الاتحاد

الملحق الثقافي

الإمارات وموقعها من طرق التجارة العالمية في العصور القديمة

أحد المواقع الأثرية في جزيرة أم النار

أحد المواقع الأثرية في جزيرة أم النار

كان المجتمع الذي نشأ في دولة الإمارات العربية المتحدة في منتصف الألف الثالث ق· م· والذي بقي حتى القرون الاولى من الألف الثاني ق· م· عالي التطور والتعقيد· بينما كان لديه عدد من مزايا معاصريه العظماء مثل: الثقافة النهرية لمصر وبلاد ما بين النهرين، والمجتمع راقي البنية، والأبنية العامة التذكارية، وصلات بعيدة المدى، وحقول مدافن ثرية واسعة· فقد كان متميزاً في الكثير من صفاته· وكان لهذا الأمر سببان رئيسيان هما: طبيعة المجتمع التجارية بصفة خاصة، وحقيقة كونه مبنياً على البحر مع اعتماد كبير على الجزر كمراكز سكنى ونشاط رئيسي له·








؟ لعبت حضارة ماجان دورا ريادياً في التجارة العالمية بداية من الألف الثالثة وحتى الألف الأول ق· م· بحسب ما تؤكده قوائم الصادرات والواردات في النصوص المسمارية

؟ جــرار التخزيـن الكمثريــة الشكل التي عثر عليها في مقابر جزيرة أم النار كانت تستخدم لحفظ الزيت المستورد من بلاد النهرين














