يكبر الجوع إلى أقصاه تتحدث عن الطفولة والطعام. النسوة يتحدثن عن الطعام أكثر من الرجال. هل هناك فعل أشنع؟ فعل التجويع بحكم القوّة؟ إنه الجوع في زمن الديكتاتوريات، التاريخ مولع بالتذكير بتجاربه، ومع هذا يبقى الإنسان متمسكاً بالحياة، ينتظر معجزة أن تحدث فتعيد إليه رمقه، بينما الجسد يأكل ذاته ويتغذى من بقاياه بانتظار هذه المعجزة.

في مضايا لم يبقَ طعام، لم تكن مسوّرة كالمدن التي تقبع تحتها في طبقات التاريخ، كانت تلك المدن تحصّن نفسها بأسوار تلتف حولها تخترقها الأبواب التي تغلق بعد عودة الجميع إلى بيوتهم، وكانت المؤن تكفي سنين طويلة ضدّ الجوع فيما لو تعرضت المدينة للغزو الخارجي وحطّت الجيوش على أسوار المدينة. لكن مضايا بلدة صغيرة تتبع مركز منطقة أكبر منها، وتلك مع كثيرات مثلها يشكّلن محافظة كبيرة هي محافظة ريف دمشق بالتقسيمات الإدارية السورية، ودمشق مدينة وعاصمة في دولة اسمها سورية، فكيف كان سيخطر في بال مضايا وأهل مضايا وغيرها من المدن المحاصرة أن تخبّئ المؤن لما يكفي لسنوات حصار في وطنها؟ وعندما نفد كل شيء، صارت الحاجة تلغي المحظورات، دخلت مضايا في التجربة الصينية، الأعشاب البرية، أوراق الأشجار، لحاء الأشجار، كلها يمكن أن تغلى ويضاف إليها الملح والبهارات، وتعطيها أمّ لأطفال لا يفهمون معنى أن يموت الإنسان جوعاً، ولا يعرفون أن البشرية تكدّس تاريخاً مترعاً بالحروب والعنف، ولا يعنيهم من يتقاتلون ولماذا يتقاتلون، أطفال يتحوّلون إلى شيوخ هرمة بجلد فضفاض كانت الطبيعة قد أعدّته ليخزّن طاقة الحياة تحته، فتحوّل أمام أعين أمهات مخذولات وآباء عاجزين إلى لحاء مثل لحاء أشجار معمّرة، يحملون وجوهاً استهلكت عمرها في أشهر، بعيون غائرة ونظرات غائمة. ماذا كانت تقول الأمهات لأطفالهن وهم يئنّون؟ هل نبشن الذاكرة واستحضرن منها حكاية الأم التي تعلّمنها في المدارس أو في الحكايات كقيمة إنسانية، في تلك الأزمنة الغابرة والصحراء القاحلة، التي استنبط منها العرب دواوينهم، وحفظوا فيها إرثهم القيمي، عندما كانت تغلي الحصى لأبنائها وتسكت جوع بطونهم بتخمة خيالهم المنتظر حتى تنضج الحصى؟ هل صارت أمهات مضايا يقدّمن الوهم لأطفالهن بصدق الأم وحنانها؟ وهل تلك القطة التي ذبحها أب وطبخها لأولاده وقدمها كأرنب مطهو، كان قد ذبحها حلالاً وسمّى باسم الرحمن وهو يستغفر ربّه في لحظة امتحانه الرهيب؟ أم تذكّر صرخة شاعر اسمه مظفّر النواب وهو ينادي: لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر، فالجوع أبو الكفّار؟

ظلم تاريخي
أيهما أكثر سوريالية الواقع أم الأدب؟ بات السؤال مشروعاً إلى حدّ كبير بالنسبة لنا، نحن المنخرطين في اللحظة الراهنة، التي لا تكفّ عن راهنيتها. هل لأننا نعيش في حمأة الأحداث فنحترق بنارها وينزف بعضنا بدماء بعضنا، نشعر بوحشية الواقع ومرارة الفقد وهول المصيبة، فنراها أكبر محنة في التاريخ؟ صحيح أن عمر السلام والعيش الآمن محدود بالنسبة إلى تاريخ البشرية، وحقيقياً وليس افتراءً ظلم البشر وحروبهم التي حفل التراث البشري بها، لكن هول الحروب الراهنة يفوق ما قرأناه وسمعنا عنه، وحتى ما عاصره بعضنا. ربما قليلون من بقوا على قيد الحياة ليحكوا عن جوع أيام سفربرلك، لكن كثيرين ممن سمعوا الحكاية من أفواه الذين عاشوا المحنة وعايشوها لا زالوا على قيد الحياة، سفربرلك منذ مئة عام تقريباً، عندما كانت الإمبراطورية العثمانية تتهاوى، وكانت الحرب العالمية الأولى تندلع، لتتقاسم بعدها الدول الأوروبية أوطاننا مثل كعكة كبيرة على موائدها، رسموا الحدود وانتدبوا لكل دولة جديدة من يستعمرها ويدير دفة مصيرها بحجة الحماية لعدم الأهلية. أيام سفربرلك حيث لم يعد هناك رجال ليعملوا في الأرض وفي الحِرف وفي كل ما يرفد الحياة، بعدما ساقهم «العثمللّي» إلى جيشه وهو في حالة احتضار وسطا على مخزون كل البيوت ومحاصيلها لأجل إطعام الجيش، كانت النساء ينزلن من الجبال إلى البحر ليملأن الماء في صفائح التنك ويجففنه للحصول على حفنة ملح، وكان الجائعون يجمعون روث البقر والحيوانات الأخرى وينبشون منها حبوب الشعير التي لم تهضم، وكانوا يموتون جوعاً ومرضاَ. هكذا هي الإمبراطوريات والديكتاتوريات، لا تنهار بلا زلزال يصدّع الأرض ويدمّر كل شيء مع سقوطها.

حتى الآن لم تُحكَ حكاية مضايا، ولم تفتح المغارة أبوابها وتكشف عن ألغازها، مضايا تجوع مثل العديد من شقيقاتها السوريات، يعرض أهلها أثاث بيوتهم للحصول على كيلو الرز أو الحبوب، يا لمهازل القدر، وعار الإنسانية، أب يقدّم براد منزله مقابل كيلو رز، وغسالة مقابل علبة حليب؟ تجوع بنسب أقل بقية مناطق سورية، البلاد التي يصفها البعض بأنها متحف كبير في الهواء الطلق يضم آثار أكثر من عشرين حضارة مختلفة ترسم بمجملها تاريخ الحضارة الإنسانية وتحقق تنوعاً قلّ نظيره على المستوى العالمي، فعلى أرضها كانت الزراعة الأولى، وصناعة الفخار والخلائط المعدنية الأولى، والكتابة الأولى، والأبجدية الأولى، والمكتبة الأولى، واللحن الأقدم في التاريخ، وحافظت للبشرية على أقدم مدينتين مأهولتين حتى اليوم دمشق وحلب. لكن سوريا جذبت سلاح العالم والإيديولوجيات المتطرفة بمختلف مشاربها، فاستبيحت أرضها وسماؤها، واشتعلت على أرضها أول حرب بمعادلة من الدرجة المعقدة في علوم الرياضيات، يبدو حلّها صعباً، ولم يبقَ للسياحة فيها مطرح غير السياحة الدينية مدججة بالعقيدة وحجة الدفاع عن الأضرحة والمقامات. بعد اشتعال النار من العبث السؤال عن نوع حطبها، كل ما يرمى إليها تلتهمه وتزداد استعاراً. هكذا هي نار سورية، وهذا حريقها.

صور.. وصور مضادة
مضايا التي شغلت العالم، وأخصّه وسائل التواصل الاجتماعي، بحملة من الصور والصور المضادة، بين أفراد جائعين بهياكل عظمية، وآخرين متخمين حول موائد مترفة، تنتظر أن تُفتح الثغور إليها ليكون لها حقّ الحكاية. هي حزينة مثلما هي جائعة، حزينة لأنها لا ترضى بأن تكون بازاراً في سوق المهاترات السياسية والقصف السياسي والعسكري، حزينة لأنها عُرضت بابتذال بصور وأخبار كان المفبرك منها والملفّق يسيئها، مضايا حريصة على كرامتها، ولولا الكرامة والحرية ما دفعت الثمن مثلما دفعته عندما انتفضت مع باقي الشعب السوري لأجل الكرامة، ولولا كرمها ما استقبلت الفارين من أهلها وإخوتها في الزبداني لمّا https:/‏/‏nplive.admedia.ae/‏newspress/‏backup/‏files/‏images/‏thumbs/‏50/‏2016/‏01/‏17/‏922031.jpeg اشتدّ القصف عليهم، وقتلت الحرب من قتلت من دون أن يسلم من جبروتها طفل أو شيخ أو امرأة، لكنها لم تكن تعرف أن الحصار سينقضّ عليها وعلى اللائذين بها، لم تكن تعرف أن حتى الهروب سيكون له ثمن رهيب، فكرومها تحولت إلى حقول ألغام بدلاً من أن تكون سواراً من العطر والألوان حولها، كانت رهينة مزدوجة بين متحصنين داخلها بسلاحهم ومحاصِرين لها بأسلحتهم، وصارت كفة ميزان لغريزة انتقامية أقحموها فيها من دون ذنب، دخلت في معادلة مدن أخرى وتحكّم أمزجة أخرى، الفوعة وكفريا في ريف إدلب، تشير التقارير إلى أن الوضع في كفريا والفوعة الخاضعتين لحصار مسلحي المعارضة، يزداد سوءاً، إذ يبلغ عدد العالقين نحو ثلاثين ألفاً. لكن أهل مضايا المحاصرين في ذروة شتاء لا يرحم على ارتفاع شاهق، محرومين من إمكانية التدفئة، ينتظرون أن يسمح قائد الفصيل المسيطر بدخول المساعدات إلى كفريا والفوعة حتى تدخل المساعدات إلى بلدتهم، بحسب أحد وجهاء البلدة.

