الاتحاد

الملحق الثقافي

فيلم باب للمخرج الإماراتي وليد الشحي ينفتح على الدهشة

كاميرا شعرية تخترق الأزمنة وتحاور طفولة المكان

كاميرا شعرية تخترق الأزمنة وتحاور طفولة المكان

''إذا أزيلت أبواب الإدراك، سيظهر للإنسان كل شيء كما هو··· لا نهائي''· من هذه المقولة الشهيرة للشاعر الإنجليزي وليم بليك، وفي مقاربة وجودية موازية وآسرة، يشرع الفيلم الروائي القصير ''باب'' للمخرج الإماراتي وليد الشحي في الولوج نحو مرئيات وشواهد تموج في براري اللاوعي، وتجرف معها الذاكرات المباهج وحتى الكوابيس إلى تلك الأرض الثاوية على الصمت والفقدان، أرض تتراكض فيها الحمى والأحلام والهلوسات الأنيقة، أرض عصية على الإنوجاد والتحقق ولكنها رغم ذلك تقاوم الوهن واليباس واللاجدوى، وتقول للزائرين إن البيوت التي حطمها النسيان وجرف الزمن أبوابها ونوافذها، هي أيضا البيوت المحروسة بأرواح ساكنيها، وهي المنازل المشرعة دوما على الانتظارات والوعود الذهبية·