محمد عبدالله بحري ü

اذ القينا نظرة على سجل الحضارات القديمة، لوجدنا مجتمعاتها قد اعتمدت على الزراعة في رخائها وتطوير نظامها الاجتماعي· وعلى النقيض من ذلك فلم يكن الحال على هذا المنوال بالنسبة لدولة الإمارات، التي كانت تدرج قديما ضمن الإطار الجغرافي والزمني لحضارة ''ماجان''، ولذلك يمكننا القول بإن البحر كان يشكل المقوم الإقتصادي الاول للإمارات· فقد كانت الزراعة على الرغم من معرفة اساليبها وممارستها، ذات أهمية قليلة، اذ أن تقلبات المناخ لم تسهم بشكل مؤثر في تطويرها·
حضارة ماجان
ومما لايدع مجالا من الشك أن المكانة التجارية للخليج العربي، قد تمثلت في حضارة ''ماجان'' ـ جنوب شرق شبه الجزيرة العربية وتشغلها اليوم دولة الإمارات وسلطنة عمان ـ ذات الموقع الجغرافي والاستراتيجي على الخليج العربي من جهة، وخليج عمان من جهة أخرى، في البؤرة المركزية لمعظم الحضارات القديمة في العالم ممثلة بحضارة ما بين النهرين، وحضارة ''دلمون'' ـ ''البحرين'' والمنطقة الشرقية للملكة العربية السعودية ـ ووادي ''الأندوس'' والحضارة ''الساسانية'' الفارسية· ولذلك تشكل لحضارة ''ماجان'' دورا ريادياً في التجارة العالمية· ونحن نلمس مثل هذا الدور بما ورد في النصوص المسمارية بداية من الالف الثالثة وحتى الألف الأول ق· م· وأيضا بما احتوته هذه النصوص من قوائم للصادرات والواردات من ''ماجان'' وإليها·
أشارت النصوص المسمارية إلى تجارة ''ماجان'' كممول ومصدر رئيسي لبعض السلع مثل النحاس والمواد النحاسية، والقصب والخشب والصناعات الخشبية، والحجر والأحجار نصف الكريمة، وأدوات الزينة، وغير ذلك من السلع· أيضا نستدل من النصوص المسمارية أن ''ماجان'' كانت تمارس النشاط التجاري بشكل مباشر مع بلاد الرافدين خلال الحقبة الأخيرة من الألف الثالث ق· م· ومن الجدير بالذكر أن سفن ''ماجان'' قد لعبت دورا هاما في نقل البضائع والمواد التجارية من وإلى بلاد النهرين·
ومن الجدير بالملاحظة أن بدايات الاتصال بين ''ماجان'' وبلاد النهرين تضرب في جذورها إلى الألف الخامس ق· م· ولعل ما يؤكد مثل هذا الامر، العثور على فخاريات ''العبيد'' ـ إحدى المراحل الحضارية لجنوب بلاد النهرين ـ في العديد من المواقع الأثرية داخل دولة الامارات العربية في جزيرة ''دلما'' و''الشارقة'' و''أم القيوين'' و''رأس الخيمة''· كذلك عثر في مقابر ''جبل حفيت'' على أنواع لجرار فخارية من عصر ''جمدة نصر''، في حدود الألف الثالث ق· م·
التصدير والاستيراد
ارتكزت طبيعة المعاملات التجارية بين ''ماجان'' و''بلاد النهرين'' بشكل رئيسي على المقايضة· فقد استبدلت ''ماجان'' بالنحاس مواداً أخرى مثل الشعير وزيت السمسم، والجلود والاصواف وغير ذلك من السلع· ومن الجدير بالذكر أن جرار التخزين الكمثرية الشكل التي عثر عليها في مقابر جزيرة ''أم النار'' ـ والتي تعود بتاريخها للالف الثالث ق· م· ـ والتي كانت تستخدم لحفظ الزيت المستورد من بلاد النهرين، تؤكد على كون ''أم النار'' أحد أهم المراكز الحضارية التي ساهمت وبشكل ملحوظ في آلية التجارة الفعلية لحضارات الشرق الادنى القديم·
وبالإضافة لبلاد النهرين، تواصلت علاقات ''ماجان'' التجارية والثقافية مع العديد من المراكز الحضارية المجاورة في فارس: ''تبة يحيى'' و''بامبور'' و''شاري'' وغيرها· ونتج من هذه الاتصالات وجود قواسم مشتركة فنية وصناعية، تمثلت بشكل واضح في فخاريات ''بامبور'' الرمادية اللون، والتي وجدت في العديد من المواقع الحضارية بدولة الإمارات مثل ''الهيلي'' و'' أم النار''· وعلى ما يبدو فقد كان الطريق البري عبر واحة ''البريمي'' أهمية كبيرة في التواصل التجاري والحضاري بين هذه المنطقة وبقية اقسام الخليج العربي·
أدى طريق التجارة البرية لشبه الجزيرة العمانية والإمارات خاصة في الألف الثالث ق· م· دورا نشطا في مجالات التبادل التجاري والتعامل الإقتصادي بين العديد من المناطق، إذ كانت تلك الطرق التجارية بمثابة شرايين تجري فيها الثروة كما تجري فيها أيضا الثقافة· وكانت المدن والمراكز تنشأ حيث تتيسر موارد المياه، وفيها يقوم المشتغلون بالتجارة جنبا إلى جنب مع المشتغلين بزراعة الأراضي، هذا بجانب بعض البدو المتفرقين في أنحاء شبه الجزيرة العمانية حيث تطيب لهم الإقامة والمرعى·
وحقيقة الأمر أنه لم تكن الطرق البرية في العصور القديمة بالأمر اليسير، وإنما كانت شاقة وصعبة نظراً لمرورها في بعض الأحيان بصحارى قاحلة تكثر بها عوائق طبيعية لم يستطع الانسان قديما تذليلها·
وعلى أية حال، هناك أدلة أثرية تؤكد استخدام الطريق البري للقوافل، ولاسيما الطريق الذي كان يربط ميناء ''صحار'' على ساحل خليج عمان، بميناء ''جلفار'' (رأس الخيمة)، على ساحل الخليج العربي ضمن حدود دولة الإمارات، ويمتد هذا الطريق جنوبا إلى منطقة ''توام'' التي تعرف في الوقت الحاضر بواحة (البريمي)· و''توام'' يذكر عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان، أنها كانت عاصمة الساحل الغربي لشبه جزيرة عمان ـ وهي مدينة ''العين'' حاليا ـ ويمر فيها طريق يذهب إلى شمال شبه الجزيرة العربية·

باحث في تاريخ وحضارة الجزيرة العربية

اقرأ أيضا