الاتحاد

الملحق الثقافي

ماذا بعد وصول تراثنا إلى العالمية؟

بعد نجاح الدولة في إدراج سبعة عناصر من تراثنا الوطني على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية والتي تعتمدها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو»، أصبح لزاماً على المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية والأفراد المهتمين والمتخصصين في التراث أن يترجموا هذا النجاح إلى واقع عملي، من خلال تحمل مسؤولياتهم تجاه توثيق وحفظ هذه العناصر وتطويرها ونقلها إلى الأجيال القادمة، خاصة أن الإدراج على القائمة يخضع لمتابعة دورية من قبل المنظمة.

حتى نهاية عام 2015 أدرج 336 عنصراً على القائمة التي تحظى باهتمام دولي بالغ، حيث تعد اعترافاً دولياً بذاكرة وخبرات الشعوب بمختلف أشكالها. وتلتزم الدول التي يتم تسجيل تراثها في القائمة بتطبيق تدابير لصون هذا العنصر وحمايته من الاندثار والعمل على الترويج له على النطاق المحلي والدولي لجعله حياً في يوميات الناس.

والقائمة هي إحدى آليات تنفيذ اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي التي أقرها المؤتمر العام لليونسكو عام 2003 والتي دخلت حيز النفاذ عام 2006، وهي إحدى سبع اتفاقيات أقرتها يونسكو في مجال الثقافة بهدف صون التراث الثقافي غير المادي، واحترام تراث الجماعات والمجموعات والأفراد المعنيين والتوعية بأهمية هذا التراث وتقديره وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال.
ما هي التزامات دولة الإمارات تجاه الاتفاقية؟ وكيف تراقب اليونسكو خطط تفعيل التراث وإبقائه حياً؟ وكيف تعمل الجهات المعنية على إبقاء هذه العناصر حية في خضم أسلوب الحياة العصري والتكنولوجيا الطاغية؟ كيف يتم التنسيق بين المؤسسات التراثية والجمعيات الأهلية لوضع خطط صون التراث؟ كيف يمكن تمرير خبرات الآباء والأجداد إلى الجيل الجديد؟ وما دور المجتمع المحلي في الإبقاء على هذا التراث حياً والعمل على توثيقه وحفظه وتطويره؟ كيف يتم التخطيط للمهرجانات التراثية المتعددة بحيث تكون منصات لممارسة التراث وتفعيل رسائله الحضارية؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على الأطراف المعنية وكانت هذه الإجابات.
التزامات
كانت البداية مع هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة التي لعبت دوراً محورياً في تسجيل عناصر التراث الوطني في القائمة، بالتعاون مع جهات حكومية وأهلية متعددة، حيث التقينا الدكتور ناصر علي الحميري، مدير إدارة التراث المعنوي في الهيئة الذي قال: «إن تسجيل دولة الإمارات العربيّة المتحدة لسبعة عناصر من تراثها الوطني في منظمة اليونسكو، سواء من خلال ملفات وطنيّة مفردة، أو ملفات دوليّة مشتركة، يشكل التزاماً من قبل الهيئات، والمؤسسات، والجمعيات، والأنديّة، والأفراد، والمجتمع، وكل المهتمين والمتخصصين والممارسين للتراث، بالمحافظة على العنصر التراثي، واستدامة ممارسته، والعمل على تطويره، وفق ما تنص عليه اتفاقيّة صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003».
ويضيف د. الحميري: «تجلى اهتمام الدولة بتراثنا الوطني، والتزامها بالتعاون مع منظمة اليونسكو، في قيادتها لجهود عدد كبير من الدول التي تمارس رياضة الصيد بالصقور، ومن ثم تسجيل الصقارة في القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادي باليونسكو في 16 نوفمبر 2010. وتسجيل حرفة السدو التقليديّة في قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل في 25 نوفمبر 2011. وسعياً منها لإبراز التراث الخليجي المشترك سجلت التغرودة في 6 ديسمبر 2012 ، والعيالة في ديسمبر2014 كملفات مشتركة مع سلطنة عُمان الشقيقة، فيما سجلت القهوة العربيّة، والمجالس كملف مشترك مع المملكة العربيّة السعوديّة، ودولة قطر، وسلطنة عُمان، إضافة إلى فن الرزفة كملف دولي مشترك مع السلطنة بتاريخ 2 ديسمبر الماضي في اجتماع ناميبيا».
