الاتحاد

الملحق الثقافي

دانتي.. صاحب المقام العالي في المخيال الإيطالي

بندكتوس السادس عشر(أرشيفية)

بندكتوس السادس عشر(أرشيفية)

جدير أن يحوز دانتي مقاماً عليّاً في المخيال الإيطالي بوصفه رمزاً من الرموز الثقافية البارزة، في بلد كابد لأجل تحقيق وحدته الوطنية، وذلك لما لعبه الشاعر من دور في صياغة هوية إيطاليا اللغوية. فإيطاليا التي قامت على أنقاض ممالك وجمهوريات وإمارات عدة، تبقى مَدينةً لصاحب الكوميديا في نحت لسانها وتوحيده، في ذلك المسار العسير الذي دحضت فيه الإيطالية الدانتية، أو بالأحرى إيطالية فلورانسا، سائر الألسن الأخرى، السردينية والنابوليتانية والفريولية واللادينو والأوشيتانية وغيرها كثير، حتى أبقتها في حدود الاستعمالات الضيقة. ضمن تنافس المتنافسين على دانتي أطلّت كنيسة روما، وإن حصل ذاك متأخراً، في محاولة لاحتضان إرثه الثقافي، رغم أن الرجل أولج بابواتها أبواب البرزخ مثل: نيقولا الثالث وبونيفاس الثامن وكليمنت الخامس، فهل هي صحوة كنَسيّة لمراجعة التاريخ أم هي استراتيجية الأمر الواقع؟ صحيح أن دانتي كان كاثوليكياً ولكنه ما كان من أنصار الثيوقراطية وحشْرِ السيفين في غمد واحد، كما رنت الكنيسة طيلة العصور الوسطى، مستلهمة ما ورد في إنجيل لوقا (22: 38): «يا رب ها هنا سيفان»، فقد انتقد دانتي الكنيسةَ في مسألتين رئيستين: فساد الإكليروس وغواية السلطة، بوصف فساد المدينة متأت من هذا الزيغ، فالنشيد التاسع عشر من «الكوميديا الإلهية» هو مانيفستو صريح ضد الانحدار الخلقي، منذ أن هلّت «حقبة الفجورقراطية»، أو «حكومة الفاجرات» التي جثمت على الكنيسة، حتى سماهم دانتي بالسيمونيين نسبة إلى الساحر سيمون الوارد ذكره في سفر «أعمال الرسل» لبولس.. هنا ترجمة لمقالة تستعيد موقف البابوات من دانتي وأفكاره.

أبدت الكنيسة الكاثوليكية في العديد من المناسبات اهتماماً بدانتي أليغييري من خلال الاحتفاء به، وقد بدا ذلك جلياً عبر تصريحات ورسائل جملة من البابوات، كما نوّهت الكنيسة بعلوّ مقام مؤلف «الكوميديا الإلهية»، معتبرة إياه عنصراً أساسياً من عناصر تراثها الثقافي والديني، وذلك لعمق الصلة الرابطة بينه وبين الإيمان المسيحي وسائر التأملات اللاهوتية المتشكّلة حول حقيقة الإيمان. نستعيد في هذه المقالة مناسبات الاحتفاء حديثة العهد بدانتي، لنتبيّن ما أولاه بابوات روما، وباسم مجتمع الكنيسة، من عظيم الشأن للشاعر.

بندكتوس الخامس عشر

في الرسالة البابوية «In praeclara summorum» الموجهة إلى الهيئات الثقافية العليا في العالم الكاثوليكي وإلى أساتذة وطلاب معاهد الدراسات الأدبية (30 أبريل 1921)، أحيا البابا بندكتوس الخامس عشر الذكرى المئوية السادسة لرحيل دانتي. وبالمناسبة أقرّ ترميم المصلّى المجاور لكاتدرائية سان فرانسيسكو، الذي يحوي ضريح دانتي.