مضايا دفعت وتدفع فاتورة الفساد، حتى عندما كانت تدخل إليها بعض المساعدات قبل حصارها الأخير الذي قارب الأشهر الستة، تحكمت بها ضمائر الفاسدين والمفسدين، أدخلوا بسكويتاً منتهي الصلاحية لأطفالها المحرومين، فبأي ضمير يعيش من بيدهم المقادير؟
متى ستخرج مضايا من حزنها وصمتها لتحكي لنا الحكاية؟ هل ستبدأ بحكاية الجوع؟ ليس جوعها وقت الحصار، بل جوعها مع جوع شعب سورية كله إلى الحرية والعدالة والعيش الكريم؟ مضايا مثلها مثل باقي سورية لم يكن فقرها بأنياب تعضّ فتدمي وتهتك، كان هناك فقراء، لكن الحرمان الأكبر الذي تحوّل مع الزمن إلى جوع، هو الحرمان من الكرامة، من الإرادة، من الحرية، من العيش الإنساني، الحرمان من القرار، كل هذا الحرمان اجتمع في نقطة عميقة من النفس ليتحوّل إلى جوع يعضّ فاستيقظت النفوس على وعي جديد بذاتها، أدركت أنها كائنات بشرية تعوزها الهوية الإنسانية التي هي ملمحها الرئيس فانتفضت صارخة أريد حريتي، بحنجرة واحدة وبسلاح وحيد هو الكلمة والهتاف، فلاقاها الرصاص، وبدأ الشهداء يتساقطون حتى تحولت سورية إلى ساحة نيران، وقُنصت أحلام الثائرين.
هل ستحكي مضايا عن الجوع بكل أشكاله، التاريخي والحالي وما ترك من وشم على الحياة في قاعها؟ هل ستنحّي الدعوى الأخلاقية كما فعل محمد البساطي في روايته «جوع» وتحكي بحيادية كي يكون لحكايتها موعظة من قلب تجارب التاريخ؟ وهل سترسم لنا صورة لمجتمعها من القاع وتميط اللثام عن أفكارهم ومشاكلهم وقضاياهم الوجودية؟ فالراوي كان معنيًا بـقضية اجتماعية شاملة، وكان تركيزه على أحلام الناس وعلى أمانيهم التي لم تتحقق فأنتج روايةً، أما مضايا فينتظرها أن تنتج تاريخاً، عنوانه الكبير «سورية أمّنا» وسيصدقها العالم لأنها استبيحت وحوصرت واغتصب وجودها.
سألت جدي ما الذي تغير عليك من عشرين عاماً إلى يومنا هذا؟؟!!
فقال لا شيء إلاّ أمراً واحداً ألا وهو:
منذ عشرين عاماً كنت أصحو على عبارة «هنا لندن»، أما اليوم فأصحو على أشياء كثيرة وعبارات مختلفة: «القذائف، القنص، الصراخ، ما في خبز، ما في غاز، ما في مازوت..».
إيه يا جدي.. الله يرحم أيام وقت كنا مفكرين حالنا عايشين بلندن..
هذا بوست مكتوب بتاريخ 22 نوفمبر 2013 في صفحة على فيسبوك باسم «صفحة مضايا».
ماذا سيقول الجدّ بعد مرور سنتين ونيّف على هذا الحديث المترع بالحنين والشجن؟ بل ماذا كان الحفيد سيسأل بعد مرور هذا الزمن الذي لم يعد قابلاً للقياس، فللزمن السوري مقياسه المركّب، يجري بسرعات مختلفة، وبمقاييس سرعة تخصّه وحده العنف إيقاعها، القتل، الموت، النزيف، الهجرة، اللجوء، التطرف. وهل بقي الجد والحفيد على قيد الحياة؟ هل أنهك الجد الجوع والمرض والقهر على ماضيه وأرضه وجذوره؟ هل يفكّر في غرسات التفاح والدراق التي زرعها وكبّرها لتكون بصمة حياته ودليلاً على أنّه كان هنا وغرس روحه في هذه الأرض؟ هل بقي للحفيد حلم من تلك الأحلام التي طيّرها في سماء بلدته، وذكريات في زقاقاتها، أم قتلها القصف والقنص والجوع؟ هل بقي وجدّه كي يحكوا الحكاية؟

