الاتحاد

الملحق الثقافي

غزّة البارحة واليوم!

د·محمد لطفي اليوسفي

د·محمد لطفي اليوسفي

يرسم التوحيدي في ''الإمتاع والمؤانسة'' صورة في منتهى الشناعة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في اللحظات الجلل التي تصبح فيها الأمة مهدّدة· يحدّث مثلاً عما جرى سنة 362 هـ من أهوال فيذكر أن ''الروم تهايجت على المسلمين، فسارت إلى نصيبين بجمعٍ عظيم زائدٍ على ما عُهِد على مرّ السنين·· فخاف الناس بالموصل وأخذوا في الانحدار على رُعبٍ قُذِف في قلوبهم''· ويشير إلى أن عزّ الدولة الحاكم المؤتَمَن على مصائر المسلمين لم يحرّك ساكناً· لذلك يرد خطاب التوحيدي طافحاً بالإشهاد والإدانة· يرد الإشهاد في شكل تأسٍّ على المصير الأسود الذي تلقّف الأمة يكتب مثلاً: ''وبمثل هذا فُتِحت البلاد، ومُلِكت الحصون، وأُزِيلت النّعم، وأُرِيقت الدماء، وهُتِكت المحارم، وأُبِيدت الأمُم''· ثم يتفنّن في رسم لوحات تجسّد ما عاشه الناس من هلع ورعب وانعدام حيلة· نقرأ: ''ولما اشتعلت النائرة، واشتغلت الثائرة، صاح الناس: النفيرَ النفيرَ، وإسْلاماه، وامُحمّداه، واصَوْماه، واصَلاتاه، واحَجّاه، واغَزْواه، واأسْراه، في أيدي الروم والطغاة''· أما الإدانة فترد في شكل إيماءة إلى موقف الحاكم المسلّط على الناس المُتتسلّط عليهم· يكتب معلّقاً على موقف الحاكم: ''وكان عزّ الدولة قد خرج في ذلك الأوان إلى الكوفة للصيد''· (ما أشبه اليوم بالبارحة!)·
ويذكر التوحيدي أن علماء الأمة من أمثال أبي بكر الرازي، وعلي بن عيسى، والعوامي صاحب الزبيري، وابن رباطٍ شيخ الكرخ كانوا على وعي بأن الأمة مهدّدة بما سماه ''ذهاب الحرث والنسل، وفضيحة الولد والأهل''· (ما أشبه البارحة باليوم!) ثم يلحّ على أن الناس من العامة كانوا على وعي بأن الحاكم المملّك عليهم قد خذل الأمّة· لذلك ينقل إحساسهم الفاجع باليُتم وانعدام الحيلة، وتفكيرهم في إعلان العصيان· فيذكر أنهم كانوا يقولون: ''لو كان لنا خليفةٌ أو أميرٌ أو ناظرٌ سائسٌ لم يفض الأمر إلى هذه الشناعة؛ وأن أمير المؤمنين المطيع لله إنما ولاّه ما وراء بابه ليتيّقظ في ليله، متفكراً في مصالح الرعايا··· ومنافع الدانين والقاصين وإلاّ فلا طاعَةَ''· (ما أشبه اليوم بالبارحة)·
لا يكتفي التوحيدي برسم موقف العلماء والناس من العامة بل ينقل إلينا ما جرى بين العلماء وعزّ الدولة حين احتموا به· فيرسم على لسان أبي بكر الرازي حالاً تشبه حالنا هذه الأيام· قال أبو بكر: ''الناس قد جلوا عن أوطانهم، للرعب الذي أذهلهم، وإنما هم بين أطفالٍ صغار، ونساء ضعاف، وشيوخٍ قد أخذ الزمان منهم، فهم أرضٌ لكل واطِىءٍ، ونهْبٌ لكل يدٍ؛ وشبابٌ يقفون لعدوّهم على قلة سلاحهم''· الراجح أن التوحيدي كان على يقين من أن مقولة السلطة محاطة بالدم والدياجير في الثقافة العربية· لذلك ينقل صلف هذه السلطة فيذكر أن الحاكم نهرهم قائلاً: ''تظنون أنكم مظلومون بسلطاني عليكم، وولايتي لأموركم؛ كلاّ، ولكن كما تكونون يُوَلَّى علكيم''· يقينا أن اليوم هو البارحة

اقرأ أيضا