الاتحاد

الملحق الثقافي

حصان «بيلا تار»..ثِقَل النَّفس الإنسانيّة

مشهد للحوذي يقود عربة يجرها حصان في طريق ضبابية مع خلفية شبحية لغابة متاخمة (أرشيفية)

مشهد للحوذي يقود عربة يجرها حصان في طريق ضبابية مع خلفية شبحية لغابة متاخمة (أرشيفية)



الصدمة الجمالية هي ألطف ما يصاب به مشاهد فيلم «حصان تورينو» للمخرج السينمائي الهنغاري «بيلا تار». فالعزلة في حدودها القصوى وضراوة الألم والقسوة الطاعنة في الصمت وثقل الوجود المفرط في التكرار، علامات أوّلية تصفعنا منذ بداية المشهد الأول الذي يلي افتتاحية الفيلم، وهو مشهد يفصح عن حوذي يقود عربة يجرها حصان في طريق ضبابية تعتورها تهويمات عجاج، وتموجات رياح هوجاء مع خلفية شبحية لغابة متاخمة. يستغرق المشهد وقتاً طويلاً وهو ينقل التفاصيل الدقيقة لاهتزازات العربة وحركة الحصان الراكض ووجه الحوذي الممهور بالحدة والفظاظة.

يصدِّر الفيلم متنه الحكائي/ البصري بحكاية حادثة حصان نيتشه الشهيرة في تورينو عندما صادف حوذياً في الشارع يقسو على حصانه بضربات سوط فهرع إلى الحصان وعانقه مجهشاً بالبكاء طويلاً، بعدئذٍ ينخرط في الصمت طوال يومين ثم ينبس: أماه أنا أحمق.
التصدير المحتكم إلى الحادثة ذات الخلفية الواقعية والتاريخية والفلسفية يبدو كما لو أنه يؤطر تجربة المتخيل الحكائي للفيلم. فهو يوهم - مثلاً - بأن الحصان الذي يركض به صاحبه ويجر العربة باتجاه مكان مجهول هو نفسه الحصان الذي أبكى نيتشه في تورينو، والحوذي لن يكون عملياً إلا «جوزيبي، كارلو، إيتوري» الاسم الحقيقي لصاحب العربة الذي كان يقسو عليه بالسوط لحظة انصعاق الفيلسوف بالمشهد المفزع، ثم النقطة التي يأتي منها الحوذي والعربة والحصان لن تكون إلا مدينة تورينو بالاحتكام إلى الفرضية السابقة. هل هذا يعني أن وقائع الفيلم تحدث في 03 يناير 1889؟

زمن غائب
الفيلم غير معني بتحديد زمني لوقائعه، فاختيار الأبيض والأسود يصبغ اللحظة الزمنية للحكاية بقدر هائل من الهلامية والالتباس والسديمية. فيشعر المرء أنه في أرض خرائبية، كأنها آخر ما تبقى من الحياة على وجه الكوكب، بسبب كارثة كونية، بفعل حرب أو غيره، كما يشعر في الآن ذاته بأنه مقذوف به في زمن بدائي مجلل بالأزل.
ما يرجح فرضية الاعتقاد بأن الحصان هو نفسه حصان نيتشه، هو الجملة التي ذيلت تصدير الافتتاحية: «عاش نيتشه بعد ذلك عشر سنوات أخرى مضطرباً وهادئاً في رعاية أمه وإخوته أما الحصان فإننا لا نعلم عنه شيئاً».
يصل الحوذي الذي اعتقدناه لن يصل أبداً لطول المشهد الماراثوني، أخيراً إلى بيته الأعزل في أقصى المكان الخرائبي، بيت مهترئ من حجارة وخشب وسطح قرميد، إنه الريف، المكان المركزي ومصدر الخيال في أغلب أفلام «بيلا تار». تلوح فتاة من جهة البئر المتاخم للبيت الأعزل، تركض باتجاه الحوذي، تساعده في عزل العربة عن الحصان وإدخال هذا الأخير إلى إسطبله، وتستأنف الرياح صفيرها وتوترها العاصف. لا شيء يحدث غير أن يغيّر الرجل طبقات ملابسه بأخرى بمساعدة فتاته الشاحبة، وأكل البطاطس والنوم بشكل مضطرب والتناوب على الجلوس فوق مقعد عند النافذة وتأمل الرياح الشرسة في الخارج حيث المشهد ما يزال يحافظ على ضبابيته وسديميته فضلاً عن تزويد المدفأة بالحطب وإشعال قنديل الزيت الذي يلمع ضوؤه كشعلة الحباحب والخروج من جديد إلى البئر، وهكذا دواليك.