وقد أوضح البابا بندكتوس في الرسالة المذكورة «الصلة المتينة بين دانتي وكاتدرائية القديس بطرس، لما تضمّنه قول الشاعر، طيلة حياته، من إعلاء لشأن الكاثوليكية، فقد كان على مذهب القديس توما الأكويني، وكان مطّلعاً على الأسفار المقدسة وعلى كتابات آباء الكنيسة»، محتفياً «بإلمام دانتي الواسع ورهافة حسه»، كما أقرّ بندكتوس الخامس عشر «إن إلهام الشاعر مستوحى من الإيمان الإلهي»، بوصفه المقصد الأعلى للكوميديا الإلهية، التي يرنو فيها إلى تمجيد العدالة والعناية الربانية.
ففي نص دانتي الشعري ثمة حضور للحقائق الجوهرية للكنيسة الكاثوليكية، ودانتي كما يذكر البابا قد أبدى تماهياً مع الإيمان المسيحي بوصف «الرب هو الوحيد الذي أملى النص». وفي ما يتعلق بانتقادات دانتي اللاذعة لكنيسة روما في ذلك الزمان، ساير البابا بندكتوس الخامس عشر موقف الشاعر قائلاً: «من يستطيع أن ينكر الأشياء التي يلام عليها إكليروس ذلك الزمان؟». فبالنسبة إلى بندكتوس الخامس عشر «يختزن دانتي روحاً معاصرة»، بل لعلّه أكثر حداثة من نظرائه المعاصرين.
فمن ينزعون عن دانتي تلك الميزة ويهوّنون من ذلك البعد الديني للكوميديا الإلهية، لغرض أيديولوجي، «يلغون عن الشاعر إحدى خصاله التي تقوم عليها كل محاسنه الشعرية». وبالتالي، بمعاينة ما يجري في المدرسة الإيطالية اليوم، نجد ما يثير الأسى في الدراسة غير الملائمة للشاعر، وهو ما جعل «الكوميديا الإلهية» دفينة الكتب الدراسية، دون أن «تخلّف أثراً إيجابياً يُفتَرض أن تنتجه»، والحال أن دانتي ينبغي أن يحوز «مقاماً عليّاً» وأن يُعرّف «كعَلَم وداعية للفكر المسيحي الأصيل».

بولس السادس
في الذكرى المئوية السابعة لميلاد دانتي، أكد بولس السادس في الرسالة البابوية «Altissimicantus» (7 ديسمبر 1965) اهتمام الكنيسة العميق بشخص دانتي، حيث دشّن البابا عبر تلك الوثيقة، كرسي الدراسات الخاص بدانتي في الجامعة الكاثوليكية بميلانو، فالرسالة البابوية قد جاءت لتكمّل مختلف المبادرات التي دشّنها البابا مونتيني بتقديره الخاص لدانتي. وفي التاسع عشر من شهر سبتمبر من العام نفسه أرسل البابا إلى قبر الشاعر في مدينة رافينّا صليباً مذهباً، عربوناً على البعث الذي ينشده دانتي، وفي الرابع عشر من نوفمبر من العام نفسه تم ترصيع حوض معمودية سان جوفاني في مدينة فلورنسا بتاج مذهّب من الغار. ومع اختتام أعمال مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، قدّم البابا لكل المشاركين طبعةً فاخرةً من «الكوميديا الإلهية».

«عن الرب في النشيد السامي...»، هكذا استهلّت الرسالة البابوية قولها، حيث تتجلى المركزية المطلقة للشاعر المبدع في مدوّنة الشعر الإيطالي، المسمى بـ«النجم الساطع» والمنعوت بـ«مبدع اللغة الإيطالية» أيضاً، وبما كتبه بولس السادس، مقتفياً أثر البابا بندكتوس الخامس عشر، يجدّد الاعتراف بالشاعر الكبير كواحد من ألمع شعراء المسيحية، إذ يقول البابا مونتيني: «دانتي هو متاعنا»، مقتفياً أثر البابا بندكتوس الخامس عشر، حيث يعدّه الأعلى مقاماً بين كل الشعراء، «لما يرشح به النشيد الشجيّ لدانتي من لمسات ساحرة، فريدة في عظمتها، من خلال المواضيع التي تطرّق إليها، ولنقاوة إلهامها وما يوشّيها من بهاء». «دانتي هو متاعنا» بالمعنى الكوني، بل أيضاً «متاعنا» بالمعنى الكاثوليكي، حيث يؤكد بولس السادس أن من واجب الكنيسة الاعتراف بدانتي، وهو ما سيخلّف أثراً في الدراسات بغرض اكتشاف «المآثر الخفية للفكر والإحساس المسيحيين»، كما لم يتجنّب بولس السادس التعريج على انتقادات دانتي للكنيسة في ذلك العصر، على غرار ما يرد في النشيدين الثالث والتاسع عشر من الجحيم.

