الاتحاد

دنيا

الخوف الزائد على الأبناء يسبب اضطرابات نفسية

القلق والخوف الزائدان على الأبناء يقلل ثقتهم بأنفسهم

القلق والخوف الزائدان على الأبناء يقلل ثقتهم بأنفسهم

القلق والخوف على الأبناء أصبح أمرا طبيعيا عند الآباء بل هو دافع للمتابعة والتربية، لكن إن زاد هذا الخوف وأصبح يشكل اضطرابا نفسياً، فإن هذا القلق يكون مرضا قد أصاب البعض من أولياء الأمور وينعكس ذلك سلباً على الأبناء، حيث يكون الابن أو الابنة محاطا بسين وجيم وبكلمات الرفض والمنع وتلقي الأوامر والنواهي، فيعيش الأبناء هنا حالة من الخوف تمنعهم من المغامرة والانطلاق بثقة وشجاعة.

معروف أن السنوات الأولى من تربية أي طفل هي المحك وهي البذرة التي تنمو معه وتسبغ شخصيته عندما يكبر، فإذا كنت تريد ابنك بطلا يثق بنفسه، ولا يعاني من أمراض نفسية أو عقد فهناك طريقة للتربية، وإذا كنت تريده شخصا ضعيفا يعاني مدى الحياة فهذه طريقة أسهل بكثير، فالذي يجب أن يدركه الوالدان أن الحرص والقلق الزائدين يقيدان الطفل ويجعلانه شخصية اتكالية غير واثق من نفسه وقدراته منطويا دائم الخوف، لكن من أجل بناء طفل سليم قادر على مواجهة الحياة يتحتم على الوالدين هنا إتاحة الفرصة له في مواجهة مشاكله بنفسه وإعطائه الفرصة لاكتشاف الحلول.
قلق نفسي
الخوف غير المبرر دفع فاطمة عيسى ربة بيت إلى الضغط على ابنها البالغ من العمر 14عاما، تقول: مشكلتي تكمن في أنني أخاف كثيرا عليه، الشيء الذي يجعلني أراقبه بشكل مفرط، وفي بعض الأحيان أمنعه من اللعب بأشياء هي في الواقع لا تشكل أي خطر عليه، إذ يهيأ إلى بأنه من السهل جدا أن يصيب نفسه بسوء، ولذلك أجدني دون أن أشعر شديدة الحرص على كل ما يقوم به، الشيء الذي يصيبني بإرهاق وقلق نفسي. متسائلة فاطمة «هل بإمكان خوفي الشديد هذا أن يؤثر نفسيا على ابني»؟
سيف قاتل
إن كانت فاطمة تشعر بالقلق النفسي فإن سامية خليفة، موظفة، تدعو جميع أولياء الأمور إلى التحرر من الخوف الزائد غير المنطقي، والتعامل مع الأبناء بواقعية، وإعطائهم الثقة في مواجهة الحياة.
وأوضحت أن الكثير من الآباء للأسف يشكل حبهم الزائد للأبناء سيفاً قاتلاً وخانقاً لشخصية الابن، معتقدين أن ذلك سيوفر لهم الحماية المطلوبة، متناسين حقيقة أن تربية أمس تختلف اختلافا كبيرا عن اليوم.
وتضرب مثالا من تجربة إحدى زميلاتها: دفع ضغط ومراقبة صديقتي لابنتها المراهقة إلى الدخول لعالم الإنترنت وغرف الشات، والتعرف على الكثير من الشباب مما دفع بها إلى الخروج مع واحد من الشباب الذين تعرفت عليهم، ولولا ستر الله لحدث ما لا يحمد عقباه.
وتواصل سامية: لو كانت التربية من الأساس مبنية على الصراحة لما حدث ذلك، فكثرة الضغط وخاصة في فترة المراهقة التي تحدث فيها الكثير من التغيرات النفسية، فالبنت خاصة في هذه الفترة تريد من يستمع إليها وينصت لحديثها ويوجهها لا أن يجهلها ويضغط عليها. مستشهدة سامية بمثل «كثرة الضغط يولد الانفجار».
تغيرات ابنه الكثيرة في مرحلة المراهقة وعدم الانصياع لأوامره وبقاؤه لفترة طويلة على شبكة الإنترنت وقلة التواصل مع ولده، دفعت عبدالعظيم شعبان رب أسرة إلى مراقبته وتشديد الخناق عليه، من خلال إعطائه أوقاتا محددة للخروج من المنزل، وتهديده بأنه في حال تأخره فإنه سيقوم بقطع الاتصال بشبكة الإنترنت.
مبيناً أنه لاحظ تغيره إلى الأفضل بل وأصبح قريباً منه يطيعه في جميع أوامره، لافتاً إلى ضرورة أن يلجأ الآباء إلى سياسة الترهيب والترغيب حتى يصبح الأبناء تحت طاعتهم، أما تركهم بدون أي مراقبة فإن ذلك من شأنه أن يوقعهم في بعض الانحرافات الخطيرة.
رأي الأبناء
إن والداي لم يمنحاني الثقة ولو في موقف واحد، بضيق وتذمر يشعر الطالب راشد جاسم أن المجتمع ووالديه حكموا علينا بالإستهتارية واللامبالاة في سلوكه وطريقة لبسه وقصه شعره. يوضح «أكثر ما يحبطني هو كلام والدي الجارح عندما يراني، وكذلك صراخ والدتي علي وتعاملها معي وكأني طفل صغير، مما جعلني أبحث عن الهدوء والراحة خارج المنزل. مشدداً على أن كل ما يريده من الآباء والأمهات هو القليل من الثقة وتعزيز لغة الحوار بين الآبناء واحتواؤهم وفتح أحضانهم لهم، كي لا تتلقفهم أحضان الانحراف والخطأ، فيعود أثرها على المجتمع بأسره.
