الخميس 27 يناير 2022
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
الرومانطيقية الفرنسية غيّرت وجه العالم
الرومانطيقية الفرنسية غيّرت وجه العالم
الأربعاء 17 مايو 2017 19:39

يرى الناقد الفرنسي الكبير بول بينيشو أن المدرسة الرومانسية أو الرومانطيقية ليست فقط آهات ودموعاً وبكاء على الأطلال على عكس ما نظن. وإنما هي حركة أدبية وفكرية، بل وسياسية ضخمة غيرت وجه العالم. يكفي أن نذكر هنا أسماء الشعراء الكبار للرومانطيقية الفرنسية كجيرارد دو نيرفال، وفيكتور هيغو، ولامارتين، ودو فيني، وألفريد دو موسيه، وآخرين عديدين لكي نتأكد من ذلك. يكفي أن نذكر اسم شاتوبريان أستاذهم جميعاً لكي ندرك ما نقول. وينبغي بالطبع أن نذكر اسم جان جاك روسو أستاذ شاتوبريان والجميع لكي تُفهم فكرتنا على حقيقتها. فهو مدشن الحساسية الرومانسية في الآداب الفرنسية والعالمية، وأية حساسية! كان روسو يغلي غلياناً، يذوب ذوباناً، حباً وعشقاً وهياماً. ولكنه في الوقت ذاته كان المنظر الأكبر للعصور الديمقراطية والسياسية الحديثة. هل كان روسو رجلاً منفصم الشخصية؟ هل كان منقسماً على نفسه؟ من دون شك. ولذا استطاع أن يجمع في شخصه بين رجاحة العقل وعبقرية الفكر من جهة، وشطحات الجنون الرائع من جهة أخرى. كان يقبض على الماء والنار في آنٍ واحد. ولذا فينبغي أن ندرس هؤلاء الشعراء ليس فقط من الناحية الفنية أو الجمالية، وإنما أيضاً من الناحية الفكرية والإيديولوجية والسياسية. ظهر الشعراء الرومانطيقيون في القرن التاسع عشر، أي بعد زلزال الثورة الفرنسية وأحداثها الضخمة. بمعنى آخر فإنهم شهدوا احتضار العالم القديم وولادة العالم الجديد على أنقاضه. وهنا تكمن أهميتهم وعظمتهم. فقد انعكست كل هذه الأحداث الكبرى على أشعارهم ولونتها بألوانها وأثرت عليها. لكي ندرك الأمور جيداً ينبغي أن نموضعها ضمن إطار واسع. صراع العلمانية والدين تقول الأطروحة الكبرى للناقد الفرنسي ما يلي: لقد تشكلت بين عامي 1760- 1850 سلطة روحية علمانية تنافس السلطة الدينية المسيحية الكهنوتية. وقد استطاعت الحلول محلها تدريجياً بعد الثورة الفرنسية، وكان ذلك يعني استهلال عهد الحداثة. وقد لعب الشعراء(وليس فقط الفلاسفة) دوراً كبيراً في هذا الانقلاب على الماضي الأصولي للقارة الأوروبية. وبالتالي ففيكتور هوغو لم يكن شاعراً فقط بالمعنى الغنائي والفني العذب للكلمة، وإنما كان أيضاً مفكراً وسياسياً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. ومعلوم أنه كان ضد الكهنة والمطارنة والخوارنة الذين يمثلون حزب الرجعية والجمود في نظره. ولكنه لم يكن ضد جوهر الدين أبدا ولم يكن مادياً ملحداً. كان مؤمناً بالله إيماناً عميقاً. كل ما في الأمر هو أن إيمانه كان غير إيمان عامة المتدينين والإخوان المسيحيين التقليديين. ومعلوم أن أوروبا كانت محكومة سابقاً من قبل الكنيسة المسيحية التي تستمد هيبتها وسلطتها من النصوص الدينية. وكانت هيبتها فوق هيبة الملوك، ولا يتجرأ أحد على مسها أو نقدها. ثم جاء عصر النهضة وابتدأ الفلاسفة والأدباء ينتقدونها ويكشفون عن نواقصها وعيوبها، أو