الاتحاد

دنيا

مراهقون يرفعون شعار التمرد في مواجهة السلطة الأبوية

للمراهقة خصوصية نفسية وجسدية (الصور أرشيفية)

للمراهقة خصوصية نفسية وجسدية (الصور أرشيفية)

تحفل مرحلة المراهقة بمفارقات عجيبة فهي كما يصفها علماء النفس الاجتماع مرحلة التحولات التي يجب أن يتم التعامل فيه مع المراهق بذكاء وخبرة وحنكة اجتماعية، لكي يعبر المراهق فترتها بسلام وينتقل إلى طور آخر لكن هذه المرحلة، التي تؤذن بمفارقة الطفولة، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة الشباب تجعل المراهق في دائرة الضوء داخل المنزل ووسط أقرانه في أسرته بخاصة حين تصطدم آراء الآباء مع تصرفات الأبناء فتتحول حياة بعض المراهقين إلى جحيم في ظل هيمنة السلطة الأبوية، وتسلطها في الوقت نفسه، والعجيب أنه في كثير من الحالات يصر كل طرف على رأيه، وهو ما يقلص من فرص وجود منطقة وسطى يلتقى عندها كل طرف.

أكثر ما يؤلم فئة المراهقين كلمة «لا»، التي تتصدر العديد من الجمل مثل لا تخرج مع أصدقائك الفلانيين، لا تفعل كذا وكذا ،لا ترتدي مثل هذه الملابس مرة أخرى، لا تقص شعرك على طريقة الهيبيين، وهلم جرا من هذه العبارات التي يراها المراهق تمس عصب شخصيته وتحاول تهميشها بصورة ما وفي ظل هذا الصراع المستمر الذي تعانيها العديد من الأسر في مواجهة الأبناء في هذه المرحلة ومن ثم محاولة تهذيب سلوكياتهم يجدون الرفض يحيط المراهقين من كل جانب ويشكل عقليتهم ويدفعهم لارتكاب بعض الحمقات التي من شأنها أن تحدث حالة من عدم الامتزاج الأسرى إلا في حالات خاصة، حينما تكون الأسرة لديها قدر كبير من فهم هذه المرحلة ومن ثم التعامل معها منطق نفسي وإنساني وفكري عميق.
تغيرات فسيولوجية
حول ما يكتنف هذه المرحلة من مناوشات بين الآباء والأبناء وطبيعة فترة المراهقة وطرق التعامل الأمثل معها يقول أستاذ علم النفس والاجتماع بجامعة الإمارات الدكتور نجيب محفوظ: لابد لكل أسرة لديها مراهق -وهو أمر لا يخلو - أن تتفهم خصوصية هذه المرحلة وما يتبعها من تغيرات فسيولوجية وما يكتنفها من عوامل نفسية مؤثرة، فالمراهق فور وقوفه على أبوابها تتولد لديه حاجات نفسية تتمثل في رغبته العارمة في إثبات نفسه على المستويات كافة خاصة أن الأنا ترتفع، وتصل إلى ذروتها، وما يتطلب من الآباء أن تكون لديهم آذان كبيرة تسمع وألسنة قصيرة تتكلم، خصوصاً أن المراهق بطبيعة الحال يمتلك طاقة كبيرة تحتاج إلى تفريغها بصفة مستمرة من خلال الأنشطة المفيدة مثل ممارسة الرياضة بانتظام أو تعميق سبل القراءة لديه، وكذلك جذبه إلى أنشطة روحية ونفسية بحيث يشعر بذاته وتقدير الآخرين له عبر ممارسات صحية نافعة”.
