الاتحاد

دنيا

ثور وبارود وأشياء أخرى

(1)
عطا هو الطفل الأذكى في المدرسة، تحديداً أشطر من أخيه عطية. لهذا السبب كان عطا يتعرض لوابل من مقالب عطية، ربما بدافع الغيرة والشقاوة معاً.
الآباء أميون، وقد جلسوا خلال التعليلة يتسلّون على مناكفات عطية، الذي ادعى أن أخاه عطا لا يجيد القراءة أصلاً، ولإثبات ذلك جلب ورقة وكتب عليها كلمة: «بقولها» وتعني بالعربية الفصحى (سوف أقولها)، وناولها لأخيه عطا ليقرأها.
تناول عطا الورقة، وعرف الكلمة ببساطة وقرأها بصوت عال:
- بقولها
فقال له الحاضرون:
- قلها إذن
فقال:
- بقولها
واستمر حوار الطرشان، عطا يقول الكلمة المكتوبة «بقولها» والموجودون يطلبون منه أن يقولها.
ولتثبيت وجهة نظره أكثر كتب عطية كلمة أخرى على الورقة، وهي كلمة «بعرفها» وتعني «إنني أعرفها»، وناولها لشقيقه ليقرأها. فقال عطية:
- بعرفها
- إذا كنت تعرفها فاقرأها
- بعرفها
- اقرأها إذن.
وهكذا تبين للموجودين في التعليلة أن عطية أشطر وأذكى من عطا، واتفقوا على تسليمه منصب مختار الحارة عندما يكبر.
(2)
كان الثور حروناً، أو ربما كان كسولاً، أو ربما كان الثور يعاني من مشاكل في الغدة الدرقية تؤدي إلى التباطؤ الوظيفي (التباطؤ الوظيفي ؟؟؟؟..... لا أعرف من أين جاءت هذه العبارة)، لذلك حينما كان شعبان يربط ثوره في السكة لغايات الحراثة، كان الثور المحـترم يقــف متجمداً بلا حركة، ويدعي شعبان أن ثوره لم يكن يرمش أيضاً في تلك الحالة.
في تلك الحالة؟؟ أي حالة، هذا هو الوضع الدائم لثور شعبان، في السراء والضراء، في الليل والنهار، صيفاً وشتاء وربيعاً وخريفاً، حتى لا نتهم بالتحامل، فقد كان الثور يبدي بعض التساهل في الحركة خلال الكثير من الأوقات في السنة، كان يأكل ويمرح ويتقافز مثل السعدان، لكنه كان يتجمد تماماً عند بدء موسم الحراثة، ويتحول إلى تمثال حجري سيئ الصنع.
وكل ما يريده شعبان خلال العام هو أن يربط الفدان (البغل المحترم) على السكة للحراثة وتجهيز الأرض للزراعة، في مواسم الحراثة، حاول شعبان الانفتاح على العالم، وسمع أن الأبقار الهولندية تدر الحليب على أنغام موسيقى باخ وأمثاله، فاكترى مسجل (كف) وقام بتشغيل شريط موسيقى، لعل الثور يتحرك للحراثة.
وضع أغنية (هالسيارة مش عم تمشي) لفيروز، فلم يمش الثور، وضع شريط أغنية (منتصب القامة أمشي) لمرسيل خليفة، فلم ينتصب، وضع أغنية (بكرة بيرجع يوقف معكن) لعل الثور يسير بالفدان على أمل الوقوف، لكنه لم يمش، حتى إنه أحضر شريطاً روسياً لأغنية (كاتيوشا) التي كانت تسير على كلماتها وأنغامها كامل فيالق الجيش الأحمر السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية، لكن البغل استاء من الصوت وأبدى تذمراً بحركة أذنيه. انتهت البطاريات في المسجل، والثور على وقفته.
أحضر شعبان ملح بارود، ووضعه في أذن الثور، وأشعله.... خرج الشرر أولاً، ثم اللهب مع صوت (تشششششششششششششششششش)، ورائحة شواء جلد وشعر.
نظرة عتاب نظرها الثور إلى صديقه الذي يسميه «شعب» بدل شعبان، ربما على سبيل الكسل، ثم حرك أذنيه ذات اليمين وذات اليسار
ثم ذات اليسار وذات اليمين
ثم ذات اليسار وذات اليسار
لكن دون أن يتحرك من مكانه.
يقال بأن شعبان قرر بعد حادثة البارود أن يبيع الثور، ويقال أيضاً، إن شعبان لا يزال حتى الآن يعرض ثوره في سوق الحلال الدولي.


ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا