الاتحاد

الملحق الثقافي

مضايا..الحكاية الغائبة

مشهد عام لمدينة مضايا قبل الموت جوعاً بالطبع (أرشيفية)

مشهد عام لمدينة مضايا قبل الموت جوعاً بالطبع (أرشيفية)

«صفّر، صفّر يا بابور، وخدنا عالزبداني.. ببقّين منعمل فطور والغدا ببلودانِ».

هذه الأغنية للفنان السوري رفيق سبيعي «أبو صيّاح» الذي توحّد في الوجدان الجمعي بالشخصية الشامية «الزغرتاوية» منذ ستينيات القرن الماضي، يخترقني صداها آتياً من مغارات الزمن الجميل، فتلامس أوتار قلبي وتدفعني بحنين وحزن إلى أقاصي الروح. أيام كان التلفزيون بالأبيض والأسود، وكان يأخذ استراحة في فترة بثه الموزّعة على ساعات النهار وحتى انتصاف الليل، فيبث فترة صباحية عند السابعة صباحاً، وأخرى مسائية تبدأ في الخامسة مساء بالنشيد العربي السوري، ثم تلاوة من الذكر الحكيم.

يومَذاك.. لم تكن هناك فضائيات، ولم يكن العالم قد أصبح «قرية صغيرة»، ولم تكن محطات البث الإذاعي أو التلفزيوني «مع الحدث، وقبل الحدث أحياناً». لم يكن التلفزيون يسمم حياتنا بأخبار ملفقة أحياناً ومواربة أحياناً أخرى، ولم نكن نشاهد جثثنا وأجزاءنا المقطعة بعد انهمار براميل متفجرة من السماء، أو انفجار سيارة مفخخة أو يقودها انتحاري - اختلط عليه المعنى بين قتل النفس ليقتل آخرين لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا بالمصادفة في المكان - وبين الشهادة. لم تكن صورنا ونحن جائعون تستثمر في سباقات الأجندات، حتى جوعنا كان له معنى آخر، كما هو جوع كل البشر، وكنا نعرف كيف نسكته وكيف نشبع من دون أن نشْجع. كان في بيوتنا فضاء للأحلام، وفي قلوبنا رحابة للمحبة والألفة. لم نكن مترفين، لكن في خزائن مطابخنا التي تُدعى «نمليّة» وغرف المونة ما يكفينا من طعام في أيام البرد والقلّة، تصرف أمهاتنا وجدّاتنا الكثير من أوقاتهنّ لتحضير مونة الشتاء. يوم كان للزيتون موسم، وللمكدوس موسم، وللحبوب مواسمها، والمربيات واللحوم المقددة والخضار الميبسّة والفاكهة المجففة، والعصائر المحلاّة والمخللات، والزعتر والكشك، ودبس البندورة والفليفلة الحمراء، ودبس العنب، وحتى عصائر الكرمة المخمّرة. وأشياء أخرى ممّا تجود بها أرض سورية، وكانت سورية تجود، وأمهاتنا يجُدن بفيض محبة، وجدّاتنا بنبع الحكايات. لكن الشعب السوري يجوع اليوم، وبعض منه يُجَوّع، حصار هنا وحصار هناك، بنوايا شيطانية ولعب سياسية خسيسة، من دير الزور إلى الفوعة وكفريا، إلى مضايا الوادعة النائمة على ارتفاع ألف وأربعمائة متر عن سطح البحر، وفي أعلى أحد جبالها تطلّ عليها قلعة «الكرسي» وفيها مقامان مجهولان، وقلعة أخرى تدعى «قلعة الديوان» تحتوي أطلالاً رومانية، وهي الى الشرق من مدينة الزبداني، تنفلت منها الطرق التي تربط بينها وبين بلودان والزبداني ودمشق وبقين. مدن سورية مقطعة الأوصال، فرقتها السياسة والمصالح والحروب، وجمعها الحرمان والجوع تحت الحصار. تستيقظ مضايا صباحاً منذ التاريخ الغابر فتسبّح بجمالها وتبتسم للحياة وتستعيد الحكاية في بالها كي تحكيها لأبنائها القادمين من الضباب ومن قوس قزح.

