الاتحاد

تقارير

روسيا.. تصعيد على كل الجبهات

خلال يوم واحد فقط، أعلنت روسيا عن عدة إجراءات تصعيدية مع الغرب. فقد حجبت تطبيق «تيليجرام»، وهددت بقرصنة أسرار صناعة البضائع الأميركية، وقالت إن بريطانيا هي التي اختلقت قصة الهجوم الكيميائي في سوريا. وعبرت الأحداث السريعة التي شهدها يوم الجمعة الماضي عن شدّة حالة الانفصام بين روسيا والغرب. وأدان مؤيدو الكرملين سياسات الولايات المتحدة وحلفائها بسبب تصعيد التوتر، وقالوا إن على الغرب أن ينأى بنفسه تماماً عن دسّ أنفه في الشؤون الداخلية لروسيا. وحتى معارضو نظام بوتين قالوا إن تغريدة الرئيس دونالد ترامب التي أطلقها هذا الأسبوع وطلب فيها من روسيا أن تستعد لضربة صاروخية ضد حليفتها سوريا، لا تساعد على التخفيف من حدة التوتر بين البلدين، وحذروا من أن لدى الرئيس بوتين الكثير من الأساليب لتعقيد الأمور أكثر لو تطلب الأمر ذلك.
وقال المحلل الروسي المستقل «قسطنطين جاز»: «على الرغم من الضغوط القوية المسلطة علينا من الخارج، فإن الكرملين لا يزال يتحكم بالوضع ومن دون أن يسمح بإطلاق هستيريا عامة مضادة للغرب».
وأظهرت تطورات يوم الجمعة كيف أن بوتين كان منشغلاً بتوسيع المعركة على عدة جبهات، من إسكات المعارضة الداخلية إلى تنشيط الاقتصاد وتوسيع مناطق النفوذ العسكري الروسي في العالم.
وتعقيباً على هذه التطورات، قال «أندريه كليموف»، نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الأعلى للبرلمان في لقاء تلفزيوني: «لقد حاول الاتحاد الروسي منذ زمن بعيد ألا يواجه هذه الاستفزازات بالقوة الكافية».
وحدثت المواجهة الجديدة صباح يوم الجمعة الماضي في قاعة محكمة مقاطعة «تاجانسكي» الواقعة شرق موسكو، عندما استمع القاضي إلى طلبات كبريات شركات الاتصالات في روسيا بحجب تطبيق «تيليجرام» لتبادل الرسائل النصّية، لأن إدارة الشركة التي تشغله رفضت منح السلطات الأمنية مفاتيح شفرة تشغيله ومراقبته. وهذا التطبيق الذي أسسه رجل الأعمال الروسي «بافيل دوروف» يُعدّ واحداً من أهم قصص النجاح الذي حققته روسيا على شبكة الإنترنت. فهو يستقطب أكثر من 200 مليون مستخدم عبر العالم، وتسمح قنواته للمستخدم ببثّ رسائل طويلة لعامة المتابعين لكل حساب، وبات يشكل جزءاً مهماً من الثقافة السياسية في روسيا، وخاصة فيما يتعلق بالانتقادات التي يتم توجيهها للكرملين. ونقلت وكالة «انترفاكس» الروسية عن أحد المراقبين للاتصالات قوله: «تكمن مشكلة تيليجرام في أن استخدامه متاح للمنظمات الإرهابية والجماعات المتطرفة». ونظراً لغياب محامي الدفاع عن شركة «تيليجرام» عن جلسة الاستماع للمرافعات، فقد سارعت المحكمة للموافقة على طلب المنظمين وأمرت بحجب الخدمة تماماً.
وكان أعضاء مجلس الدوما اقترحوا عدة مشاريع قوانين للانتقام من العقوبات الأميركية. وبما أن تلك العقوبات التي أعلنت عنها وزارة الخزانة الأميركية تستهدف شخصيات وشركات مقربة من الكرملين، فقد اقترح المشرّعون الروس أن تكون ردة فعلهم على تلك العقوبات متعددة الجوانب. وذكرت مصادر مطلعة أنهم عازمون على وقف استيراد المواد الغذائية والأدوية والأدوات الطبية من الولايات المتحدة. وقالوا إنهم سيسرقون حقوق ملكية أسرار صناعة البضائع والأجهزة الأميركية من دون موافقة الجهات صاحبة تلك الحقوق.
ونقلت «انترفاكس» عن «ميخائيل إميليينوف»، النائب الأول للجنة التشريعية في مجلس الدوما، قوله: «سوف نضربهم في مقتل. ونحن نعلم أن سرّ نجاح العالم الغربي يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وسوف نوجه حملة منظمة لانتهاك تلك الحقوق»! وأوقف الكرملين التصديق على هذه القوانين المقترحة، وتوقع محللون أن الأمر يتعلق بضرورة العمل على التخفيف من حدة اللهجة التي ستتضمنها النسخة النهائية. إلا أن هذا التوجّه أكد أن موسكو كانت تسعى لاكتشاف طرق جديدة للرد على العقوبات الأميركية، بالنظر للضعف النسبي للاقتصاد الروسي، مقارنة باقتصاد الولايات المتحدة.
وهناك عدة مجالات للمواجهة بين روسيا والغرب، لعل من أهمها الموقف من استخدام السلاح الكيماوي في دوما، والذي يعتبره الروس مجرد حادث مفبرك. ويتعلق الموضوع الثاني بتسميم المخابرات الروسية لجاسوسها السابق «سيرجي سكريبال» وابنته في المملكة المتحدة. وبعد أن أعلنت الحكومة البريطانية، يوم الجمعة الماضي، عن نتائج التحقيقات التي أجرتها أجهزة الاستخبارات، والتي توصلت إلى أدلة جديدة تؤكد تورط المخابرات الروسية في محاولة التسميم، نظّم سفير روسيا في لندن مؤتمراً صحفياً كرر فيه موقف حكومته من أن روسيا لم يسبق لها أن صنعت غاز الأعصاب الذي تدعي بريطانيا أن الروس استخدموه في تلك العملية.

*محلل سياسي أميركي مقيم في موسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا