الاتحاد

الملحق الثقافي

التعرف على الشرق وجهاً لوجه

من جلسات المؤتمر

من جلسات المؤتمر

ما بين رومانسية الشرق بسحره وروحانياته، وعلمانية الغرب ونظرته الأحادية، ثمة وشيجة ورابط عرفها الفن والأدب، من موسيقى موزارت وفاجنر واستلهامات جوته وإعجاب فيكتور هوجو بألف ليلة وليلة وتجليات شهرزاد في قراءاتها وحكاياتها التي اختطفت الغرب حتى واقعية الفن الغربي نجد تبادلاً ثقافياً خارج حدود تلك النظرة الأحادية للغرب· قبل كل ذلك ارتحل رامبو، عابراً إلى الشرق ليدخل عدن وليذهب إلى هرارات، بحثاً عن ذلك السحر الذي قرأ عنه· ثم تخيله، وأخيراً عاشه بعمق·

كيــف ينظـر الغـرب الـى الشــرق؟ وما هي الصورة الحقيقية للشرق في ذهن الغرب؟ وهل صحيح ما يقوله إدوارد سعيد بأن الذهن الغربي قد خلق صورة لشرق قائم على رواسب استعمارية؟· كل ذلك طرحته ندوات مؤتمر ''التعرف على الشرق·· استكشاف أوجه الشرق وهوياته المتنوعة'' والذي أقامته جامعة باريس السوربون أبوظبي للفترة من 14 إلى 15 يناير الجاري في أبوظبي بالتعاون مع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي وجامعة الإمارات في العين·
على مدى يومين طرحت الأفكار والرؤى، حيث لم يعد الغرب غرباً والشرق شرقاً ما دام هناك اتصال يختزل الزمن بل يقصر المسافات في لحظات قليلة وربما هذا هو ذاته ما باعد بين الشرق والغرب، لذا كان لابد من رؤية الآخر وجهاً لوجه ليتم التحاور ولتتكثف الآراء من أجل أن نفهم ما يريد الغرب وما يفكر به الشرق·
المعرفة المتبادلة
انعقدت الجلسة الفكرية الأولى في اليوم الاول متضمنة ثلاثة محاور طرحت فيها قراءات متعددة تناولت الفكر والتاريخ والجغرافيا والأدب·
في المحور الأول عن ''المعرفة المتبادلة'' قرأ فيها جان لوي بورسان الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس مداخلته حول ''هل يمكن اعتبار علم الرياضيات العربية جسراً بين عالمين''؟ معتبراً أن استكشاف الحلقة المفرغة حول نقل المعارف الشرقية أصبح ضرورة· بينما أكد روبير ايروين الباحث في فرع الدراسات الشرقية والأفريقية عن تاريخ المماليك وألف ليلة وليلة والفن الإسلامي والأدب العربي الكلاسيكي وتاريخ الشرق أن هناك ضرورة لقراءة ثقافة بلاد فارس في الأدب الغربي وبخاصة ترجمة يوليوس مول لـ''الشاهنامة'' وادوارد فيتزجيرالد لرباعيات عمر الخيام· كذلك قراءة فريدريك لاجرانج الأستاذ المحاضر في اللغة العربية وأدابها في جامعة باريس السوربون ـ أبوظبي حول ''كيف نظر ثلاثة رحالة عرب إلى نساء باريس في القرن التاسع عشر'' متطرقاً إلى طروحات المصري رفاعة الطهطاوي (1826 ـ 1930) واللبناني فارس الشدياق (1855) والمغربي إدريس العمراوي (1860) في تبيان بعض الاشكاليات التي واجهها الضمير الإسلامي أول ما اصطدم بالحداثة الغربية·
في المحور الثاني عن ''معرفة الشرق منذ القرون الوسطى حتى عصر التنوير'' قرأ دومينيك بوتيه بروفيسور الأدب الفرنسي في القرون الوسطى في جامعة باريس السوربون أبوظبي ''عالم المحيط الهندي'' موسوعات لماركو بولو حين اعتبر إنسان القرون الوسطى ''أفقاً من الأحلام'' وحينما جاء ماركو بولو في استكشافه لهذا المحيط الهائل بدأت النظرة إليه تتغير حيث صار ساحة لمعرفة انتروبولوجيه·