من أم ضياء والضاوي إلى مضايا

حكاية ترجعنا إلى أيام النبي موسى عليه السلام، كانت القبائل «المديانية» تقطن أواسط أراضي «كنعان» في «فلسطين»، وكانت الحروب قائمة آنذاك بين القبائل العبرانية والقبائل المديانية. كانت تصل غزوات القبائل «المديانية» إلى شمال «فلسطين» وباتجاه «كلشيش» و«عنجر»، وقيل أن مجموعة من إحدى القبائل «المديانية» جاءت للاستراحة على سفوح جبال «سنير» عند «اليبوسيين» الذين كانوا على خلاف وعداء مع العبرانيين، فلقوا منهم القبول والترحيب والدعم وأعجبوا بالمنطقة وبذلك السهل المتطاول والمحمي بالجبال المحيطة به من كل جانب، فاختاروا السفح الشرقي المطل على سهل «الزبداني»، والذي لم يكن مأهولاً آنذاك وكان موقعاً متوسطاً في إطلالته على السهل، ومتصدراً بواجهته، فاستقروا فيه وأطلق على ذلك الموقع اسم «مادايان» أو «مادايا»».

أما الحكاية الأخرى فتقول: قبيلة عربية من قبائل «بني بكر» نزحت من ديارها باتجاه الشمال واستقر قسم منها في شمال «فلسطين» وجماعة أخرى تابعت طريقها شمالاً، حيث استقرت في موقع يسمى اليوم باسمهم «ديار بني بكر» في جنوب «تركيا» وشمال «سورية». شاءت المصادفات أن تخلفت جماعة صغيرة من تلك القبيلة أثناء هجرتها لأن أميرة من أميرات بني «بكر» كان قد مات زوجها في طريق رحلتهم ونزوحهم. كانت الأميرة على وشك الولادة وكان وضعها الصحي سيئاً فاضطرت جماعتها وأهلها إلى التوقف في هذا المكان حتى تشفى وتتم ولادتها واختاروا السفح الشرقي الذي تتوسطه مساحة كبيرة من الأشجار والأدغال القائمة حول ينابيع المياه والذي يبعد عن طريق القوافل والجيوش والمارة وكان أكثر أماناً وراحة لهم، هناك ولدت الأميرة طفلاً وضاء الوجه جميلاً جداً مع أول خيط من خيوط النهار، فأطلق عليه «ضياء» وأصبحت الأميرة تدعى «أم ضياء». استقرت الأميرة بصورة دائمة هناك مع أهلها وأقاربها واشتهرت المنطقة باسم «أم ضياء» وأصبح المكان كله يدعى مع الأيام واختصاراً «امضايا»».

لكن مضايا لديها حكاية تحبّها أكثر، تقول: كان واحد من أبنائي المسنين والزهاد يعتكف في سفح أحد الجبال لا يعرف اسمه غيري لأنني أقدم منه، بل لأنني أمّه، أحبّه كما أحبّكم لكنني لن أبوح باسمه، لم يكن يُرى نهاراً، كان يقيم في المغاور ويتعبد فيها، لكنه في الليل يوقد ناراً تبقى مشتعلة حتى الصباح الباكر، ناره كانت تؤنس وحشته في تلك البراري والجرود، تبعد عنه الوحوش وتنير الفضاء لخيالاته وأفكاره فتعقد حواراتها أمامه، يرنو إليه الناس من بعيد، عندما تشتعل ناره يعرفون أن الشيخ يتعبّد ويفكّر في أسرار الكون فلقبّوه ب «الضاوي» وصرت أُنادى باسمه، ومع الزمن نُسي الشيخ الجليل وصار اسمي مضايا، هذه حكايتي احكوها لأطفالكم أمام مواقد الحطب عندما يحين قدوم السعود الأربعة، وعندما يغطي الثلج حقولكم وكرومكم وبيوتكم، وفي أيام المستقرضات، لا تنسوها فهي تدلق ما بقي في أحشائها من البرد دفعة واحدة في أواخر شباط وأوائل آذار، بعدها افتحوا نوافذكم للربيع واهرعوا إلى كروم التفاح والكرز والدراق والخوخ والإجاص.