أسئلة مفتوحة

أسئلة كثيرة تراود كل متابع ومتفرّج على مأساة العصر. هناك الكثير من الحقائق، لكن الواقع على الأرض يخضع للغربلة في أجهزة الإعلام والغرف السرية للسياسة، وهناك الحرب الإعلامية التي أدّت وتؤدّي دوراً يكاد يفوق الدور القتالي، بما أتاحته لها الثورة الرقمية وتعدد أساليب الاتصالات وتطوّرها من أدوات تسهّل عليها إدارة حربها. لو كان اللورد بونسومبي على قيد الحياة، كم كان سيتعلّم من تجربة الحرب السورية، وكم كانت ستمده ببيانات ليعدّل قواعده لإعلام الحرب، التي من بينها نشر أخبار الفظائع والتقدم نحو الأهداف الاقتصادية والسياسية تحت غطاء المحرضات الإنسانية؟

أولى الرسائل تصلنا من فرق الإنقاذ الإنساني، يقول يعقوب الحلو المنسق الأممي المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا: الناس هناك يئسوا وفقدوا الأمل لأن العالم تركهم لمصيبتهم، نأمل في أن يكون وجودنا داخل هذه المدن الثلاث يوم أمس، قد أعطى بعضاً من الأمل، أولاً بإمكانية إيصال هذه المساعدات الإنسانية أخيراً إليهم، ونأمل أن يولد هذا بصيصاً من الأمل. وقال أيضاً: وجدنا الآلاف من الناس في حالة يأس وبؤس وذعر. وجدنا عدداً كبيراً من المدنيين في حالة إعياء، وجدنا عدداً كبيراً جداً من الأطفال يعانون من سوء التغذية، ووجدنا عدداً من الناس يعانون من الجوع. وهذه صورة أنا متأكد من أنها مطابقة لما يمر به المدنيون في مدينتي الفوعة وكفريا في محافظة إدلب، المدينتين المحاصرتين أيضاً. فنتيجة الحصار واضحة. حصار يستمر إلى شهور نتيجته هي أن المدنيين وكل الفئات الهشة في أي مجتمع هي أول من يدفع الثمن. وما رأيناه أمس كان تأكيداً لهذه الحالة وهي حالة مأساوية جداً، جداً، جداً.
بلى، الفئات الهشة في أي مجتمع هي من يدفع الثمن أوّلاً، لكن الشعب السوري كلّه دفع ثمن هشاشة الضمير لدى الأطراف المتنازعة لإرضاء شهوتها السلطوية، الشعب السوري قام بثورته ليقلب واقعه وليس ليغير نظاماً سياسياً، شعب أراد الحرية فقوبل بالرصاص والتجويع.
مرّ على سوريا الحثيون والآراميون والآشوريون والمصريون والكنعانيون والفرس والأنباط والإغريق والرومان والبيزنطيون وتركوا خلفهم قلاعاً وكنائس ومعابد ومساجد ومدناً مهجورة– ثروة من الأوابد التاريخية التي لا يوجد لها تقريباً منافس في العظمة. هذا دون أن نذكر الصليبيين والعثمانيين والفرنسيين الذين أتوا لاحقا، أقاموا دولهم وإمبراطورياتهم وممالكهم، وأداروا حروبهم أيضاً. وبرغم تاريخها الحافل فإنها اليوم تبدو بلد المتناقضات بجدارة، تصارع كي تبقى على قيد العيش، وكي تبقى دمشق ذات التاريخ العتيق العريق مستمرة في الحياة، أهل الشام كانوا بارعين في التفاوض على مدينتهم طيلة حياتها، ولن يسلّموا بها، هي كنزهم وسرّ وجودهم، وستعود مضايا إلى فضائها، برغم الجوع والعطش والبرد والدمار، ستنهض كما نهضت دمشق من كبواتها.



بلاد الأعاجيب

قالت هبة من مضايا، وهي صبية عمرها سبعة عشر عاماً: «رأيت رجلاً يقتل قطة ويُقدّم لحمها إلى أفراد أسرته على أنه لحم أرنب. البعض بحث عن طعام في صناديق القمامة، وآخرون أكلوا الحشائش. طلبنا الطعام من المقاتلين لكنهم رفضوا منحنا إياه».

يا لبشاعة الصمت أمام ما يحصل في بلاد الأعاجيب سوريا.


الجوع يبقى عالقاً في زاوية من الروح لا يغادر حتى مع انتهاء مسوّغاته البيولوجية

.....................
أطفال يتحوّلون إلى شيوخ بجلد فضفاض ووجوه استهلكت عمرها في أشهر

اقرأ أيضا