أما دومينيك كارنوبي تورابي الأستاذ المحاضر في جامعة الإمارات في العين فقد قرأ ''بارتيليمي ديربلو: الاستخدام السليم لمفهوم الشرق'' وبارتيليمي (1625 ـ 1695) هو واضع قاموس ''المكتبة الشرقية''، وهو قاموس شبه موسوعي شامل للمعلومات المتوفرة عن الشرق في الفترة الكلاسيكية ويقصد بها شرق الإمبراطوريات الثلاث الإسلامية والعثمانية والفارسية ـ الهندية·
كذلك كارولين فيشير أستاذة الأدب الفرنسي والإيطالي في جامعة هامبورج فقد قرأت ''رؤى عن الشرق بين الجنة والنار'' حيث اقترحت ورقتها إعادة رسم بعض الخطوط لحضور الشرق في فرنسا خلال القرن الثامن عشر وبخاصة الأدب وهي ثلاثة أوجه أولها نسب الأخطاء الخاصة إلى شعب بعيد وثانياً تصوير هذا الشعب كمثال يحتذى وثالثاً رؤية هذا الشعب من منظار الغرب·
الشرق الرومانسي
في المحور الثالث ''الشرق في الفترة الرومانسية'' قرأ برنارد فرانكو البروفيسور في الأدب الفرنسي المقارن ومدير قسم الأدب الفرنسي والمقارن في جامعة باريس السوربون أبوظبي موضوعه عن ''الشرق الرومانسي أو جذور المعرفة'' مؤكداً أنه إذا كان الشرق الخيالي يحاكي جذوراً تاريخية فإن الفترة الرومانسية زادته عمقاً من خلال نظرتها الجديدة، حيث إن التعرف على الشرق يزهو بألوان وصور أدبية تحاكي أصوله المعرفية والعلمية·
أما بيير برونيل الأستاذ في جامعة السوربون صاحب المنشورات حول بول كلوديل وآرثور رامبو وبول فيرلين وأداب القرن التاسع عشر والقرن العشرين بالإضافة إلى الأساطير الأدبية فقد قرأ عن ''لامارتين والشرق'' فتحاور مع مقالات لامارتين الأربع حول مسألة الشرق التي نشرت عام 1840 حين أعرب عن رغبته بالذهاب إلى الشرق عام 1818 بل سافر في عام 1832 حينها فقد ابنته في بيروت وكتب شعره في القدس ''الصحراء أو الخلود الإلهي''·
في اليوم الثاني للمؤتمر كانت المحاور تؤشر عمق الثقافة الشرقية وتأثر الفكر الغربي بها، وبخاصة الأدباء والشعراء ومبدعو الموسيقى·
افتتح المحور الرابع على موضوعة ''مكونات علم الآثار'' فتطرق جان جاك مافر بروفيسور الأدب والحضارة اليونانية في جامعة السوربون إلى موضوعة ''اليونان والشرق قبل الكسندر الأكبر'' حيث علاقات اليونان المتميزة مع الشرق خاصة مع بلاد الأناضول الشرقية وفينيفيا وسوريا وبلاد ما بين النهرين ومصر· قبل عمليات الغزو التي قام بها الكسندر الأكبر وصولاً إلى الشرق الأوسط خلال الربع الثالث من القرن الرابع قبل الميلاد·
أما الكسندر جرانداتزي بروفيسور اللغة اللاتينية وآدابها في جامعة باريس السوربون فقد أكمل طروحات مافر فقرأ عن ''الرومان والشرق'' متسائلاً هل هناك استشراق روماني؟ وما هي الآثار التي تركتها روما في الشرق؟، لابل ما آثار الشرق في روما؟·
أما جان ايف مونشامبير الاختصاص في العصور البرونزية والحديدية منذ الألفية الثالثة حتى الأول قبل الميلاد والاستاذ في جامعة باريس السوربون أبوظبي فطرح في ورقته ''إعادة اكتشاف الشرق في القرن التاسع عشر'' حين فككت رموز النصوص السماوية وأول الاكتشافات الآثارية في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشرق·