‏مضايا تبتهج في صباحات الشتاء عندما تفيق لترى لحافها الأبيض يغطيها ببساتين كرزها وتفاحها وأسطح بيوتها، فتقول مع أبنائها: «الله يبعت الخير».
مضايا لم تكن عاشقة لذاتها، ولم تعرف النرجسية مثل تلك الأميرة التي كانت تخاطب مرآتها وتستنطقها: هل رأيتِ أجمل مني؟ كانت تعيش الحياة بجمالها وتفرد كنوزها أمام الضيف، فالضيف هو: ضيف الرحمن. والرحمن كان ألفة ومحبة في صدور أبنائها، وعبادته كانت إيماناً عفوياً خالصاً يمارسون شعائره ويحيون طقوسه جمعاً ومفرداً كحالة حياتية تجلب الرضا والسكينة إلى النفوس. لكن السياسة تسلّلت إلى وداعة الحياة فسممت سبل العيش هناك. فكان مصير مضايا أن يتردد اسمها في الأصقاع ويتعرف عليها العالم كبلدة تجوع ليس أكثر، تجوع لأن الحصار الجبار بحكم القوة يمنع عنها الدواء والطعام، ولأن تجار الحروب على مرّ التاريخ ينبثقون من تحت ركام الدمار ليساوموا المحتضرين على أرواحهم.

فرح شاميّ
«بابور أبو صيّاح» كان قطاراً ينتظره أهل الشام بفرح يوم الجمعة والعطل، ويوم كان بردى، الذي غنّت له فيروز من قصيدة أحمد شوقي:

جرى وصفق يلقانا بها بردى

كما تلقّاك دون الخلد رضوان
دخلتها وحواشيها زمردة
والشمس فوق لجين الماء عقيان

يجري كطفل مشاغب، يخترق الخضرة الوارفة في الغوطة الغربية، دمّر والربوة والهامة، تتمايل فوقه أشجار الصفصاف والكينا بغنج، تكاد تلامسه فيفرّ من بين أناملها نشواناً بتحرّشها. كانوا يستيقظون جميعاً في ساعات الصباح الأولى ليحضروا مستلزمات الفرح والبهجة في نزهتهم المنتظرة والتي طالما حلم بها الكبار قبل الصغار، أهل الشام يحبون الحياة ويجيدون الفرح، فكانت النساء يحضّرن الطعام ويتبارين في إبداع أصنافه وأطايبه، والأولاد يحضرون ألعابهم، والرجال يصحبون معهم النرجيلة، وورق اللعب، ورقعة البرديس، والصبايا والشباب ينشغلون بتجهيز أنفسهم وتصفيف شعورهم ليكون مظهرهم لافتاً ومتألقاً، فلربما طارت نظرة إعجاب من هنا، وغمزة عين من هناك، ويسعون مع ساعات الصباح الأولى إلى محطة الحجاز، فترى المدينة كأنها على موعد مع الفرح، تصير محطة الحجاز ورصيفها، مثل كرنفال يضجّ بالحياة، ولصفير القطار لحن ينعش النفوس ويبهج القلوب. الكل ينتظرون «السيران»، و«السيران» الشامي غنيّ بما يبهج النفس، كان الكثير من العائلات يفترش الأرض فوق البسط الملونة، ويبسط الموائد فوقها قرب منقل الشوي، فتختلط روائح الطيبات مع رائحة الخضرة والماء، تتربع سلال الفاكهة وسط الموائد، وقبل انطفاء الموقد كان لا بدّ من الكنافة المدلوقة لتكتمل المتع الهنيّة، ثم إبريق الشاي على جمره الأخير. يتوزع المتنزهون الأماكن من دمّر وحتى الزبداني، حيث ينبع بردى من بحيرة نبع بردى جنوبها.

