الاتحاد

الملحق الثقافي

مساءلات متبادلة بين العالم والإنسان

زهور كرام

زهور كرام

بعد روايتيها ''قلادة قرنفل'' و''جسد ومدينة''، تطل علينا الكاتبة والروائية والأكاديمية المغربية زهور كرام بعمل قصصي جديد صادر عن مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب يحمل عنوان ''مولد الروح''، يقع في أربع وخمسين صفحة من الحجم الصغير·
ويتضمن الكتاب عددا من النصوص القصصية المميزة التي تقدر بحوالي عشرة نصوص هي على التوالي: ''ومضة، حديث الموت، أنين الوشم، بحر الرفاعي، عند عتبة الدار، نار، عايشة، حدث في شارع المقاومة، حلم، مولد الروح''، وهي عناوين، كما هو ملاحظ من خلال تركيبتها اللغوية والدلالية، تحيل على جوانب الروح وما يتعلق بها من خصائص ومعادلات ومؤشرات كالحلم والموت والأنين والألم والأمل· وهذه المدلولات يمكنها بشكل أو بآخر أن تحيلنا على العالم النصي الذي يكشف منذ العتبة الأولى عن نفسه·
وقد عكفت الكاتبة، طيلة النصوص، على مساءلة عالم الإنسان المليء بالمفاجآت والآلام· تقول في قصتها الموسومة ''نار'': ''رأت الويل والأحشاء لا تجود بالطفل المنتظر·· وأوشكت الحماة أن تجيء بالزوجة الثانية·· حريق يشتعل· ذهبت إلى طبيب أول وثان وثالث·· حريق يشتعل· كلهم أكدوا خصوبتها·· أحشاؤها صالحة لنبت الزرع إنما المسالة تتطلب شيئا من الاتزان النفسي وهدوء الأعصاب·· لكن من أين يجيء الارتياح وحميميتها مكشوفة بحكم الأذن الساهرة· يا ويلي·· يا ويلي، العجلة تحترق·· نار·· حريق شب ببطنها·· أخذها زوجها إلى قسم المستعجلات·· غسلوا معدتها· عادت إلى البيت· يومها قررت ألا تقترب من أي عشب تصفه لها امرأة· يا ويلي·· العجلة تحترق·· عاشوراء في غير موعدها·· والجمع يزداد تجمهرا·· نار تشطح قلب الجمع·· أمام العجلة·· أمام الجثة· ما كادت تعيد توازنها بعد وعكة البطن حتى استفاقت على رغبة في الغثيان ودوار الرأس وفرحة تأكدت من لونها عندما بينت نتائج التحاليل إنها حامل· ما كان عليها أن تجاري عناده·· يا ويلي·· تعرف أنه سيقتنع بعد فتور العناد·· يا ويلي·· يا ويلي·· ضاع عمري· يا ويلي العجلة تحترق·· يا ويلي طفلي يحترق·· يا ويلي طفلي سمع كل شيء·· طفلي فر من العناد·· من العراك·· هرب إلى الشارع·· يا ويلي·· يا بطني التي حملته شوقا·· يا ويلي ابني راح·· العجلة تحترق·· لو كنت أعلم·· ما نطقت·· ما حركت عناده·· ما طلبت شيئا·· شل لساني·· شل الحرف في حنجرتي·· يا ويلي··
تغرس أظافرها في نهديها·· تعطل الحليب·· تجرعت العجلة دم الجثة·· تغرس أظافرها في العجلة·· تحترق أظافرها·· يتدلى النصفان·· يلتقي الحريقان·· حريق الصدر وحريق العجلة· انبطحت أرضا وبقي الحذاء على بعد مسافة يشهد أن صاحبه عنه تخلى''·
بالرغم من الطابع الحكائي المشفر الذي اختارته، لأن الحكاية في النص، أي نص، لا تمنحه نفسها بالبساطة المعروفة التي تعودها متلق خامل، بل لا بد من معاركة اللغة التي تتفاوت بين البساطة والصعوبة، وبين المجاز والتقرير، وإن كانت الحكاية هي ماء كل نص·
إن الكاتبة في هذا المنجز تحفر في الذات قصد سبر ما يطمر في داخلها من مآس، وما يتعلق بها من أدران داخلية، في ما يشبه بالرغبة في تطهير العالم، الذي يبدو من اللحظة الأولى كأنه الغاية القصوى من النص·
وليس القصد هنا أن يحكي الرواة قصصهم، بل أن يطرحوا أسئلة مخاتلة، أسئلة تظل تحلق في ذهن المتلقي، وليس لها طبعا إجابات جاهزة في النص، إن الإجابات تكمن في مخيلات القراء هنا وهناك، بعيدا عن أية تعسف من طرف الرواة الذين يبدون في غالب الأحيان ضحايا أسئلتهم· إن الحكاية هنا معبر لطرح السؤال القضية: السؤال الذي ينتصب بحجم الإنسان فظاعة·
ومع أن العنوان يشي بمولد الروح المحيل على الاستمرار والخلود، فإن رائحة الموت تملأ كل مكان في النص: يقول الراوي: ''قريبا أو الآن، لا أدري··· ستتوقف الحياة· سيأتي السكون غلالة تغشى وجودي·
''أرفع عيني، أجدها ما تزال أمامي·· كأنها الموت يدعوني لاستلام الكفن·· يأمرني والناس حولي ينظرون·· لا يدرون أني عليه مقبلة·أعتصر عيني·· أحرك الغلالة·· أشد على نفسي وقد بلل العرق جسدي وثيابي·
أنظر إليه·· أسمعه·· مطرقة تضرب طبل أذني·العالم أمامي·· شيء صامت·· جامد·ثلج·هو الموت·ولا شيء غير الموت·إحساس أقام وسكن النفس·
''لقد انتصر عليك الوسواس الخناس''، وأضاف مرة ثانية وثالثة، وأنا غير مرتاحة لكلامه· فقد يستعجل الموت حتى يأتي بامرأة أخرى·
تدخله المغامرة·· إنه عاشق لكل جديد·· عيناه عطشى·· لم يرتج رأسه·· أما كان على اللوحة أن تهتز أمام عينيه؟
عيناه عطشاوان، واللوحة اهتزت أمام عيني·· عيناه تغامران خارج اللوحة·· يركب خياله ويفتش عن امرأة أخرى·· تفرش له الأرض ورودا تختلف عن ورود البستان في اللوحة التي اهتزت أمام عيني·· وعيناه سابحتان خارج البستان·
حسنا فعلت السكرتيرة حين غادرتني· لو بقيت لتقيأت عليها داخلي·· انغرس في المقعد الأسود·· والسواد تلحفت به·
ربما انتصر عليه·· على زوجي الذي سيغيرني بأخرى·· تنسف آثاري·· وتستولي على مدينتي· سأشم ذاكرته بكفني·· حتى إذا ما أتى بامرأة جديدة شمخ كفني فجعلت رأسه يرتج· بهدوء ثقيل أخرجتني من المقعد الأسود·· وبلباقة شديدة امتثلت لتعاليم السكرتيرة، تلميذة دعاها المعلم إلى السبورة لتكتب الإجابة·· اجتمع الخجل والخوف والدهشة والصدمة والحيرة في حنجرتها·· إنها على أهبة الانطلاق إما إلى النجاح فالحياة·· وإما إلى الانطواء فالموت· يمد المعلم التلميذة بقطعة طباشير أبيض·· يفتح الطبيب الملف الطبي الأزرق·· ترتعش يد التلميذة·· يرتعش قلبي·· تكتب وتنظر إلى المعلم·· أشد على قلبي وعيني تتابع نظارة الطبيب·

اقرأ أيضا