ويرى الدكتور الحميري أن وصول سبعة عناصر من عناصر تراث الدولة إلى قائمة اليونسكو يدلل على الاهتمام البالغ الذي توليه القيادة بالتراث وسبل المحافظة عليه، من خلال وسائط محليّة ودوليّة، وفي طليعتها منظمة اليونسكو، و«هذا الاهتمام يتجسد بوضوح بالدعم المادي والمعنوي الذي تحظى به المؤسسات والهيئات الثقافيّة والتراثيّة، وبالحرص المستمر على توفير الأُسس التي تسهم في نقله إلى الأجيال الصاعدة، ومن جانب آخر يشير بوضوح إلى غنى تراثنا الإماراتي والخليجي بشكل عام، وإلّا لما تمت الموافقة على إدراجها في قائمة التراث الثقافي غير المادي للشعوب، وما من شك بأن تسجيل هذه العناصر يعكس أيضاً الوعي التام للقائمين على إعداد هذه الملفات في دولة الإمارات بأهميّة منظمة اليونسكو كمنصة دوليّة للتعريف بتراث الشعوب وصونه، وامتلاكهم الكفايات والخبرات اللازمة في إعداد هذه الملفات وفق المعايير والشروط التي تضعها اليونسكو».
تنسيق
يشرح الحميري أن صون العنصر والمحافظة عليه بعد تسجيله في منظمة اليونسكو، ينطلق من إشراك كل الجهات المعنية بممارسته، واستمراره كجزء من التراث، لذا فإن إدراج العنصر مقدمة لجهود تقوم على التعاون والتنسيق بين هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وكل من وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ووزارة التربيّة والتعليم، إضافة للهيئات والمؤسسات، والأنديّة، والمراكز، والجمعيات الثقافيّة والتراثيّة، والأفراد والمجتمعات، ذات الصلة بدولة الإمارات العربية المتحدة.
ويتابع: «يتجلى هذا التنسيق بالحصول على موافقة كل هذه الجهات وإقرارها بأهميّة تسجيل العنصر في اليونسكو في المحافظة عليه، واستمراريّة ممارسته من قبل الأجيال الصاعدة، وبإشراكها في ورش العمل، والاجتماعات وفي إعداد البحوث والتقارير الدوريّة التي تتطلبها اليونسكو للتأكد من المسار الصحيح لممارسة العنصر، وبإشراكها في المناسبات والفعاليات التراثية التي تقيمها الهيئة، أو تشارك فيها، إضافة إلى الزيارات الميدانيّة التي يقوم بها الخبراء والمعنيون بمتابعة العنصر للممارسين، وفي دراسة وتحليل وتقييم التقارير والمقترحات التي تقدمها الجهات المعنيّة بالعنصر بغرض إبقائه حياً».

خطة إستراتيجية

من بين العناصر التي تم إدراجها على القائمة ما هو مرتبط بأسلوب الحياة وقد يصعب الحفاظ عليه مع انتفاء وظيفتها في الحياة المعاصرة مثل أشعار التغرودة التي كان يرددها المسافرون على ظهور الجمال، أو تقاليد إعداد القهوة العربية والمجالس التي زحفت عليها الحداثة، إلا أن الدكتور الحميري يرى أن أبرز المعايير التي تشترطها اليونسكو لإدراج أي عنصر في قائمة التراث الثقافي غير المادي للشعوب، وقائمة التراث غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل هو استمراريّة العنصر في المستقبل، ويقول: «صحيح أن التغرودة ارتبطت برحلات السفر والترحال على ظهور الإبل، إلا أنها لا تزال حاضرة، ومُمارسة في المناطق الصحراويّة وإن قل هذا الحضور نسبياً، كما أن الخطة الإستراتيجيّة التي تتبناها الهيئات والمؤسسات الثقافيّة والتراثيّة تسعى إلى المحافظة على هذا الفن من خلال: توثيقه عن طريق إجراء البحوث والدراسات، وتعزيز جهود مراكز الموسيقى والفنون التقليديّة، ورفع مستوى الوعي به في المناهج والمناشط المدرسيّة، والاحتفالات والمناسبات، والمسابقات التراثيّة، علاوة على تعليم الأجيال الحالية، وتدريبها على نظم الأشعار المرتبطة به، وأدائها وفق الخصائص المميزة لهذا الفن».

وأضاف: «تتضمن الإستراتيجيّة أيضاً نقل هذا الفن وممارسته من قبل الصغار عبر فرق التراث الشعبيّة، إضافة للترويج له من خلال وسائل الإعلام، أما بالنسبة للمجالس، فلا تزال تحظى بدورها التقليدي في مجتمع الإمارات كحاضنة اجتماعيّة، وثقافيّة، ويتجلى ذلك باسمها المتداول حتى الآن، وبمكانتها البارزة في كل بيت، ويحرص المسؤولون في إمارة أبوظبي على إنشاء مجلس عام في كل حي، يحافظ على طابعه ومهامه التقليديّة، أما بالنسبة للقهوة العربيّة، فإنه وإن تطورت أدواتها وطرائق إعدادها الآن، فإنها لا تزال حاضرة في حياة سكان الباديّة، ومناطق كثيرة من الدولة ولا تزال الأسرة الإماراتيّة تحافظ على طقوسها، وأدواتها التقليدية».
ويرى الدكتور الحميري أنه من الضروري الآن تضمين التراث الوطني في المناهج التعليمية التي تشتمل على الكتاب المدرسي، والأنشطة المصاحبة، باعتبار الطلبة الفئة الواسعة من المجتمع المنوط بها ممارسة التراث والمحافظة عليه، وهنا يبرز مدى التعاون بين العاملين في حقل التراث من باحثين وجامعين ميدانيين، وخبراء ومتخصصين، وبين واضعي المناهج الدراسيّة، الذين يتولون إدراج التراث وفق أُسس تربويّة وعلميّة، تُراعي المرحلة العمريّة والفسيولوجية، والنفسية للمتعلم، حسب قوله.
تمكّن اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي الدول الموقعة عليها من تسجيل ما يمثل تراث مجتمعاتها في قائمة تمثيلية للثقافة البشرية، وهو أمر يتيح صون التراث المهدد بالاندثار بابتكار أساليب مختلفة لنقله إلى الأجيال القادمة، وعن ذلك يقول الدكتور إسماعيل الفحيل رئيس قسم تقارير وتسجيل التراث المعنوي في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة: «بالمقارنة مع اتفاقيات اليونسكو الأخرى، تلقى اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي قبولاً منقطع النظير، فخلال عشر سنوات وقعت عليها معظم دول العالم باستثناء «إسرائيل» والولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى، وتتيح

الاتفاقية انتشاراً واسعاً لتراث العالم، وتحتفي الدول بتراثها المسجل بشكل كبير».

ويلفت الدكتور الفحيل إلى واحدة من أهم إيجابيات الاتفاقية وهي «أن الدولة والمجتمعات معنية بها وأن كلا منهما يقوم بدور على الأرض، مثلما حدث لدينا في الإمارات عند تسجيل الصقارة، فقد جاءت المبادرة من نادي صقاري الإمارات وهيئة البيئة وهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، كلهم اشتركوا معاً في تلاحم قوي بين الدولة والمجتمعات وبيوت الخبرة، بالإضافة إلى الجمعيات والبلديات التي لعبت دوراً كبيراً في تسجيل الصقارة وخاصة بلدية المنطقة الغربية والعين وأبوظبي، هذا كله يجعل العنصر يتحول من عنصر محلي إلى عنصر عالمي ويصير تراثاً إنسانياً».

اقرأ أيضا