أما الزبداني وبناتها التي دفعت مضايا، من بينهن، الفاتورة الأبهظ في طريقها إلى الحريّة، فلها حكاية أخرى، فهي قريبة من دمشق، وارتبط مصيرها على مرّ التاريخ بمصير أقدم مدينة لا زالت مأهولة منذ أن وجدت «دمشق». تمتد على سفوح جبال لبنان الشرقية وتشرف على سهل رائع هو سهل الزبداني. وقدرها الذي حوّلته الحرب السورية إلى مصير بائس، أنها تقع في وسط المسافة بين دمشق وبعلبك، بعد أن رسّخت اتفاقية سايكس بيكو حدوداً سياسية في آخر عملية تقسيم للمنطقة، وحمتها بأنظمة سياسية قمعية ودينية واجتماعية تكرّس المذهبية والطائفية وتبقي أسباب التوتر والصراع قائمة إلى ما شاءت إرادات القوى الطامعة في بلداننا، فلا يعود المقسّم إلى ما كان عليه، ولا يقوم لدولة قائمة.
مصير تحمّلت قسوته بأكثر من طاقتها تلك المدينة الوادعة من بين جاراتها الملحقات بالزبداني «مضايا»، فلماذا يا مضايا صرتِ، بل جعلوكِ، خنجراً موجعاً في القلب لا نملك نزعه فنموت؟ أي مخمصة تحمّلتِ ولم تركعي؟ هل بقيتِ صامدة لتروي؟ نحن افتقدنا ضمائر الرواة، افتقدنا نزاهتهم، وافتقدنا حيادهم، نحن في عصر الضلال والتضليل، فكم من مؤرّخ غشاش سيقول في قادم الأزمنة كانت مضايا وكانت حربها، وكم من محترف في التزوير سيكتب نصوصاً ويودعها في خزائن التاريخ تحمل بين طياتها فتيل نارٍ جعلوها إرثنا الحارق وأوهمونا أنه تاريخنا وتراثنا وحكاياتنا وجروحنا وحقوقنا التي تنتظر الاسترداد.
مضايا، (مغارة الجوع والأربعين حرامي) يتنازعون عليك ويشبحونك بين رهينة وضحية.

أمّا في التاريخ:
فالزبداني ونواحيها لها تاريخ موغل في القدم ويترافق مع تاريخ مدينة دمشق. فقد استوطن الإنسان هذه المنطقة من الأرض لكثرة خيراتها ووفرة مياهها، ويعتقد أن سكانها القدامى يعودون في أصولهم إلى سكان مدينة دمشق وبعلبك والأماكن المجاورة لهما مثل الأبلية أي سوق وادي بردى في جبال دمشق، وكلشيش أو عنجر وما جاورهما. كانت هذه المدينة ذات أهمية كبيرة كطريق تجاري لقوافل بين المدينتين التاريخيتين (دمشق وبعلبك). وكطريق عسكري للفتوحات والحروب، والحروب تعيد إليها ذاكرة ألم الماضي ونوائبها اليوم.

يعود أصل سكان هذه المنطقة إلى الآراميين الذين كانوا أول من سكن هذه البلاد، وهم من نسل سام بن نوح، الذين نسبوا إلى جدهم آرام بن سام، وهم الذين أسسوا مدينة دمشق منذ آلاف السنين وسموها باسم جدهم سام أو (شام) وفي ذلك الوقت تم تعمير عدد من المدن مثل الزبداني ونواحيها.
مدن فوق أخرى، وحواضر فوق أخرى سوف يصادفها من يحفر في أي بقعة من تلك المناطق، إنها طبقات التاريخ ورفوفه، تاريخ إنساني حافل بالنشاطات والحياة والثقافات والأديان و... الحروب. وكان قدر الزبداني وبعدها مضايا أن تستعيد الحروب شهيتها فوق موائدهما، في عصر استعادة الحلم الإمبراطوري لكثير من الدول التي لا زالت تضمر في أعماقها حنيناً لتلك الأمجاد، إمبراطورية فارسية، إمبراطورية عثمانية، إمبراطورية روسية، وإمبراطوريات أخرى لبست الحداثة بطريقة ماكرة، وهناك، قريب جدّاً منهما يطلّ جبل الشيخ بصمته الجبار، يزداد هرماً عاماً بعد عام، ينهكه الثلج على قمته والصمت الجليدي عن أجزائه المغتصبة. على مسافة قريبة يقبع كيان محتل عنصري يمارس الاغتصاب والسطوة على الهوية والتاريخ والحياة، وكأن قدر تلك البقعة من سوريا أن يمارس عليها كل أشكال العنف والاستلاب. وعليها أن تتقن ملحمة المقاومة بينما أمعاؤها ينخرها الجوع وشبح الموت يكشّر في وجهها.

