الاتحاد

الملحق الثقافي

دوافع الرحلة غير واضحة رغم مرور 25 قرناً

اصدر المركز القومي المصري للترجمة طبعة جديدة من كتاب ''هيرودوت يتحدث عن مصر'' وترجمه إلى العربية عن اليونانية د· محمد صقر خفاجة وقدم له د· احمد بدوي· وزود الكتاب بمجموعة من الهوامش العلمية تمثل شروحاً وإيضاحات وإضافات لما قاله هيرودوت·
وهيرودوت هو ''ابو التاريخ'' وترك تسعة كتب، الثاني منها بالكامل عن مصر وازدادت قيمة الكتاب بين الدارسين بعد اكتشاف حجر رشيد عام 1800 وفك رموز اللغة الهيروغليفية·
وانقسم المؤرخون بخصوص الكتاب الى فريقين· فريق أشاد به واعتبره فتحاً في مجال الدراسات الفرعونية والمصرية القديمة، وفريق رأى أن ما ذكره عن مصر يجافي الحقيقة والوقائع التاريخية الثابتة· ويبدو أن د· احمد بدوي الذي قدم الكتاب يميل إلى الفريق الثاني، وإن لم ينكر عظمة هيرودوت وأهميته كمؤرخ تقرأ كتبه وأعماله في الشرق والغرب·

وصف مصر
كانت رحلة هيرودوت في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح، وكانت مصر يومئذ تحت الحكم او الاحتلال الفارسي، وكانت البلاد تقاوم ذلك الحكم وكان هناك عدد غير قليل من الإغريق والمستغرقين، جاء الى مصر بالباخرة وهبط الدلتا أولاً ومنها انتقل الى الصعيد حتى وصل الى ما وراء اسوان· وسهل وجود الإغريق على هيرودوت رحلته، وقدم وصفاً لمصر وللمصريين وحديثاً عنهم، وقال إان مصدره في ذلك معارفه الواسعة واحتكاكه المباشر بالمصريين وتعامله معهم، وهذا ما انكره عليه كثير من المؤرخين، فلم يكن يعرف لغة المصريين ولا كانوا يعرفون لغته وهذا يعني أنه لم يتم تواصل حقيقي، ولذا اعتمد على الإغريق الموجودين، وهؤلاء نقلوا اليه ما يعرفون ومعرفتهم محدودة·
والأهالي الذين يتم النقل عنهم عادة لا يقولون للسائح كل شيء وربما لا يقولون الحقيقة بالمرة، فقد يخفون بعض الاشياء ويبالغون في بعضها الآخر، ومن هنا جاء ما أطلق عليها أخطاء هيرودوت في رحلته، لكن هناك فريقاً آخر من المؤرخين الأوروبيين مثل ''بلوتارخ'' اليوناني، أكد أن هيرودوت كان يسطو على أعمال غيره من المؤرخين ولا يشير إليها، ومدة رحلته الى مصر لا تسمح له بتحصيل هذا القدر من المعرفة عن المصريين وعن مصر·· ولكنه بالتأكيد مارس هوايته في النقل دون أن يشير إلى مصدره·
المدافعون عن هيرودوت أكدوا أن هذه المعارف وصلت اليه بجهوده وانه سمعها من المصريين والدليل انه تجنب الحديث عن ديانة المصريين وطقوسهم الدينية، ذلك ان كهنة مصر ما كانوا يجيبون بشيء عن دينهم للغرباء، وان شكوكاً راودتهم في ذلك الزائر الغريب الذي يريد ان يعرف كل شيء عن بلدهم·
ويضم الكتاب بابين كبيرين في الاول تكمن فائدته للقارئ، خاصة الاوروبي اذ قدم فيه ما يمكن تسميته وصف مصر، فقد تحدث عن ارض مصر وطبيعتها وتكوينها وحدودها ووقف مبهوراً امام النيل وتحدث باستفاضة عن دور هذا النهر وطبيعته في تشكيل حياة مصر والمصريين وتحدث عن فيضانه السنوي وفروعه ومصباته، وعن تعامل المصريين معه، ومحاولتهم الدائمة ترويض النهر زمن الفيضان والاستفادة من مائه، وهو القائل ''ان مصر هبة النيل''· وصارت مثلاً وحكمة من بعده، يرددها الكثيرون الى اليوم، ثم انتقل الى الحديث عن عادات المصريين وعن اخلاقهم وطباعهم ومالديهم من عمائر وقصور ودور مختلفة، فضلا عن المسلات الفرعونية والآثار الضخمة، وتوقف بانبهار امام هرم خوفو وقصر التيه والقناة التي كانت تربط نهر النيل بالبحر الاحمر، وهي التي تعرف باسم قناة'' سيزوستريس''وستسمى فيما بعد قناة عمر بن الخطاب·