يصر وليد الشحي في هذا الفيلم كما في أفلامه السابقة (عناوين الموتى، طوي عشبة، حارسة الماء) على تكريس البصمة الأسلوبية لمخرج ينظر للسينما كتجمع احتفالي يحتشد بالمسرح والشعر والتشكيل والصياغات الفلسفية المهمومة بترتيب العالم، والنظر إليه من خلال عدسة رائية وانتقائية، ومن هنا أيضا يراهن الشحي على الاقتراحات الجمالية والارتجال البصري عندما يطلق صهيل كاميرته في أحراش الغياب والأزمنة المنسية، وعندما يحمل مختبره السينمائي إلى طفولة المكان وإلى أسراره الدفينة والغائرة· يبدأ ''تتر'' الافتتاح في الفيلم بمشهد لباب قديم لا يسنده سوى رمل الصحراء، هذا الباب المفتوح على الدهشة، يبدو مثل خيال المآتة في بستان محترق، أو كأنه الشاهد الوحيد والأخير على حياة بائدة وقصص متبخرة في جحيم الزوال والمحو والتصفية الوحشية لذاكرة المكان·
يطل المشهد التالي على أطفال يلهون بقواربهم الصغيرة في بركة خلّفها مطر أليف وعابر، ومن بعيد يأتي طفل يبدو غريبا ومنعزلا عن الآخرين كي يشرع هو الآخر في اللعب، ولكنه يسقط فجأة في المياه الآسنة، يقطع المشهد على صورة الطفل ذاته (يقوم بدوره عادل المضرب) وهو يتجول بانكسار واضح وسط البيوت والحواري القديمة، تتداخل الصورة بين الطفل والجدران المحيطة به في تواصل حسي وحميمي يترجم حالة الشرود المهيمنة على المكان، يجلس الطفل قرب أحد الأبواب ويشرع في بكاء داخلي مغلق ومختوم بالغموض، ينظر الطفل لنبتة تتلاعب بها الريح، ومن خلال تضبيب الصورة (آوت أوف فوكس) يبتكر المخرج حوارات صامتة وجوانية بين الطفل والنبتة، وكأنهما يشتركان في ذات الحالة من الوهن والعزلة والانكسار البطيء، يدخل الطفل إلى المنزل ونرى الأم (تقوم بدورها رشا العبيدلي) والجدة العمياء (تقوم بدورها عائشة عبدالرحمن)· يستلقي الطفل في حضن جدته، فتكتشف أنه مصاب بالحمى وتقول له: ''الحمى عدوة الإنسان، إنها تطير بروحه إلى مكان بعيد''· من جهتها تبدو الأم ساهية وغير معنية بما يحدث حولها، إنها في حالة انتظار أبدي لشخص ما· هل هو الزوج؟ هل هو الباب المنخلع من ضلوع البيت؟ الفيلم لا يصرح بذلك، لأنه قائم على استثارة الأسئلة وغير معني بتقديم إجابات جاهزة، وكان واضحا من سياق وأسلوب الطرح البصري في الفيلم غياب الحكاية أو التسلسل السردي للنص المكتوب، فالحكاية هنا تعبر وتتشكل وتختفي وتتلون، كي تترك المساحة كلها للتأويل والهلوسة المروضة التي تعكسها رؤية الطفل المحموم للعالم والأشياء، رؤية تخترق أبواب الإدراك، وتقفز مباشرة إلى منطقة الخفة واللاجاذبية، والتي تذوب فيها المعالم والملامح وتغرق في هوة سوداء لا قرار لها، أو ترتفع أحيانا إلى مرتبة التجلّي والهيام والوجد·
باب الحمى
يقول الطفل في مونولوج داخلي يتواصل بأنماط مختلفة خلال زمن الفيلم: ''كل شيء يتغير مع الحمى، ويتحول إلى أشياء ساحرة تعبر خلال المرآة، الباب يتحول إلى سرير، البيت يتحول إلى وادي، والسماء إلى لحاف، والناس الذين أعرفهم، يتحركون أمامي كما الأغراب، وكأني أراهم لأول مرة''·
هذه الهلوسة اللفظية يحولها وليد الشحي في الفيلم إلى هلوسة بصرية بامتياز، ففي مشهد يمتزج فيه الحلم والواقع والكابوس نرى الطفل وهو نائم على باب محطم ومرمي وسط الوادي، يأتي رجل (يقوم بدوره أحمد شاهين) ذو هيئة غامضة ومريبة ويوقظ الطفل كي يعاين الباب، ويكتشف إنه ليس الباب الذي يبحث عنه، يذهب الرجل والطفل نحو المياه المتجمعة في الوادي ونكتشف أن أبوابا كثيرة جرفها المطر والسيل وتحولت إلى جثث خشبية طافية على مقبرة المياه هذه، وفي إحدى أجمل مشاهد الفيلم نرى الكاميرا وهي تعوم وسط هذه المياه وتشارك الرجل بحثه عن باب منزله، والذي يبدو مجازيا وكأنه باب الرؤيا، وباب الخلاص، والعتبة التي يثمر عبورها عن الوجود الكلي والوجود الصوفي الذي يحقق النشوة الروحية الخالصة· في مونولوج داخلي آخر يتوهج الحكي الذي يبثه كاتب السيناريو (أحمد سالمين) بلهجة عامية سلسة، وبأناقة شعرية جارحة على لسان الطفل المسكون بخواء جارح هو الآخر، ويقول: ''عندما تكثر الأشياء، تبدأ في الضياع من تلقاء نفسها، الوجوه تضيع ملامحها، والبيوت تضيع أبوابها، وعندما تكثر الأبواب تضيع الأيادي التي تفتحها وتغلقها، وتصبح الحياة كلها مثل الحمى، يضيع فيها الجسم والاسم والرسم، ويصبح كل شيء لوحده، خاليا من كل شيء''· امتاز فيلم وليد الشحي بابتكارات تجريبية فيما يخص السينوغرافيا، ففي أحد المشاهد كان الطفل يتجول وسط أبواب مغروسة في الرمل بدت من خلال اللقطة العلوية الشاملة الأشبه بعين الطائر، وكأنها أبواب نابتة من العدم، ومحتشدة في فضاء مسرحي محاصر ومُسَيّج بالأرواح والأطياف اللامرئية، مثل هذه الابتكارات الخاصة بتأسيس المشهد ساهمت بقوة في تطوير المختبر البصري لدى وليد الشحي، إنها لعبة الإيحاء وبث الخيالات والتأثيرات النفسية التي تجعل عين المشاهد منذورة لقيمة الصورة وثقلها الروحي بعيدا عن الرسائل الواضحة والمباشرة لأفلام تتكئ على الحكاية وحدها، وعلى النمط التلفزيوني الضحل والموبوء بأمراض السرد المكرر والثرثرة·
باب الخلاص
بعد مشاهدة هذا الفيلم الشعري المكثف والمخترق للأنماط السائدة والمتواترة في المشهد السينمائي المحلي التقى ''الاتحاد الثقافي'' بالمخرج وليد الشحي الذي أشار إلى أن السيناريو الأصلي للفيلم خضع لتعديلات كثيرة استغرقت أكثر من سنتين للخروج بصيغة مرضية ونهائية للعمل، فعلاقة الإنسان بالباب تتجاوز في أحيان كثيرة الفكرة النمطية بينهما، وتذهب إلى منطقة تجريدية صرفة يتداخل فيها الموت مع الميلاد، ويتمازج فيها الثبات مع العبور والتشكل والخلق وحالات صوفية من الصعب التعبير عنها بشكل سينمائي مباشر·
ويضيف الشحي: ''لجأت للطفل المصاب بالحمى، كي اعبر من خلال هلوساته النفسية والبصرية عن هذا البعد الرمزي للباب، وكيف أن البحث عن الأبواب المفقودة والتي جرفها السيل، هو بحث أيضا عن الهوية المفقودة وسط سيل من الهويات الساحقة والجارفة والمهيمنة على المكان''·
وعن أجواء مشاركة الفيلم في مهرجان دبي السينمائي الدولي الذي أقيم في شهر ديسمبر الماضي يقول الشحي: ''إن مجرد اختيار الفيلم للمشاركة في مسابقة المهرجان يعتبر بحد ذاته إنجازا لفريق العمل، وخطوة مهمة من أجل التواصل مع المخرجين وصناع الأفلام من مختلف أرجاء العالم، وكان هذا التواصل واضحا من خلال النقاشات الثرية التي دارت بيني وبين الذين حضروا الفيلم والتي انصب معظمها حول البنية الشعرية الطاغية على العمل، وحول تجاوز الشكل الواقعي، والذهاب لمناطق تعبيرية وبصرية جديدة ومختلفة''·
أما كاتب سيناريو الفيلم أحمد سالمين والذي شاركه المخرج في إعادة صياغة النص المكتوب، فيقول: ''إن فيلم ''باب'' هو ثمرة لوقائع سحرية تمر علينا من خلال ذاكرة الأمهات والجدات، حيث روت لي جدتي في زمن بعيد أن باب بيتها قد اختفى فجأة من أثر عاصفة شتائية ممطرة، فقام مجموعة من الأطفال والكبار برحلة طويلة وممتدة زمنيا وجغرافيا من أجل البحث عن هذا الباب، وأخيرا تم العثور عليه عائما في إحدى مزارع النخيل، فعدنا به إلى الجدة وكأننا عائدون بنعش أو بمولود جديد، حيث كنا نعيش حيرة كبرى في وصف ما حدث، وبالتالي فإن الفيلم كان زاخرا ومحتشدا بالصور اللاواقعية والخيالات الشبحية التي استخدمنا مخيلة الطفل المصاب بالحمى كمعبر فني، ومنفذ موضوعي لبث الفكرة في الهيكل العام الفيلم

اقرأ أيضا