وتتفق ريم رضوان (20 عاما) مع كلام راشد وتصف أن والديها لم يعطياها أي ثقة، لحرصهما الشديد عليها بحكم أنها أكبر أفراد العائلة. مستطردة حتى في ملابسي كانت أمي هي من تختارها لي رغم احتجاجي الصامت بلغة الدموع التي لم يعطياها أي اهتمام، ليقينهما بأني مازلت صغيرة ولا أفقه للصواب طريقاً. مشيرةً بضجر «والداي سلبا الكثير من ثقتي ولكنهما حملاني مسؤولية الفتاة الكبرى والأم الثانية بتناقض شديد، من خلال تدخلهما في الأمور الصغيرة التي تحبها كل فتاة من لبس وأكل وطريقة الحديث التي لا يزال تأثيرها السلبي يُسيطر علي، بعدم قدرتي على اتخاذ أي قرار أو مواجهة لأي مشكلة قد أقع بها.
توطيد الثقة
بدوره يطالب الأخصائي الاجتماعي أيمن إبراهيم من الآباء والأمهات توطيد الثقة بينهم وبين أبنائهم فكلما تقدم الأبناء بالعمر وهم أكثر ثقة بأنفسهم سينعكس ذلك بثقتهم بالمجتمع وثقة المجتمع بهم.
ويضيف من الضروري تعزيز لغة التواصل والتحاور بين الآباء والأمهات، وانتهاج نهج الصديق ليفهم الوالدان طريقة فكر أبنائهما وعدم خلق الحواجز بينهما، لأن التعامل بالعنف والتشدد وفرض الأوامر في هذا الزمن غير نافع، وسيخلق فجوة بأساس المجتمع وينشأ شبابا غير سوي يتسم بالخوف والخجل وعدم الرغبة بالمواجهة. مضيفاً «يجب أن تأسس هذه العلاقة من الصغر بالصداقة والمحبة وليس السيطرة والتحكم، وأن يشارك الأبناء في الأمور العائلية بتوجيه من الوالدين دون تعليق لاذع.
من جانبه، يؤكد يونس محمد (موجة تربوي) ويضيف «أيضا على الآباء التعامل مع أبنائهم على أسس تعزز الثقة بالنفس خاصة في وجود القنوات الفضائية والتأثيرات الخارجية التي تشدهم نحوها بآفاقها الواسعة، فنجد الكثير من الآباء يسعون جاهدين بفكرة استنساخ الأبناء بشخصياتهم في الوقت الذي يختلف فيه الأبناء بميولهم وسلوكهم وتفكيرهم عن الآباء، فكل زمان ومكان له معطياته الخاصة به. مشيراً إلى أنه عندما نتحدث عن سلوكيات الأبناء الخاطئة وانجرافهم نحو ما يسمونها بموضات العصر، فلا يجب على الآباء التعامل معهم بسلبية مفرطة، مؤكداً أنه يجب أن يتعاملوا مع تلك النزوات بتدخل إيجابي، بعيداً عن الصرامة والقسوة حتى لو كانت تلك السلوكيات منافية للقيم الإنسانية والمجتمعية العامة.
ولفت إلى أن مثل تعرضت له إحدى الفتيات حين قالت «ليت أمي تفهم أنني كبرت، وأن تنتقدني بصورة أفضل». معلقا يونس على تأثير هذا النقد على الفتاة» إن الفتاة المراهقة تضيق بشدة من نقد الوالدين لها، وتعتبره أذى بالغاً لشخصيتها، وواقع الأمر أن معظم النقد لا يكون ضروريًا فهو غالبًا ما يتناول أشياء من الممكن أن تتغير في فترة تالية. لافتا «إن خطورة نقد الشخصية والسلوك نفسه هو أنه يترك في نفس المراهق مشاعر سلبية عن ذاته، وعندما نصفه بصفات الغباء والقبح والاستهتار يكون لذلك أثره على نفسيته (الابن أو الابنة)، ويكون رد الفعل عنيفًا يتصف بالمقاومة والغضب والكراهية والانتقام، أو على العكس الانسحاب والانطواء.


غرس المفاهيم الصحيحة
قال الأخصائي الاجتماعي أيمن إبراهيم إن العلاقة الجيدة مع الأبناء تقوم على غرس المعايير والمفاهيم الصحيحة، وبث روح الثقة بالنفس وروح التنافس والمحاورة والاستشارة، مع وضع استراتيجية الثواب والعقاب، تكون واضحة لدى الأبناء بعد موافقتهم عليها بالطبع، مع بناء روح المبادرة والإيجابية وذلك بإشباع احتياجاته النفسية.
وأكد أهمية اتقان مهارات الدعم الإيجابي المعنوي والمادي والتعزيز المعنوي، مثل المدح خاصة أمام الآخرين ومسح الرأس وفرك الشعر، مع الابتسامة، والُمصاحبة في السفريات، أما التعزيز المادي فيكون بالهدايا والعطايا والأوسمة وشهادات التقدير.

اقرأ أيضا