معلومات مغلوطة
الباب الآخر وهو باب تاريخي يتحدث فيه عن حكام مصر وعلاقتهم بالفرس وقت أن كان موجوداً ودور الإغريق في ثورتهم على الفرس، وهذا موضع المؤاخذة والملاحظة، ولا تستقيم معلومات هيرودوت مع ما بات معروفا، في الدراسات التاريخية، ولم يكن متوقعاً ولا منتظراً منه أن يلم بكل ذلك لقد ذكر أن الإغريق ساعدوا المصريين في ثورتهم على الحكم الفارسي، وهذا ما ينفيه الكثيرون تأسيسا على ان الاغريق الذين جاءوا الى مصر في ذلك الوقت كانوا من المرتزقة وكانوا يعملون في خدمة الحكام الفرس، وكانوا مشغولين بمصالحهم الخاصة فقط، ومصلحتهم كانت مع الحكام وليست مع المصريين· ويأخذ عليه د· احمد بدوي تجاهله تماما لطبيعة الادب المصري في ذلك العصر، وكان ادبا وطنيا يحمل طابع المقاومة، وهناك نصوص وجدت محفوظة في البرديات وفي بعض المعابد القديمة· كما يأخذ عليه كذلك قوله ان المصريين كانوا يكرهون ''خوفو'' لذا تجنبوا ذكره وذكراه·
وهذا ما دفع بدوي إلى القول إن هيرودوت لم تتعمق معرفته بالمصريين ولا أدرك شيئاً من روحهم، وانه تمكن من تسجيل بعض الظواهر والقشور فقط، فالثابت ان المصريين في ذلك العصر كانوا يعتزون بخوفو، وبالهرم الأكبر، لأنه كان مرتبطاً بديانتهم لكن هيرودوت لم يتعمق في ديانة المصريين·
ويأخذ عليه بدوي كذلك انه لم يذكر شيئا عن الهكسوس ومقاومة المصريين لهم والانتصار عليهم، ويرى أن ذلك يدعو القارئ إلى التشكك علمياً فيما رواه في هذا الجانب·
ويطرح المؤرخون تساؤلاً حول دوافع هيرودوت للقيام برحلته الى مصر ذلك التوقيت··! ويذهب محبوه الى ان الرجل كان لديه ولع بالرحلات فقد سبق له ان قام برحلة الى آسيا، والى اوروبا كلها· ولذا ليس غريبا ان يأتي الى مصر بلد الحضارة في الشرق، وهناك بعد آخر وهو ان الشعب الاغريقي عموما لديه ولع بالمعرفة واكتشاف الاخرين· لكن هناك رأيا ثالثا يميل اليه بدوي وهو ان هيرودوت جاء الى رحلته بنوع ما يسمى في عصرنا الجاسوسية· فقد اراد ان ينقل كل شيء عن مصر، لانه كان هناك تطلع اغريقي الى غزوها واحتلالها، فقد كانت مصر موضع اهتمام إغريقي·
وإذا سرنا مع اتجاه المؤامرة اخذنا بذلك الفهم خاصة أن حملة نابليون بونابرت على مصر سبقتها عدة رحلات من هذا النوع قدمت وصفاً دقيقاً للطبيعة وللمنشآت المصرية واعتمد عليها نابليون فعلا، خاصة ما كتبه الرحالة الفرنسيون عن القلاع والحصون المصرية ولم يحدث هذا بالنسبة لمصر فقط بل وقع في الدول العربية التي خضعت للاستعمار، حيث اهتم الرحالة الانجليز في القرن التاسع عشر بالعراق وفلسطين واهتم الفرنسيون ببلاد الشام وشمال افريقيا·
واذا استبعدنا نظرية المؤامرة فإن هيرودوت لم يكن وحده من الإغريق الذين جاءوا إلى مصر حيث جاءها الفيلسوف ''طاليس'' رائد الفلسفة الطبيعية في اليونان وعن نهر النيل أخذ نظريته في أصل الكون وجاءها فيثاغورس وتأمل الهرم الأكبر ومن خلاله توصل إلى نظريته الهندسية

اقرأ أيضا