قل نواقص رجال الدين بالدرجة الأولى وانحرافهم عن المبادئ المثالية للدين. وازداد الهجوم عليها في القرن الثامن عشر: أي عصر التنوير. ثم استمر الهجوم متصاعداً في القرن التاسع عشر، حتى انتصرت هذه السلطة الروحية العلمانية على السلطة الكنسية اللاهوتية للأصولية المسيحية. وهذه هي أكبر ثورة تحصل في التاريخ البشري. وبناء عليها تم تشكيل نظام الحداثة الذي نعرفه والذي يسود أوروبا وأميركا الشمالية حالياً. ولكنه تطرف الآن في الاتجاه المعاكس للأسف الشديد وأفرز كل أمراض الحداثة من إباحية وشذوذ لا يعرف الحدود. ما الذي قاله فلاسفة الرومانطيقية الكبار إذا ما أخذنا كلمة رومانطيقية بالمعنى الفلسفي العميق والواسع للكلمة؟ قالوا إن رجال الدين المسيحيين يضحكون على البشر؛ إذ يقولون بأنهم يتصلون بالسماء أو يحكمون باسم الله. فالواقع أنهم بشر يحكمون باسم مصالحهم الخاصة ويخدمون مصلحة النظام الإقطاعي الاستبدادي الأصولي القديم. وبعضهم من أغنى الأغنياء. ثم يضيفون قائلين: الواقع إن السماء تركت لنا حرية حكم أنفسنا بأنفسنا على هذه الأرض. والله سبحانه وتعالى لم يعيّن أحداً ناطقاً رسمياً باسمه، حتى ولو كان البابا شخصياً! وبالتالي فكل هذه العقائد أساطير ينبغي أن تنتهي لكي يبزغ عصر الحداثة والنور والنزعة الإنسانية. وهكذا أسقطت مشروعية السلطة الروحية السابقة. أي سلطة الكنيسة والمطارنة والخوارنة، وحلت محلها سلطة الشعراء والفلاسفة والكتاب الكبار بشكل عام. ولكن المشكلة هي أنه ليس من السهل أن تحل سلطة روحية جديدة محل سلطة روحية قديمة. فسلطة الكنيسة المسيحية كانت راسخة ومهيمنة على العقول طيلة أكثر من ألف وخمسمئة سنة. وكانت تشعر الناس بالطمأنينة والسكينة عندما يصابون بالفقر أو بالجوع أو بالأمراض وبمصائب الحياة بشكل عام. كانت العاصم لهم من الانهيار النفسي. ولذلك فإن انهيارها ترك فراغاً كبيراً، بل وأحدث هلعاً في النفوس، وما كان بالإمكان ملء هذا الفراغ بين عشية وضحاها. وقد حاول الشعراء الكبار والفلاسفة أن يسدوا هذا الفراغ ويقدموا للناس عقيدة جديدة تشعرهم بالطمأنينة. ولكن القلق استبد بالنفوس لفترة طويلة من الزمن بما فيها نفوس الشعراء أنفسهم. والدليل على ذلك أن الشعر الرومانطيقي كثيراً ما يمتلئ بالشكوى والحنين إلى عصر مضى وانقضى. وبالتالي فلا يمكن فهم القلق المعاصر إن لم نأخذ بعين الاعتبار هذه النقطة الجوهرية: وهي أن انحسار المسيحية عن سطح المجتمعات الأوروبية ترك الناس يتامى. وقد حاول الشعراء أن يعالجوا الوضع بقدر المستطاع. ولذلك فيمكن القول: بأن الشعر حل محل الدين في أوروبا بعد الثورة الفرنسية. لقد حل محله كعزاء للنفوس الحائرة، والضائعة. وكذلك فعلت الفلسفة وشتى الأنواع الأدبية الأخرى. ملء الفراغ في مثل هذا الجو من الفراغ الروحي أخذ الشعر يحتل مكانة ضخمة في النفوس، مكانة ما كان يعرفها سابقاً أبداً. فعصر التنوير مثلاً كان يعتبره تعبيراً عن طفولة الجنس البشري، بمعنى أن الشعر سينقرض في العصر الصناعي الوضعي: عصر التقدم العلمي والتكنولوجي. ولكنهم لم ينتبهوا إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الشعر في الانتقال بالبشرية الأوروبية من حال إلى حال. ضمن هذا الإطار يمكن أن نفهم الدور الكبير الذي لعبه لامارتين، وفيكتور هوغو، وذلك المنحوس الرائع الفرد دو موسيه في التاريخ الفرنسي المعاصر. فقد حلوا محل الكهنة المسيحيين في نظر الجمهور المثقف، وقدموا للناس الغذاء الروحي الذي ينقصهم بعد انحسار المسيحية والكهنة التقليديين من مطارنة وخوارنة.. إلخ. وهذا يعني أن الشعر أخذ يمثل مكانة المقدس في وعي الأوروبيين بدلاً من الدين الذي فقد مصداقيته بعد الثورة الفرنسية وسقوط النظام القديم. هكذا حل مقدس الشعر محل مقدس رجال الدين. من هنا أهمية الشعر الرومانطيقي وخطورته، فقد لعب دوراً أكبر بكثير من الدور التقليدي المعزو للشعر عادة، لقد أصبح كبار الشعراء في المرحلة الرومانطيقية قادة للضمير والفكر الإنساني. وبالتالي فينبغي أن نخرج من المفهوم الضيق للرومانطيقية لكي نفهم أبعاد هذا التحول الكبير الذي أصاب الشعر، أو بالأحرى الوظيفة الشعرية إذا جاز التعبير. فالرومانطيقية بالمعنى الذي نقصده هنا أكبر من ذلك بكثير. ولولا أن الشعراء المذكورين حلوا محل الكهنة في ملء وظيفة القداسة والتقديس لشعرت أوروبا بالفراغ الروحي الهائل، ولربما عادت إلى الكنيسة المسيحية من جديد. فالإنسان بحاجة إلى غذاء روحي مثلما هو بحاجة إلى الطعام والشراب. ولغة العلم والصناعة الجافة لا تكفيه، على عكس ما توهم الفلاسفة العقلانيون جداً. ولهذا السبب فإن الشعر الرومانطيقي استولى على اللغة المقدسة للدين وراح يهاجم اللغة الجافة والناشفة للعلماء والصناعيين الذين لا قلب لهم ولا إحساس. فلغة علماء الاقتصاد والتكنولوجيا تقتل الشعر. وضمن هذا الإطار نفهم عبارة لامارتين الشهيرة التي يقول فيها: أنا حزين جداً لأني ولدت في عصر الرياضيات وهذه المعادلات والأرقام! ومعلوم أن القرن التاسع عشر هو عصر العلم والفيزياء والكيمياء واختراع الكهرباء وبقية الآلات التكنولوجية والصناعية، إنه عصر لا يؤمن إلا بالعلم، بل ويعتقد بأن العلم سيحل محل الدين ويزيحه نهائياً عن عرشه. انظروا أرنست رينان وكتابه: مستقبل العلم. ولكن المشكلة هي أنه ليس بالعلم أو بالعقل وحده يحيا الإنسان! وإنما بالعواطف أيضاً والمشاعر المتدفقة والأحاسيس الإنسانية. من هنا أهمية الدور الذي لعبه شعراء الرومانطيقية الفرنسية في القرن التاسع عشر: لقد كانوا «أنبياء» للبشرية الأوروبية وقادة للشعوب. وهكذا راح الشعراء ينافسون على المكانة العالية ليس فقط الكهنة ورجال الدين، وإنما أيضاً علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات. الشاعر أصبح قائداً للأمة يقودها على طريق الخلاص. الشاعر ليس فقط شاعراً مطرباً.فلغة الشعر غير لغة العلم. والإنسان بحاجة إلى كلتيهما معاً وليس إلى واحدة منهما فقط. ولغة الشعر مليئة بالطراوة والجمال والنزعة العاطفية. أما لغة العلم فجافة، باردة، وأكاد أقول صقيعية. هنا يكمن مقتل الحضارة الغربية التي نسيت هذه الحقيقة. ولهذا السبب فإن كبار شعراء الرومانطيقية كفيكتور هوغو - مثلاً - كانوا يعتبرون أنفسهم بمثابة المنارات المضيئة للبشرية. وكانوا يعتقدون بأنهم محملون برسالة كونية إلى البشر لإضاءة الطريق لهم وسط دياجير الظلمات والخرافات والخزعبلات. وبالتالي فالشاعر لم يكن آنذاك فقط مطرباً أو مغنياً، وإنما كان أيضاً رسولاً يضيء للبشرية عتمات الطريق. وهذه الوظيفة الاجتماعية والسياسية والروحية المقدسة للشعر ظلت مستمرة حتى ظهور بودلير تقريباً. الخبز مقابل الشعر بعدئذٍ حصلت ثورة 1948 العمالية المضادة للبورجوازية، وأدت إلى إغلاق العهد القديم للشعر وفتح عهد جديد يتمثل في خيبة الأمل. ولم يعد الشاعر الرومانطيقي على طريقة فيكتور هوغو مقنعاً للجماهير الجائعة التي تطالب بالخبز. ولهذا السبب حلّ شعر الخيبة والسوداوية المريرة (أي شعر بودلير) محل شعر الحماسة والتفاؤل بالمستقبل (أي شعر فيكتور هوغو). وكل ذلك يعود إلى أسباب سياسية واجتماعية في الدرجة الأولى. أياً يكن من أمر، فإن دراسة تلك الفترة بشكل مطول وتفصيلي دقيق شيء مهم جداً؛ لأنها توضح لنا كيفية نشأة الحداثة في فرنسا على مدار القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهذا ليس بالشيء القليل. من هنا أهمية هذا الكتاب الضخم لبول بينيشو. ويا ليتهم يترجمونه إلى العربية بجزءيه الكبيرين اللذين يتجاوز كل واحد منهما الألف صفحة! إنه موسوعة وليس فقط كتاباً. إنه موسوعة الحداثة. يُضاف إلى ذلك أن هذه الدراسة لا تركز فقط على الشكل الشعري، وإنما على المضمون أيضاً. كما أنها تربط بين مضمون الشعر ومختلف الحركات الفكرية والفلسفية السائدة في القرن التاسع عشر: كالتيار الليبرالي مثلاً، أو التيار المسيحي الجديد، أو التيار الاشتراكي الصاعد، أو غير ذلك من التيارات الفكرية والأيديولوجية. إنها دراسة مهمة جداً لمن يريد أن يعرف كيف حلّت الحداثة محل الأصولية المسيحية في فرنسا وكل أنحاء أوروبا الغربية. روسّو.. العقل والجنون جان جاك روسو أستاذ الجميع. فهو مدشن الحساسية الرومانسية في الآداب الفرنسية والعالمية، وأية حساسية! كان روسو يغلي غلياناً، يذوب ذوباناً، حباً وعشقاً وهياماً. ولكنه في ذات الوقت كان المنظر الأكبر للعصور الديمقراطية والسياسية الحديثة. هل كان روسو رجلًا منفصم الشخصية؟ هل كان منقسما على نفسه؟ بدون شك. ولذا استطاع أن يجمع في شخصه بين رجاحة العقل وعبقرية الفكر من جهة/‏ وشطحات الجنون الرائع من جهة أخرى. كان يقبض على الماء والنار في آن واحد. ولذا فينبغي أن ندرس هؤلاء الشعراء ليس فقط من الناحية الفنية أو الجمالية وإنما أيضاً من الناحية الفكرية والايديولوجية والسياسية. هوغو.. والدين فيكتور هوغو لم يكن شاعراً فقط بالمعنى الغنائي والفني العذب للكلمة، وإنما كان أيضاً مفكراً وسياسياً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. ومعلوم أنه كان ضد الكهنة والمطارنة والخوارنة الذين يمثلون حزب الرجعية والجمود في نظره. ولكنه لم يكن ضد جوهر الدين أبداً ولم يكن مادياً ملحداً. كان مؤمنا بالله إيماناً عميقاً. كل ما في الأمر هو أن إيمانه كان غير إيمان عامة المتدينين والإخوان المسيحيين التقليديين.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©