الاتحاد

عربي ودولي

«أميركان ميديا إنستيتيوت»: قطر وراء محاولات إفشال الجهود الإماراتية لإرساء السلام في الصومال

دينا محمود (لندن)

حذر المحلل السياسي الأميركي المرموق ريتشارد مينيتر من مغبة استمرار العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة ودولٍ مثل قطر، قائلاً إن حدوث ذلك من شأنه جعل أميركا تُـمنى بالهزيمة في حربها ضد الإرهاب، بل ويفسح المجال أمام تعرض أراضيها لهجماتٍ يشنها متطرفون، كما كانت الحال عليه قبل حدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية التي ضربت نيويورك وواشنطن وأوقعت أكثر من ثلاثة آلاف قتيل.
وفي مقالٍ تحليليٍ مطول نشره الموقع الإخباري التابع لمنظمة «أميركان ميديا إنستيتيوت» الإعلامية غير الهادفة للربح، أكد مينيتر أن من شأن السياسات الطائشة التي ينتهجها النظام القطري -المنبوذ خليجياً وعربياً وإقليمياً- تخريب الجهود الأميركية لمحاربة التنظيمات الإرهابية في القارة الأفريقية، وشدد على أن الدوحة وراء المواقف الأخيرة التي اتخذتها حكومة مقديشو، وحدت بدولة الإمارات إلى اتخاذ قرارٍ بإنهاء مهمة قواتها التدريبية في الصومال.
وتحت عنوان «قطر تقوض الحرب الأميركية ضد الإرهاب في أفريقيا»، قال المحلل البارز -الذي سبق له العمل في صحفٍ ذات ثقلٍ مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»- إن الدويلة المعزولة «التي تستضيف قاعدةً عسكريةً للولايات المتحدة تضرب منها الطائرات الأميركية والطائرات من دون طيار أهدافاً للإرهابيين في أفغانستان والعراق وسوريا، هي نفسها التي تدعم الكثير من المتطرفين الذين تقصفهم أميركا».
وأشار مينيتر -الذي يعمل كذلك صحفياً استقصائياً- إلى أن «نظام الحمدين» يفاخر بـ«ضخ نحو مليار دولارٍ على مدار العقد الماضي لحركة حماس الفلسطينية المُصنفة تنظيماً إرهابياً من جانب إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة»، قائلاً إن قطر تأوي كذلك «أعضاءً وقادةً رئيسين في جماعة الإخوان» الإرهابيين التي يصفها بأنها تشكل «المنظمة البوابة لكل التنظيمات العنيفة الإرهابية المتشددة الموجودة في العالم الآن».
واستعرض المحلل السياسي الأميركي العلاقات التي نسجها النظام القطري مع رموز الإرهاب في مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم خالد شيخ محمد، العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، مُشيراً إلى أن الدوحة سبق أن قدمت لهذا الإرهابي في عام 1996 «وظيفةً حكوميةً، لم يكن مُطالباً منه فيها القيام بأي عمل أو أداء أي واجبات». وأبرز المقال التحليلي أن خالد شيخ محمد كان عضواً في الجناح الشبابي للإخوان الإرهابيين في الكويت خلال ثمانينيات القرن الماضي، قائلاً إن العلاقة التي ربطت بينه وبين الدويلة المعزولة ليست سوى نموذجٍ من الكثير من النماذج المماثلة، وهو ما حدا بـ«مينيتر» للقول إنه في ظل هذا الوضع ليس من الغريب أن يدعو الجنرال الأميركي المتقاعد تشارلز إف. وولد -الذي افتتح قاعدة «العديد» الأميركية المُقامة في قطر- علناً في الوقت الراهن إلى إغلاق أبوابها.