حكاية جوفاء
المنعطف الأول في الحكاية الجوفاء هو حين تكتشف الفتاة امتناع الحصان عن الأكل، ويتضاعف الأمر حين يمتنع عن جر العربة، فيحتد غضب الحوذي الذي يرجع إلى سريره المهترئ فيما تلوح الأشياء متطايرة من نافذة صغيرة تنتصب فوق مرقده في الغرفة القصية.
هكذا تتكرّر الأشياء في ثقل وبطء، تتكرّر بذات الطريقة كما لو أنهما يعيشان يوماً واحداً متناسخاً بكل إحداثياته إلى ما لا نهاية. لا يتكلمان كما لو كانا أبكمين. لا يكسر رتابة الأشياء المكررة إلا حضور طارئ لشخوص غريبة، في مناسبتين:
الأولى عندما يطرق رجل غريب باب البيت الأعزل ويدخل بزجاجة فارغة ليتزود بالنبيذ الأبيض وفيما ينتظر امتلاء زجاجته يستطرد دونما مناسبة في خطاب مأساوي عن انحطاط الوجود بسبب حماقات الإنسان، كأنّ كل الصمت الذي استغرقه الفيلم انفجر صوت الزائر ليملأه، فلا يعلق الحوذي إلا بجملة يتيمة تصف خطاب الزائر بالهراء. عندما يخرج الزائر بعد أن يترك قطعتين نقديتين على الطاولة، يقصد وجهة ما وراء الهضبة حيث الشجرة العزلاء شاهدة على خراب المكان.
والثانية عندما ينزل سبعة أفراد في عربة بحصانين أبيضين الهضبة ذات الشجرة العزلاء ويصخبون جنب البئر. يشربون من الدلو. فتخرج إليهم الفتاة زاجرة إياهم ثم يمنحها رجل بلحية بيضاء كتاباً. يحاولون اللعب معها فيخرج الحوذي مهدداً إياهم بفأس ويغادرون في ترنح وثمل. تفتحه بعدئذ في الركن منعزلة وتقرأ «ضد المسيح» طبعاً العنوان يحيل على أحد كتب نيتشه، تتهجى وتتمتم شذرات عن الدين والمأساة والخراب الإنساني.
تبدو الهضبة ذات الشجرة العزلاء كما لو تحجب عالماً غامضاً خلفها، يرجح أن يكون عالماً نقيضاً للتعاسة والبؤس والألم والخراب، فالأفراد الذي يأتون من تلك الوجهة وحدهم المبتسمون في الفليم، عكس من يأتي من الوجهة التي جاء منها الحوذي يعتصره الألم والاكتئاب، وهي الوجهة التي يأتي منها الرجل الذي طرق باب الحوذي كي يتزود بالنبيذ الأبيض ويلقى خطاباً مفصلياً حول الانحطاط الإنساني.
أما التحوّل الجذري في الفيلم، فهو حين تكتشف الفتاة نضوب مياه البئر ذات صباح، وتهرع إلى أبيها لتخبره عن الخطب وعندما يتحقق من جفاف البئر. يطلب من الفتاة وضع أمتعته في صندوق خشبي ويجمعان الأشياء كما لو سيهاجران. تضع الفتاة الأمتعة والأشياء في العربة وتدفعها بدل الحصان. الفتاة تجر العربة من عمود على شكل صليب. الرجل في الوسط يدفع والحصان يتعقبهما في الأخير. يظهران على الهضبة حيث الشجرة العزلاء بنفس الترتيب. الفتاة في المقدمة والعربة والرجل ثم الحصان. فيما أوراق الشجر تتطاير مع الأعشاب في الهواء بفعل الرياح الهوجاء. يغيبان وراء الهضبة ثم بعد وقت يلوحان يقفلان وهما يعودان بنفس الترتيب والعربة ما تزال مملوءة بنفس المتاع.
هل كان يقصد المكان الذي أتى منه الأفراد السبعة وهم يترنحون رقصاً وثملاً؟ المكان الذي قصده الرجل صاحب خطاب الانحطاط الإنساني أيضاً؟ ما سبب تراجع الحوذي عن إكمال هجرته في ذلك الاتجاه؟
إنه المشهد اللاذع الطاعن في السخرية يعزز حدة الضياع وضراوة القلق واللاجدوى.
تتضاعف مأساة الاثنين بعدها باكتساح الظلمة ليل البيت حين يتأكد لهما نفاد زيت القنديل الذي ينطفئ بشكل أبدي.
ويلوحان على المائدة باليوم الموالي. الفتاة تمتنع عن أكل البطاطس والرجل يطلب منها أن تفعل. يقضم من البطاطس ثم يلعب بها ويكف عن أكلها. يجلسان برأسيهما المنكسين دون أكل ودون كلام...

