الاتحاد

الملحق الثقافي

التيار الأميركي المحافظ المغادر: هذه وصيتي

انشغل مفكرو التيار اليميني المحافظ، الذي حكم التوجهات الاستراتيجية الأميركية طيلة فترتي حكم الرئيس جورج بوش، خلال العام الأخير بمحاولة تجذير أطروحاتهم النظرية في التفكير السياسي الأميركي بعد بوش· وصدرت في هذا الإطار سلسلة من الكتب تناقش نجاحات وإخفاقات التيار المحافظ المعروف اصطلاحاً باليمين المحافظ الجديد Neo-Conservative، والذي يلتقي مع التيار الديني المعروف اصطلاحاً باليمين المسيحي الجديد New Christian Right· ومن بين تلك المناقشات كتاب جورج ويل George F. Will الذي حمل عنوان ''رجل أميركا الواحد: متع واستفزازات أمتنا المتفردة''
One Man's America: The Pleasures and Provocations of Our Singular Nation
يُعتبر هذا الكتاب بمثابة جهد تنظيري يحاول من خلاله جورج ويل التأكيد على أن التيار المحافظ يتسم بالانقسام بين تيارين رئيسيين: التيار الأول هو التيار المحافظ التقليدي الذي ينتمي إليه ''ويل''، أما الثاني فهو التيار المحافظ الجديد والتيار الليبرالي داخل الولايات المتحدة· ويرى ''ويل'' في كتابه أن الخلافات الفكرية بينهما ليست في سبيلها للتقلص، ومن ثم حاول أن يرسم الخريطة الفكرية لأنصار التيار الأول (المحافظ التقليدي)، بالإضافة إلى انتقاد الركائز الفكرية والسياسية لأنصار التيار الثاني (المحافظ الجديد)، ربما سعياً من جانبه لإعادة المنظور المحافظ التقليدي للساحة السياسية من جديد·
عودة قبل المغادرة
بداية يمكن القول إن جورج ويل يُعد من أبرز أقطاب التيار المحافظ التقليدي على المستوى الفكري بعد وفاة ويليام باكلي، إذ ظل على مدار ما يقرب من 35 عاماً مدافعاً بقوة عن الفكر المحافظ انطلاقاً من رؤية فكرية حول ضمير المواطن الأميركي، وفي هذا الإطار يفرق ''ويل'' في ثنايا كتابه بين معسكرين في إطار التيار المحافظ أحدهما يضم المحافظين التقليديين ''الأعضاء المؤسسين'' للتيار المحافظ الذين ينظرون شذراً لسياسات الرئيس جورج دبليو بوش انطلاقاً من إيمانهم بالنهج الواقعي في السياسات أكثر من المعتقدات ذات الطابع الديني حول الإلهام والوحي الإلهي، وعلى النقيض يرى أنصار التيار المحافظ الجديد والمدونون أن الرئيس بوش هو بمثابة وينستون تشرشل جديد قاد الولايات المتحدة خلال الحرب·
يستهل ''ويل'' كتابه بتجميع تحليلي للآراء المنتقدة لسياسة إدارتي الرئيس جورج بوش على المستوي الخارجي، والتي تعود جذورها إلى أعمدة صحفية نُشرت عام 2004 انتقدت الحرب الأميركية على العراق (مارس 2003) باعتبارها أسوأ كارثة على مستوى السياسة الخارجية في تاريخ الأمة الأميركية، وعلى الجانب الآخر تضافر كتاب وصحفيون على دعم الحرب الأميركية على العراق، مؤكدين على النجاح الذي تحققه·
هيكلة مؤسسة الرئاسة
لم تكن الانتقادات التي أوردها ويل في كتابه مجرد اختلاف في الرؤى مع الإدارة الأميركية الحالية، وإنما جاءت لتُعبر عن إدراك المحافظين التقليديين لدور مؤسسة الرئاسة الأميركية فمنذ فضيحة وترجيت إبان فترة رئاسة الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون، اتجه ويل لانتقاد تعاظم دور مؤسسة الرئاسة الأميركية خلال الحرب الباردة، مؤكداً أن وجود الدستور الأميركي الذي يضع حدوداً مرنة تفصل بين أدوار مؤسسات النظام السياسي الأميركي، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن طغيان مؤسسة الرئاسة على شؤون السياسة الخارجية لم يعد مواتياً للتطور على الصعيدين الداخلي والدولي وذلك لأن طغيان دور الرئيس على أدوار المؤسسات الأخرى يفتح الباب على مصراعيه لسياسات تخفق في تحقيق أهدافها·
ويؤكد الكاتب أن الإعلاء من دور الوسائل العسكرية قد أضحى ركيزة أساسية للسياسات التي يطرحها الحزب الجمهوري الذي يُعد الوعاء المؤسسي الرئيسي لأنصار التيار المحافظ على اختلاف توجهاتهم وذلك باعتبارها وصفة سياسية فعالة لإخراج الولايات المتحدة من المحن التي تنتابها من آن لآخر، وهو المبدأ الذي تعود جذوره الأولى للرئيس تيودور روزفلت الذي انتقد افتقاد الأميركيين آنذاك للرغبة في تكوين إمبراطورية مؤكداً أنه لا يعتقد بوجود ضرر ما من تركز القوة بين يدي رجل واحد· واستمراراً لدفاع ويل عن حكومة تُمارس الحدود الدنيا من التدخل في حياة المواطن، أشار إلى أن أفكار وليام كريستول محرر جريدة ''ويكلي استاندارد'' المعبرة عن الخط الفكري للمحافظين حول عظمة الأمة الأميركية من منظور جماعي يقوم على مفاهيم قد تبدو للوهلة الأولى متعارضة مع الحرية الفردية وقيم الحكومة المحدودة في نطاق نشاطها على الصعيد الداخلي·
بيد أن تبني رؤى مغايرة في هذا الصدد حول المفهوم ذاته يمكن أن تحدث الاتساق المطلوب بين الغايتين وخاصة رؤية الرئيس ريجان التي أكد فيها على انطواء مفهوم العظمة الأميركية على مبدأين أحدهما ينحو تجاه التركيز على تعبئة المواطنين حول القضايا والثوابت المشتركة، أما المبدأ الآخر فيركز على أن مضمون عظمة الأمة الأميركية يُشير ضمناً إلي عظمة المواطنين الأميركيين، واعتبارهم أبطالاً بالفطرة، ومن ثم يجب أن يشعروا بالحرية التي يستحقونها دون قيود·
ضمانات الحفاظ على الأوضاع التي تكفل استمرار الأمة الأميركية في أوج ازدهارها تتمثل من وجهة نظر ''ويل'' ليس في إعادة اكتشاف الروح الإنسانية داخل المواطن الأميركي وفق أطروحات الليبراليين، وإنما في التركيز على انعكاسات علاقات القوة علي بنية المجتمع الأميركي كاستمرار للنهج الواقعي الذي يفضله الكاتب ويدافع عنه، ومن ثم يُؤكد ضرورة عودة الرأسمالية في صورتها التقليدية كإطار اقتصادي يوجه السياسات الأميركية ويحدد خطوطها العريضة·
ويُدافع الكاتب بقوة عن الرأسمالية منتقداً أنصار الحفاظ على البيئة الداعين لتقييد الأنشطة الإنتاجية واستهلاك مصادر الطاقة غير المتجددة انطلاقاً من إغفالهم الاعتبارات الواقعية والمصالح الكامنة خلف نمو الإنتاج الصناعي، نافياً أي تعارض بين التمسك الصارم بالتقاليد الأميركية ورفض الدعوات الراديكالية للتغيير الثقافي من جانب ودعم الرأسمالية وسياسات السوق الحر من جانب آخر وذلك للعلاقات البينية التي تسمح بالتكامل بينهما ليسهما معا في استمرار الأمة الأميركية المتفردة كياناً واحداً لا ينفصم

اقرأ أيضا