مضايا لم تكن جائعة، كانت كمثل أولئك الرجال الثلاثة من فاتانو الذين التقتهم الكاتبة اليابانية «إيميلي نوثومب» في كتابها «بيوغرافيا الجوع»، على وليمة عامرة بما لذّ وطاب، فامتنع الرجال الثلاثة عن الطعام، قالوا إنهم ليسوا جائعين، سألتهم لم؟ فردّ أحدهم: عندنا في فاتانو الطعام وفير، ولم نضطر يوماً إلى إنتاجه، نمد يدينا الاثنتين فتسقط في واحدة جوزة هند، وفي الأخرى قرط موز... إناث الهلوف ذوات ضروع مدرارة لأنها هي أيضاً تتغذى بما يفيض عن حاجتها، وتتوسّل إلينا أن نستخرج من حليبها ما يثقل عليها ولا تكف عن الزعيق بأعلى صوتها، إلاّ إذا انصعنا لطلبها. ثم استطرد قائلاً: وعلى هذا المنوال تجري الأمور في فاتانو. لاذ الثلاثة بصمت الحرج كأنهم يقولون: أنتم لا تدركون من حقيقة الأمر شيئاً. في فاتانو يأكل الناس من قبيل المراعاة واللباقة، كي لا تشعر الطبيعة، وهي هنا ربة المنزل الوحيدة، بالإهانة.

زمن التهريب
كرومها خيّرة، ومواشيها كريمة، وحياتها هانئة إلى حين، لكن من طبائع قدرها أيضاً أن يدفعها الفساد الذي نما وترعرع في سوريا على مرّ العقود والقرون إلى أن تبحث عن سبل عيش رديفة، فبعدما خبا وهج معرض دمشق الدولي الذي كان قبلة السياحة الداخلية، وموسماً للسياحة الخارجية، وكنّا ننتظر أيامه ونحن صغار، كحلم تخبئه لنا الجنيات الطيبة، سيأخذنا أهلنا إلى دمشق لنزور معرضها، وكان انتظار هذه الرحلة مثل العيد، لباس جديد وأحذية جديدة وحلم بسفر طويل أيام كانت الطرقات مفردة طويلة لكنها آمنة، لا سرقة ولا قنص ولا اغتصاب ولا حواجز أمنية، إلاّ تلك الوقفة لكمين عناصر الجمارك قبل أو بعد منطقة العريضة في مدينة تلكلخ، حيث كانت هناك سوق تهريب عامرة بما يمكن أن يطلبه كل شخص، في بقعة شرختها الحدود السياسية، بينما الجغرافيا والتاريخ عصيّان على الشروخ لا يأبهان بها.