حتى الحيوانات.. تتمرَّد
ما يسميه بيلا تار بثقل النفس الإنسانية هو ما يعالجه في «حصان تورينو»، الحصان الذي امتنع بشكل مطلق عن جر العربة، كأنه تأنسن لحظة عناق نيتشه له وبكائه، لحظة أو درس الفيلسوف الذي صعق الحوذي وبلغ به حدّ التأثر بأنْ تخشبتْ أو شلّتْ يده اليمنى (اليد التي كان يجلد بها عنق الحصان في الغالب)، وانتصر لكرامته عبر قلبه للمعادلة، إذ صار موقعه بعد العربة وليس قبلها، فيما حلّت مكانه فتاة الحوذي لحظة الهجرة التي لم تكتمل.
أوّل ما يبرق في الذّهن عند سماع أو قراءة عنوان الفيلم الموسوم بحصان تورينو هو حصان طروادة كأشهر حصان في التاريخ، ومع اكتشاف تجربة الفيلم يتضح أن لا علاقة بين الحصانين إلا من حيث لذوعية اختيار عنوان حصان بيلا تار على مقاس حصان الأسطورة، ليكون عنواناً ضالعاً في الاستفزاز والإغواء.
حكاية فيلم حصان تورينو يمكن أن لا تستغرق سوى خمس دقائق أو عشراً على أبعد تقدير، إذ إن القصة تبدو جوفاء من حيث منطق الوقائع ودينامية الأحداث، فهذا النموذج هو ما يرفضه بيلا تار ويجافيه، يقول في أحد حوارته: (لا أهتم بالقصص. لم أهتم بها أبداً. كل قصة هي نفسها. حين لا يكون لدينا قصص جديدة. فإننا نعيد القصص نفسها. في الواقع لا أعتقد أننا حين نصنع فيلماً فإنّ عليك أن تفكر بالقصة. فالفيلم غير القصة. إنه في الغالب صورة وصوت والكثير من العواطف).
الأكثر من ذلك، فيلم «حصان تورينو» يؤكد تماماً الطريقة المغامرة التي يشتغل بها بيلا تار، العمل بدون سيناريو مسبق، فعلها في أغلب أفلامه ومنها فيلمه المريب «تانغو الشيطان» الذي يتعدى طوله سبع ساعات.

انزياح
تنزاح شعرية فيلم بيلا تار عن النماذج الكبرى التي اجترحها مخرجون متميزون كأندريه تاركوفسكي وإنغمار برغمان وأنجلوبولوس: (لا تستطيع أن تعرض وضعاً داكناً بألوان فرحة. ولا تستطيع أن تضفي عليه حلولاً مطمئنة. ما أقوم به هو أن أعرض الواقع وأعلق عليه من زاويته. إلى ذلك، أنا لا أرى ما يثير البهجة اليوم) يجيب بيلا تار في حوار عن علاقته بتاركوفسكي.
إنها شعرية صادمة تتماهى والحياة التي يحرص بيلا تار أن يتواطأ مع ما تحكيه هي وليس هو. فما يضطلع به الصمت المفزع في الفيلم وصفير الرياح وصرير عجلة عربة الحصان في المشهد الأول وعجلة العربة الأحادية التي كانت الفتاة تخرج بها روث الإسطبل... الخ، يجعل بلاغة الخراب في الحكاية الجوفاء أقوى من لغة الحوار المفقودة هنا.
بلاغة مؤسسة على الاقتصاد المفرط في كل شيء تقنية وشخوصاً وأحداثاً ورؤية، فضلاً عن أن الفيلم يتقصد أن يكون بالأبيض والأسود.
وخلف هذه البلاغة المحتكمة إلى جمالية الاقتصاد ثمة إيقاع خاص خفي ينجح الفيلم في ابتكاره بعمق مذهل ومفزع في آن. إنه الايقاع الغريب الذي تتحقق معه متعة الفرجة الاستثنائية. فرجة فيلم يصنع أثره الغريب خارج عروض السينما العالمية ويجترح طريقة مغامرة تتخلق عن رؤية صلبة بوعي فني راديكالي وفلسفة جمالية جذرية.
قد لا يكون الحوذي وحده الذي أصابته لعنة نيتشه، درسه بالأحرى الذي أعقبته النهاية التراجيدية: شلل اليد وامتناع الحصان عن جر العربة وجفاف البئر ولا جدوى الهجرة إلى أي مكان – بل أصابت المخرج «بيلا تار» قبله إذ اختار أن يكون فيلم «حصان تورينو» هو الخاتمة التي مهر بها رصيده السينمائي الغريب وطلّق صناعة الأفلام إلى الأبد.


إغواء العنوان
أوّل ما يبرق في الذّهن عند سماع أو قراءة عنوان الفيلم الموسوم بحصان تورينو هو حصان طروادة كأشهر حصان في التاريخ، ومع اكتشاف تجربة الفيلم يتضح أن لا علاقة بين الحصانين إلا من حيث لذوعيَّة اختيار عنوان حصان بيلا تار على مقاس حصان الأسطورة، ليكون عنواناً ضالعاً في الاستفزاز والإغواء.


الفيلم أكثر من قصّة

حكاية فيلم حصان تورينو يمكن أن لا تستغرق سوى خمس دقائق أو عشراً على أبعد تقدير، إذ إن القصة تبدو جوفاء من حيث منطق الوقائع ودينامية الأحداث، فهذا النموذج هو ما يرفضه بيلا تار ويجافيه، يقول في أحد حوارته: «لا أهتم بالقصص. لم أهتم بها أبداً. كل قصة هي نفسها. حين لا يكون لدينا قصص جديدة. فإننا نعيد القصص نفسها. في الواقع لا أعتقد بأننا حين نصنع فيلماً فإنّ عليك أن تفكر بالقصة، فالفيلم غير القصة. إنه في الغالب صورة وصوت والكثير من العواطف».


اقرأ أيضا