صحيفة الاتحاد

دنيا

الإيطالي ماريو روسي.. رائد العمارة الإسلامية الحديثة ومبدع زخرفة «الأرابيسك»

«ماريو روسي» إيطالي مسلم يعرفه جيدا المهتمون بالعمارة الحديثة فهو أكبر اسم في فن العمارة الاسلامية خلال النصف الأول من القرن الماضي• ولد هذا المهندس الإيطالي الأصل في روما سنة 1897م، ثم جاء إلى مصر ضمن مجموعة من المهندسين الأوروبيين استقدمهم الملك فؤاد وعمل منذ أوائل العشرينيات من القرن الماضي في وزارة الأشغال وفي القصور الملكية• وطابت لروسي الإقامة في القاهرة واعتنق الإسلام بعد طول تأمل ودراسة عززها بالاندماج الصادق في المجتمع المصري• وتجلت عبقرية هذا المعماري الفذ بعد سنوات قضاها مكباً على استيعاب تراث العمارة الإسلامية وإعادة تأسيس هذا الفن بروح عصرية جديدة تتناسب مع الاحتياجات الحديثة والابتكارات العصرية في مواد وطرق التشييد والبناء•
مسجد الرفاعي
واستغرق في ذلك الميدان استغراقا شاملا أنفق فيه عمره حتى توفي بالقاهرة في عام 1961 مخلفا وراءه تراثا علميا ومعماريا لا يضارع• وترك تلاميذ موهوبين في فن العمارة الإسلامية منهم، علي ثابت، وعلي خيرت أشهر المعماريين المصريين المحدثين• وخالف هذا الايطالي الموهوب ما سار عليه أقرانه من الأوروبيين الذين توافدوا على الشرق الاسلامي في بدايات القرن الماضي، ليس فقط لاعتناقه الاسلام عن قناعة كاملة وإيمان راسخ بل ولبعده عن تقليد أو استعارة عناصر العمارة الأوروبية الكنسية في تصميمه للمساجد• ويبدو واضحا أن عمارة روسي الاولى تركت بصمات لا تمحى على طريقة تفكيره إذ عمل في استكمال تشييد مسجد الرفاعي ليكون مدفنا لأسرة محمد علي ومسجدا في ذات الوقت• ولما كان الغرض الرئيسي من انشاء هذا المسجد هو محاكاة ضخامة وفخامة مدرسة السلطان حسن المواجهة له، فقد صرف الفتى اليافع جهده نحو ملاحظة عمائر المماليك في القاهرة وتحليل عناصرها البنائية والزخرفية• وتدل استعارات «ماريو روسي» على إعجابه الشديد بفن العمارة المملوكي ثم العمارة الفاطمية بدرجة أقل في حين نأى بأعماله عن استعارة عناصر العمارة التركية العثمانية•
المرسي أبو العباس
وتتجلى مواهب هذا المعماري الكبير في تخطيطه لجامع المرسي أبي العباس بمدينة الاسكندرية، وقد استغرق انجاز هذا العمل الفني الرفيع حوالي ست عشرة سنة انتهت بافتتاحه للصلاة في سنة 1945• واختار روسي شكلا متعدد الأضلاع لهذا الجامع مما يذكرنا بتعدد أضلاع مدرسة السلطان حسن ولكنه هنا اقتصر على ثمانية أضلاع وفي ذلك مشابهة واضحة لتصميم بناء قبة الصخرة بالقدس• ولكن روسي لم يجعل تغطية هذا المثمن على هيئة قبة• بل اختار سقفا مسطحا به أربع قباب في أركان المثمن• واقتبس فكرة هذه القباب من تصميمات الأضرحة المملوكية في قرافة قايتباي• ورغم عدم ضخامة هذه القباب بالقياس لقباب الجوامع العثمانية فإنها تمتاز بارتفاعاتها العالية نتيجة لزيادة طول رقبة القبة المزودة بست عشرة نافذة معقودة على هيئة العقود المدببة وهي ذاتها مقطع القباب الأربع• وفي حين تبدو القباب شاهقة على جانبي كل من الواجهة الرئيسية والخلفية للجامع يفاجئنا روسي بمئذنة رشيقة الأبعاد تحاكي في تصميمها المآذن المملوكية• فهي تبدأ بقاعدة مربعة كانت شائعة في العصر المملوكي البحري، تنتهي بشرفة أذان محمولة على صفوف من المقرنصات، أما