خبا وهج المعرض، مثلما بدأ وجه دمشق يتغير، ليبدأ نجم مضايا بالسطوع، وتتحوّل الزبداني إلى منتجع للمصطافين ولمن يملكون المال سوريين وغيرهم، وأكثر الغير كانوا من دول الخليج، كان هناك كثير من الميسورين قد تملكّوا بيوتاً للاصطياف فيها، ومنهم للاستثمار بعدما تدفقت عليها أموال السياحة، وصارت أرقام الإيجارات فلكية، لعلّ أصحاب بعض البيوت، الذين أثروا بعائدات الفساد، أو أولئك الذين أقصتهم الحرب بواقعها القائم على الفتنة، بعيدون اليوم، يتذكرون أمجادهم هناك، وربما يذرفون دموع الأسى، أو يشكرون ربّهم لأنهم غادروها قبل أن يحكم عليهم الحصار، بل منهم من يقول: الله نجّانا فهذه ليست ثورة إنها مؤامرة على سورية وشعبها والدليل تلك الأغاني التي كان الشباب المسلّحون يصدحون بها، رافعين بنادقهم، ينشدون: عالحرية الحرية، يا عيني عالحرية، بدنا نهبّ وبدنا نثور، سمعتوا شو قال العرعور....
تحوّلت الزبداني إلى مدينة تشبه المهرجان، فلل وأبنية بشقق فاخرة وأسطح قرميد ومطاعم ومنتزهات وكل صنوف المتع التي ينشدها الباحثون عنها، ومعها مضايا التي صارت بيوتها القديمة نادرة إلاّ القليل منها مما حظي بمن يرممه، وكان جلّها على الطراز الشامي، بينما بقي قصر الكزبري المشيد في عام 1898 م والذي يعتبر أول بناء اسمنتي شيد في منطقة الزبداني، حيث تم استيراد الإسمنت له من فرنسا وعلى نفقة أبي الخير الكزبري وجلب له الحديد المصنّع من إيطاليا والأحجار من المنطقة الغنية بالأحجار الصلبة، شاهداً على عز صاحبه ونموذجاً للبيوت القديمة فيها.
كان المال كثيراً، وكانت مضايا قد صارت سوقاً كبيرة للتهريب. كانت لكل مدينة حدودية، بين سورية والدول المجاورة، أسواقها القائمة على اقتصاد المهربات. صار السوريون القادرون على الشراء يقصدون مضايا لأجل الشراء، خاصة في ظل الحصار الذي خنق الحياة في ثمانينيات القرن الماضي، بعد مواجهة عنيفة بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، وأحداث حماة الدامية التي لا زالت ماثلة في ذاكرة السوريين، وجرحاً مفتوحاً عاد نزيفه على وقع العنف المتغوّل في حياتهم اليوم، وبعد الاغتيالات التي طالت العديد من أصحاب الشهادات والكفاءات والخبرات، وبعد التحوّل إلى حياة يحكمها الأمن وتفتقد إلى الأمان.
هل كان لمضايا أن تزدهر في سوق التهريب بمفردها؟ هل كان لها أن تشهر بضاعتها وتزيّن أسواقها، وتطوّر أساليب عرضها وتحدّث محلاتها بمفردها تحت سلطة نظام يحاسب الفرد على خطأ في أحلامه؟ لم تكن مضايا بمفردها، كانت في الظل شراكة بينها وبين بعض رموز النظام، وكانت البغال تعرف الطريق في الذهاب والإياب مخترقة الحدود السياسية بين سورية ولبنان بأسواقها الحرّة، محمّلة بالبضائع المهربة، قدر البغال أن تُساق إلى أسواق التهريب وساحات الحروب، وأن تكون في زمن ما سلعة مطلوبة في حرب تدور هناك، في بلاد الجرود الصخرية والجبال والطبيعة الفجّة القاسية العصيّة إلاّ على سكانها وعلى البغال، أفغانستان. لم يبقَ بغال في مضايا، ولو بقي ربما كانت أنقذت أطفالاً من الجوع، فأمام غريزة البقاء تسقط المنظومات كلها من قيمية وثقافية ودينية، حتى الاشتهاء يتكثّف في شعور وحيد: شهوة الالتهام.
وكنّا نلجأ إلى مضايا لنشتري الحليب لأطفالنا في ظل الحصار، وإذ ننزع اللصاقة عن علبة الحليب نرى تحتها لصاقة «فارمكس»، المؤسسة العامة لتجارة واستيراد الأدوية في سورية، كان حليب الأطفال يدخل البلاد، لكنه لا يدخل مستودعات المؤسسة، فمضايا مستودع كبير، وهامش ربحه وفير، فقط لصاقة أخرى وتنتهي العملية بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية والقوانين واللوائح الناظمة، والشعب صابر على الحصار أمام قضيته الكبرى وأمام من يخطبون بالمؤامرة التي تحاك، فسورية هي قلب العروبة النابض وهي شوكة في حلق إسرائيل، وأهداف هذا الشعب الصامد لم تكن ترضى بأقل من رسالة خالدة لأمة عربية واحدة، هكذا علّمونا ولذلك صبرنا. لكن أطفال مضايا اليوم بلا حليب ولا دواء، وأطفال سورية يُسامون الفقر والجوع وقتل أحلامهم وأرواحهم.
كانت المحال ساحرة، خزائن للعجائب في بلاد لم يكن فيها مكان للاندهاش بعد الذهول الكبير، والرعب الكبير، بعد الحرب مع الإخوان الذين كان قد صار لهم جناح عسكري وبرنامج قتالي، وكان النظام يحكم قبضته الأمنية كي يمنع أي احتمال لخلية نائمة نجت من المعركة معهم أن تستيقظ من جديد، وكانت السجون قد أتخمت بمواطنين فكّروا أن الحياة يجب أن تكون أجمل وأكثر نبلاً وكرامة. لكن الماركات كلها كانت موجودة في أسواق مضايا: إيف سان لوران، بيير كاردان، شانيل، كريستيان ديور، وغيرها مما تلهث خلفه الطبقة الغنية أو تلك المستحدثة بفائض السرقات والنهب، حتى إن بعض التجار كانوا يتواصلون مع زبائنهم عبر الهاتف فيخبرونهم بكل ما هو جديد لديهم، بينما الشعب يدفع ضريبة «المجهود الحربي» لتبقى سورية على قدّ الممانعة، وكانت الأدوات الكهربائية المعروضة في واجهات المحال والمخزنة في مستودعاتها تنافس ما تنتجه بعض المصانع العامة، جنرال إلكتريك، فيليبس، براون، هوفر. كل ما تتطلبه الحياة العصرية، وكل ما يحتاجه المواطن البسيط وغير البسيط، فقد كانت سورية خانقة ومخنوقة.
يتبضّع الناس ثم يتفرغون للتنزه بين أرجاء مضايا، فمن نبع مضايا في أول البلدة، إلى عين الميسه، في شرقيها، إلى عين أمين، وعين الحداد، وعين صالح، وحول هذه العيون والينابيع توجد الحدائق والجنائن والبساتين الكثيرة والمسطحات الخضراء، ويلتقي السوريون فيها بسياح ووافدين من كل الدول العربية والأجنبية على حد سواء، ومنهم من كان يمتلك شققاً أو بيوتاً هناك، كما في الزبداني، فمن يستطيع التعرف على ملكيته اليوم؟ وأين هي تلك العيون تحت الدمار والقصف؟