ويتابع: “في مرحلة المراهقة تتسع دائرة الصداقات وتتعدد الاهتمامات، ويغلب على المراهق رغبته في الانعزال عن أفراد أسرته بشكل جزئي بحثاً الخصوصية والانفراد في حجرة خاصة، وفي هذه التطورات يرى نفسه أنه أصبح كبيراً ورجلاً بالنسبة للذكور، وهو ما يدعوه إلى الخوف على ذاته لذا لا يقف حيال النقد الأسرى مكتوف الأيدي أن يرد، ويتخذ مواقف قد تكون صادمة للأهل، أما الفتاة فهي تدخل أحيانا كثيرة مرحلة المراهقة مبكراً وتسبق قرينها من الجنس الآخر، وتحدث لها أيضاً تغيرات فسيولوجية وتبحث في هذه المرحلة عن الاستقلالية، ومن ثم محاولة تكوين شخصية تستطيع اتخاذ القرارات لذا فإن الأسرة تراها في مرحلة الخطر، لكن ما يغيب عن الكثير من الآباء والأمهات أن إشباع الأبناء عاطفياً في هذه المرحلة يعطيهم ثباتاً في الشخصية، وقدرة على التفاعل مع المجتمع بشكل سليم”.
كلمة لا
بخصوص التعامل مع حالات التمرد التي تصاحب هذه الفئة، يبين محفوظ أن بعض المراهقين يظنون خطأ أن السلطة الأبوية ليست إلا وسيلة من وسائل القمع وطريقة للوقوف في وجه تحقيق أحلامهم وطموحاتهم وتصرفاتهم الفردية. ويلفت إلى أن حالات الانتقاد، التي يتعرض لها المراهق من قبل أبويه تعكس صورة المحبة التي يختزلاها في قلبهما له، لكن هذا المراهق لا يتصرف خارج دائرته، التي فرضته عليه طبيعته البيولوجية ومرحلته التي يصاحبها العديد من المتغيرات فيشعر أن كلمة لا تتضمن معنى الإهانة، وهذا تصور مبالغ فيه.
ويشير إلى أنه في المقابل لابد ألا تمارس أسر المراهقين الأساليب العقابية، التي توحي بجلد الذات حتى لا يتسلل المراهق من محيط الأسرة، كما يتسلل الماء من بين الأصابع وما من شك في أن محاولة مد جسور الصداقة بين الطرفين يحل أغلب المشكلات ويجعل العلاقة بينهما أكثر حيوية وجمال.
ومن بين المراهقين الذين يشعرون بالضجر من العنف الأسري، الذي لحق به، سعيد سالم، الذي يبلغ من العمر 15 عاماً. ويورد: “محبتي لكرة القدم وممارستها كل يوم جعلني في حال صدام مستمر مع أمي التي أثارت أبي ضدي، وجعلته يبالغ في عقابي فحرمني من المصروف بعض الأيام وامتنع عن الجلوس معي على مائدة الطعام أيام أخرى، فضلاً على أنه عنفني بقوة، وهددني إن أنا لم أتوقف عن ممارستها إلا في العطلات وإجازة آخر العام الدراسية بأنه سوف يعاقبني بطريقة أقسى”.
ويذكر سعيد أنه برع في هذه اللعبة وتفوقه بين أقرانه في أثناء ممارستها جعله قائداً للفريق، وهو يفكر في الالتحاق بأحد الأندية، لكن خوفه من والده الذي يأمل بأن يكون طبيباً في يوم الأيام جعله يتردد في حسم هذا الأمر. ويؤكد أنه إزاء تعامل والده معه على هذا النحو قرر ألا يخرج من حجرته ولا يجلس مع عائلته في أوقات السمر لكونه في حالة من الضيق والغضب الشديدين، ولا يدري متى ستعود الأمور لمجرياتها الطبيعية بينه وبين أمه ووالده.

خلاف دائم
لا يخفي أحمد إبراهيم (17 سنة) أنه دائما على خلاف مع أبويه بسبب أصدقائه الذين لا يلقون قبولاً من الأسرة، على رغم ارتباطه الكبير بهم. ويقول: “منذ المراحل الأولى للتعليم ونحن ننتقل معاً، وهو ما عمق علاقاتي به فنخرج معاً إلى المقاهي والأندية الرياضية من أجل السمر وقضاء أوقات سعيدة”. ويضيف: “الأمور وصلت بيني وبين أبواي إلى الذروة وأعلنت تمردي عليهما، ولم أعد أسمع لهما وفور أن يبادرني أحدهما بالحديث انطلق بعيداً عنهم حتى لا أدع مجالاً لمواصلة الحوار والنقاش فيما يؤذيني”.

اقرأ أيضا