وألقى المحلل السياسي الأميركي المخضرم الضوء على الفرق الشاسع بين السياسات الرعناء التي تتبناها دولةٌ منبوذةٌ مثل قطر، والتوجهات الحكيمة التي تتسم بها السياسات الداخلية والخارجية لدولة كالإمارات، التي قال إنها «ثريةٌ مثل قطر ولكنها مختلفةٌ عنها تماماً على صعيد علاقتها مع الولايات المتحدة»، واصفاً الدولة بأنها «حليفٌ شجاعٌ وراسخ الإيمان في الحرب على الإرهاب»، إذ لم يغفل هنا الحظر الذي تفرضه السلطات في الإمارات على جماعة «الإخوان» الإرهابيين.
وأبرز الكاتب في هذا السياق الإجراءات العقابية الصارمة المفروضة على الدوحة منذ أكثر من عشرة شهور من جانب الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين)، والتي تشمل قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية معها، وإغلاق المنافذ البرية والجوية والبحرية كذلك. وأشار إلى أن «الجمود الدبلوماسي» تفاقم منذ اتخاذ تلك التدابير وحتى الآن، لاسيما في ظل المكابرة والعناد القطرييْـن اللذين أديا بالنظام الحاكم في الدوحة إلى «تعزيز صلاته الدبلوماسية والتجارية مع إيران»، التي يصفها المقال بأنها «أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم».
وأفرد المحلل السياسي الأميركي مساحةً واسعةً من مقاله لفضح السياسات المشبوهة التي تنتهجها القيادة القطرية حيال منطقة القرن الأفريقي، ومحاولاتها الدائبة لحرمان الشعوب الفقيرة في هذه المنطقة من المساعدات الإماراتية السخية والدعم القوي الذي تقدمه الدولة لهم، لانتشالهم من هوة الفقر والحرمان، ولدعم حكومات بلدانهم في الحرب ضد التنظيمات الإرهابية المنتشرة هناك.
لكن السياسات التخريبية القطرية بدت أكثر وضوحاً، عندما استعرض الكاتب الأميركي ما تقوم به الدوحة في الصومال، الذي يصفه بأن حالته «أكثر دراماتيكية»، مُشيراً إلى أن هذا البلد الواقع على سواحل البحر الأحمر عالقٌ في «مواجهة مميتة مع حركة الشباب المنبثقة من تنظيم القاعدة» الإرهابي.
ويستعرض المقال الجهود الناجحة التي بذلتها دولة الإمارات على مدار سنواتٍ طويلة لإرساء السلام في الصومال، والتي تتضمن توفير مدربين لقوات الشرطة وقوات مكافحة الإرهاب الصومالية، وتقديم الأسلحة والتجهيزات والتمويل اللازم لهذه القوات، ووصف المقال هذه الجهود بأنها «هائلة وآتت أُكلها»، مُشيراً إلى أن القوات الصومالية -التي حظيت بتدريب إماراتي، وكذلك دعمٍ من القوات الخاصة الأميركية والبريطانية- تمكنت من دحر فلول «القاعدة» في عام 2014. كما أبرز الكاتب الأميركي حقيقة أن الجهود الإماراتية لمواجهة الإرهاب والتطرف في الصومال، لم تقتصر على الدعم الأمني واللوجيستي فحسب، وإنما استهدفت كذلك «تجفيف منابع تأييد» الجماعات المتشددة والإرهابية، عبر ما قامت به الدولة من تشييد مدارس ومستشفيات ودور أيتام، بجانب ضخ مساعدات إنمائية فاقت قيمتها 277 مليون دولار أميركي في الفترة ما بين عاميْ 1993 و2016، عبر هيئة الهلال الأحمر الإماراتية في الأساس.
وسلط المقال الضوء أيضاً على السخاء الذي أبداه المواطنون الإماراتيون عبر حملة «من أجلك يا صومال»، التي شهدتها الدولة العام الماضي، وجُمِعت خلالها تبرعاتٌ تُقدر بـ165 مليون دولار، وهو ما يعني كما يقول الكاتب إن «التبرعات والهبات التي قُدِمت من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الصومال شارفت على نصف مليار دولار».