المدن السورية التي فرَّقتها السياسة والحروب جمعها الجوع والحصار زمان كنا نجوع لكن جوعنا لم يكن يستثمر في سباقات الأجندات


كانت للمدينة أهمية كبيرة تاريخياً وأول من سكنها هم الآراميون

...................................
قدر مضايا أن تتقن المقاومة بينما ينخر الجوع أمعاءها


حراك الزبداني

كانت لمدينة الزبداني وقراها مُشاركة فاعلة في الحراك منذ وقت مبكر منه، وتعرَّضت المظاهرات إثر ذلك لهجمات متكررة من طرف قوات الأمن وسقطَ الكثير من القتلى.

في 17 يوليو من عام 2011 تعرَّضت المدينة للاقتحام الأول، ويقال إنه قد اجتاحها أكثر من 2,000 جندي، ثم اقتحمتها الدبابات والمدرعات بعد حصارها وإغلاق مداخلها. ثم في 15 أكتوبر من العام نفسه تعرَّضت المدينة للاقتحام مُجدداً، حيث اجتاحتها قوات أمنية تتكون من آلاف الجنود وسط إطلاق نار كثيف، ونشرت حواجز أمنية في الشوارع واعتقلت أفراداً ناشطين قارب عددهم المائة. وأخيراً اندلعت معركة عنيفة فيها في 13 يناير عام 2012، إثرَ سيطرة الجيش السوري الحر عليها وبعض الفصائل الأخرى. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بينه وبين الجيش النظامي في 17 يناير، غير أن الجيش عادَ وقصفها مجدداً بشدة، وانتهى الأمر بعد أسبوع بمقتل زهاء مائة شخص من الأهالي وإبرام اتفاق جديد بين السلطات والفصائل المسلحة، يَقضي بانسحابها من المدينتين، مضايا والزبداني، وتسليمه العتاد والسلاح الذي استولت عليه من قوات الجيش النظامية، مقابل ترك أفرادها يَخرجون بسلام والسَّماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المدينتين.

اقرأ أيضا