الطابق الثاني فمستدير المقطع وينتهي بشرفة أذان ثانية فوقها جوسق له ثمانية عقود مدببة• وتشييد المئذنة وسط الواجهة الرئيسية عمل جريء وغير مألوف في العمارة الإسلامية، إذ اعتاد المعماريون وضع المآذن في أركان المساجد، ولكن روسي لجأ الى ذلك ليرى من ينظر الى الجامع هذه المئذنة من أي اتجاه وكأنها تتوسط القباب الأربع وتصعد من وسطها جميعا• ووضع ماريو روسي بتأسيسه لمسجد أبي العباس اللبنات الأولى للعمارة الإسلامية الحديثة في مصر حيث تم الاستغناء عن الفناء أو الصحن الأوسط نظرا لضيق المساحات التي يمكن أن تخصص لبناء المساجد في المدن الكبيرة المكتظة بالسكان وفعل «روسي» ذلك دون أن يفقد المسجد عنصر الاضاءة الطبيعية الغامرة التي توفرت بإنشاء نوافذ سفلية كبيرة وعلوية معقودة فضلا عن نوافذ القباب المرتفعة عن مستوى سطح الجامع• وحتى اليوم لا يزال المعماريون ينهلون من تقاليد جامع أبي العباس وهم يشيدون المساجد الحديثة الضخمة•
مسجد إبراهيم
وما ان انتهى روسي من تشييد هذا المسجد حتى شرع في تشييد آخر بالاسكندرية وهو مسجد محطة الرمل المعروف بمسجد ابراهيم ويعتبر من الأعمال النادرة التي زاوجت بين تقاليد العمارة المملوكية وبعض العناصر الشهيرة في العمارة الأندلسية فقد جاءت عقود الواجهة على هيئة العقود الأندلسية المفصصة بينما احتفظت القبة بأعلى المحراب والمئذنة والشرفات بالطابع المملوكي التقليدي• ورغم ان مسجد ابراهيم انشئ وسط مبان عالية وكان من الوارد ان يختفي بعض الشيء عن العيون بسببها، فإن روسي تعمد أن يخفض ارتفاع المسجد حتى يستقطب الأنظار وسط هذه المباني الشاهقة، ثم فجأة ومن منتصف الجدار الشمالي الغربي ترتفع مئذنة نحيلة أنيقة وتنطلق في السماء لتشرف بهامتها على كل المباني المجاورة• ومع الأخذ في الاعتبار الطابع المملوكي الذي لا تخطئ العين الفاحصة ملامحه فإن المئذنة تسجل فخرا لا يمحى لهذا المعماري الفذ فهي فريدة في بابها وتكوينها، فمن خلالها أعاد تركيب العناصر القديمة وتعديل نسبها لتعطينا هيئة غير مسبوقة، فقد باعد روسي بين شرفتي الأذان الأولى والثانية ثم كرر الجوسق الأخير المفتوح وفعل نفس الشيء مع قبيبة المئذنة التي جعلها في هذه المرة على هيئة «المبخرة» أي القبة مضلعة التي نراها في المآذن الأيوبية وكذا في أوائل العصر المملوكي•
رد الاعتبار لـ «الأرابيسك»
أما في القاهرة فقد ترك ماريو روسي مسجدين من تصميمه أشهرهما مسجد عمر مكرم بميدان التحرير، ويمتاز باستخدام الستائر الجصية ذات الزخارف العربية في بعض جدرانه لتوفير عنصر الاضاءة الطبيعية مع رد الاعتبار لزخرفة التوريق العربية «الأرابيسك» التي حرص على استخدامها في كل عمائره والمسجد الثاني هو مسجد الزمالك «على شاطئ النيل» وقد جعله من المساجد المعلقة التي يصعد اليها بدرجات سلم، وله واجهة فسيحة ذات عقود وأعمدة ويعتبر من الداخل أجمل بيوت الصلاة بالقاهرة• وفضلا عن أعماله المعمارية فقد خلف لنا روسي كوكبة من التلاميذ النابغين مثل «علي خيرت» الذي وضع تصميم جامع صلاح الدين بحي المنيل وهو شبيه في تصميمه بجامع المرسي أبي العباسي• بالإضافة إلى مهندسين آخرين من تلاميذه شيدوا مساجد غاية في الجمال وروعة التصميم مثل مسجد عبدالرحمن لطفي ببورسعيد ومسجد الفولي بالمنيا ومسجد عبدالرحيم القنائي بقنا•