وأشار الكاتب الأميركي كذلك إلى الجهود التي بذلتها قطر لعرقلة مشروعٍ تنمويٍ تقوده الإمارات في بربرة، ويتمثل في إنشاء ميناء على أحدث طرازٍ هناك، تديره شركة موانئ دبي العالمية في منطقة اقتصادية حرة جديدة. وأشاد مينيتر بمزايا هذا المشروع، الذي قال إنه كان يستهدف إقامة مركز إقليمي يتم عبره نقل المواد الخام من المناطق البعيدة عن السواحل في أفريقيا، إلى العالم الخارجي بتكاليف منخفضة، وكذلك تقليص تكاليف استيراد أجهزة الكمبيوتر، وتجهيزات المزارع، وغير ذلك من الآلات اللازمة لتحديث وتطوير اقتصاديات الدول الواقعة في شرق أفريقيا.
وأكد المقال أن الحكومة الصومالية سعت بتحريضٍ من قطر إلى عرقلة هذا المشروع، وعدم الاعتراف بالاتفاقية الموقعة بشأنه. وأشار إلى أن مثل هذه الجهود المُخربة تشكل «أمراً مُبالغاً فيه بالنسبة (لمشروعات تستهدف) إنقاذ الأفارقة من براثن الفقر ومخالب (تنظيم) القاعدة».
واتهم ريتشارد مينيتر الرئيس الصومالي بانتهاك القانون الدولي بوضوحٍ مؤخراً، بعدما أوقفت أجهزته الأمنية طائرةً إماراتيةً في الثامن من الشهر الجاري في مطار مقديشو، وعلى متنها مدربون إماراتيون كانوا قادمين لمساعدة قوات الأمن الصومالية على محاربة الإرهاب. كما أشار المحلل الأميركي إلى الفعل المشين الذي أقدمت عليه السلطات في مقديشو عندما استولت على أموالٍ كانت مُرسلة على متن الطائرة نفسها، لدفع رواتب جنود صوماليين ومدربيهم، وكذلك لمساعدة عائلات فقيرة، فضلاً عن سداد رواتب أطباء مستشفى الشيخ زايد في العاصمة الصومالية.
ولفت المقال الانتباه في هذا السياق إلى أن دولة الإمارات ظلت تتحمل رواتب 2407 جنود صوماليين، وتدير ثلاثة مراكز تدريب لقوات مكافحة الإرهاب في هذا البلد الفقير لسنواتٍ طويلة. كما أبرز قيام الدولة بتمويل وتدريب قوتي مكافحة الإرهاب والقرصنة في إقليم «أرض البُنط» الصومالي شبه المستقل.
وحذر الكاتب من أن توقف الجهود الإماراتية الدؤوبة في هذا المجال -بتحريضٍ قطري- قد تكون له «عواقب خطيرة بالنسبة لأميركا»، مُشيراً بشكلٍ ضمني إلى أن ذلك سيجعل كفة الإرهابيين هي الأعلى في الصومال. وأضاف أن مثل هذا الأمر سيدفع الكثير من «الإرهابيين الصوماليين حاملي الجنسيات الغربية إلى العودة إلى وطنهم، بمجرد تحقيق (التنظيمات الإرهابية هناك) أي شيء يكون قريباً من النصر» بالنسبة لهم. وفي النهاية، وجه المقال التحليلي المطول تحذيراً ضمنياً لقطر من أن الموقف الأميركي غير الحازم بما يكفي حيالها في الوقت الراهن لن يستمر طويلاً، قائلاً إن المستشار الجديد للأمن القومي الأميركي جون بولتون «يلقي نظرةً فاحصةً» على هذا الموقف. وأكد أن بولتون سيدرك تماماً «تكلفة التراخي» إزاء الدوحة، إذا فحص البرقيات الواردة لوزارة الخارجية الأميركية من الصومال، في إشارة مبطنة إلى ما تُظهره هذه البرقيات من نشاطٍ تخريبيٍ للدوحة على الساحة الصومالية بتواطؤ على الأرجح من حكومة مقديشو. وخلص ريتشارد مينيتر للتشديد على أنه مع دخول شخصياتٍ ذات توجهات حازمة إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مثل بولتون، وكذلك وزير الخارجية المعين مايك بومبيو «قد لا يستمر الوضع الحالي (المتعلق بموقف الإدارة غير الحاسم من قطر) طويلاً»، مؤكداً أن عدم تبني الإدارة الأميركية توجهاتٍ واضحةً من الأزمة القطرية «قد يبرهن على أنه أمرٌ مكلف» بالنسبة للولايات المتحدة.

اقرأ أيضا

الجيش الوطني الليبي يُنفذ عمليات نوعية ضد الإرهابيين في طرابلس