أشعار حافظ
ويأتي المحور الخامس عن ''عروض للشرق في القرن التاسع عشر'' بطروحات متعددة ابتدأتها جولييت فيون دوري البروفيسورة في جامعة ليموج عن ''الديوان الغربي - الشرقي جوته يقرأ لحافظ'' حيث ظهرت في عام 1813 ترجمة باللغة الألمانية لديوان حافظ الشيرازي فقام الشاعر الالماني جوته بتأليف كتاب من جزأين، جزء تضمن مجموعة اشعار حافظ والآخر تضمن تأويلات جوته·
أما ميشيل بريكس أستاذة البحوث في جامعة نامور في بلجيكا وصاحبة المراجع عن الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر فقرأت مداخلتها عن ''نيرفال واكتشاف اركاديا والسفر في الشرق إلى أوريليا'' حيث السفر لديها إلى الشرق هو اكتشاف لجزر غير معروفة ومعطرة·
وفي المحور السادس عن ''في السعي نحو إعادة اكتشاف الشرق'' ابتدأ الباحث جان ايف ماسون أستاذ الأدب المقارن في جامعة باريس السوربون أبوظبي وصاحب الكتب حول الشعر والمسرح الأوروبي بين أوائل الحقبة الرومانسية الألمانية والحقبة المعاصرة فقد قرأ ''الشرق في عيون ويليام باتلر بيتس''، حيث مثل شعر بيتس (1862 ـ 1939) أحد روافد قراءة الشرق الذي لم يكن جغرافياً فقط بل هو قيمة جوهرية· إنه الشرق الروحاني الذي انطلقت منه الحقيقة· لذا كان هذا الشاعر الأيرلندي هو المستلهم الروحي لحكايات ملكة سبأ و هارون الرشيد وتجليات ألف ليلة وليلة·
أما دومينيك مييه جيرار الأستاذة في جامعة السوربون والمشتغلة على الشعر الروحاني في التقاليد اللاتينية والأوروبية فقد طرحت موضوعة ''المحورية والشرقية لدى لوي ماسينيون'' ومدى اهتمام ماسينيون بالشرق والعرب والفرس·
كذلك ديدييه الكسندر البروفيسور في الأدب الفرنسي صاحب كتاب بول كلوديل والشعر الحديث والمعاصر والرومانسية المعاصرة فقد اشتغل في ورقته على موضوعة ''الأدب مروراً بتجربة عدن لبول نيزان وفريدريك بروكوش'' حيث تطرق إلى قيام نيزان مؤلف كتاب ''عدن ـ الجزيرة العربية'' وبروكوش من التعرف على بلاد العرب والشرق العربي في الجغرافية الأدبية· حيث كان لتعرف نيزان على عدن نقطة تحول لمفهوم الشرق عند الغرب·
في المحور السابع من المؤتمر حول موضوع ''حضور الشرق في عروض القرن التاسع عشر'' تحدث فيليب كينيدي المتخصص في الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية في جامعة نيويورك عن ''بورخيس وألف ليلة وليلة'' حيث تناولت ورقته قصص الكاتب الأرجنتيني بورخس التي استوحاها من روايات ألف ليلة وليلة·
أما بيرنزان فيستفال البروفيسور في الأدب العام والمقارن في جامعة ليموج فتحدث عن ''غرفة مطلة على الشرق'' مسلطاً الضوء على الروايات الرومانسية والحكايات الغربية التي استوحت الشرق·
وأخيراً اختتم ديديه جازانيادو البروفيسور في علم الإنسان في قسم العلوم الاجتماعية في جامعة باريس موضوعة ''الشرق، هل من شرق'' مبحراً في مصطلح ومفهوم الشرق في تاريخ الفكر الأوروبي وصلته بالمفهوم الغربي وفكرة الفصل بين الشرق والغرب وحول ظواهر النزاع بينهما وفقاً لعلم الأناسة وضرورة التخلي عنهما على ضوء منطق حوار الحضارات والثقافات

اقرأ أيضا