بندكتوس السادس عشر
من جانبه أبدى بندكتوس السادس عشر (راتسينغر) تعلقاً بدانتي على غرار سابقيه من البابوات، وذلك في العديد من المناسبات، فقد أفصح عن ذلك منذ أن كان كردينالاً، من خلال استحضار مقاطع من أعمال الشاعر، حيث أورد في كتابه المعنون بـ«مدخل إلى المسيحية» تحت عنوان «فضيحة المسيحية»، أي المسيح الذي تحول إلى بشر، وبالتالي لمعنى للكائن الذي لا يُنشَد في عالم الأفكار، بل في وجه الإنسان، وهو ما يذكّر بواقعية هذا الفكر كما عبر عنه نص «الكوميديا الإلهية» لدانتي:

«هذه الدائرة المرسومة بحيث تبدو

نوراً فيك منعكساً
والتي تأملتها عيناي طويلاً
بدت لي في داخلها منطوية
على صورتنا مرسومة بلونها نفسه
فغمست فيها نظري كله».

دانتي «وهو يتملّى سرّ الألوهية، ينخطف منجذباً إلى صورته الذاتية، إلى الوجه الإنساني، الماكث في قلب الدائرة المشعة نوراً والمتكونة من «الحب الذي يحرك الشمس وسائر الكواكب».

يستعيد راتسينغر هذا الموضوع وهذه الأبيات لشرح معنى الرسالة البابوية الأولى «الله محبة»، ففي لقائه بالمشاركين في المؤتمر المنعقد بإشراف المجلس البابوي «كو أنوم»، أكّد حبر الكنيسة أن رؤية الشاعر كانت ثاقبة في التقاط المعنى الأصيل لكلمة المحبة، «حيث ينتهي في الجولة الكونية، التي أراد من خلال «الكوميديا الإلهية» إشراك القارئ فيها، أمام النور الساطع الذي هو الرب ذاته، ذلك النور الذي يتجلى في الآن نفسه في المحبة التي تحرك الشمس والكواكب».
كما نجد نقطة أخرى تعلّقت بدانتي تردُ ضمن المداخلة الموجَّهة للمشاركين في اللقاء المنعقد برعاية معهد يوحنا بولس الثاني البابوي، تحدّث فيها البابا عن لغة المحبة الحقيقية وعن المحبة الزوجية: «في المحبة، أعيد خلق الإنسان، وحيث المحبة علامة على حياة جديدة، حياة التوحّد لزوجين في جسد واحد، فالسحر الحقيقي للجنس ينبع من هذا الأفق المنفتح: الجمال الكلي، عالم الطرف الآخر والـ«نحن» التي تنصهر في الوحدة». وفي احتفال «حبل العذراء بلا دنس» سنة 2006، يتساءل راتسينغر أثناء القدّاس، لمَ اصطفى الربُّ مريم الناصرية من بين سائر النساء؟ إجابة البابا لم تعتمد على الكتاب المقدس فقط، بل على الشعر أيضاً، مورداً صلاة سان برناردو الواردة في النشيد الأخير من «الكوميديا الإلهية»: الإجابة -يقول البابا- خافية في السر العميق للمشيئة الإلهية، وإن كان هناك منطق يجليه الإنجيل فهو تواضعها، وهو ما يؤكده دانتي أليغييري بقوة في النشيد الأخير للجنة.



مجّدوا الشاعر المبدع

ختم بولس السادس رسالته البابوية بنداء: «مجدوا الشاعر المبدع!»، داعياً إلى «الالتزام الصادق» لا سيما من جانب الذين يشعرون، ولعوامل مختلفة، بأنهم الأكثر قرباً من الشاعر، فالثقافة المعاصرة مدعوة لإدراك سُبل اللقاء بدانتي مستلهمة منه الرشاد نحو الطريق الصواب، الذي عادة ما يقف في وجهه دغل مظلم.

دائرة النور

يقول البابا بندكتوس السادس عشر (راتسينغر): «ما هو مثير للدهشة في حديث دانتي عن الرب كدائرة من المعرفة والمحبة، هو الوعي بوجه بشري -وجه يسوع المسيح- الذي يبدو لدانتي ماكثاً في الدائرة المركزية للنور، وإن كان في الرؤية الدانتية يطفو من جانب الترابط بين الإيمان والعقل، بين بحث الإنسان وإجابة الرب، فمن الجانب الآخر تظهر أيضاً محورية وجدّة المحبة التي شاء الرب اتخاذها شكلاً بشرياً».

اقرأ أيضا