يعمد الله تعالى في كتابه الحكيم إلى كلمتين من حقل دلاليّ واحد هما كلمة الإيمان وكلمة الإسلام وما اتّصل بهما. وقد اعتبر القدريّة والخوارج الإسلام والإيمان مثيلين دلاليّاً، حيث قالوا «إنّ الإسلام هو الإيمان فكلّ مؤمن مسلم وكلّ مسلم مؤمن، لقوله إن الدّين عند الله الإسلام، فدلّ على أنّ الإسلام هو الدّين، وأنّ من ليس بمسلم فليس بمؤمن» (1). على أنّنا خلافاً لهؤلاء، نعتبر أن مصطلحي الإسلام والإيمان متمايزان، ونستند في ذلك إلى صريح القرآن. فالله تعالى يقول: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ...» (الحجرات 49/‏ 14). إنّ هذه الآية تشير صراحة إلى إمكان أن يتّصف الإنسان بالإسلام ولا يتّصف بالإيمان، وهذا ما يجعل الصّفتين مختلفتين وإن اتّصلتا اتّصالاً وثيقاً كما سنرى. يتجلّى اختلاف الإسلام عن الإيمان في موضع قرآنيّ آخر، إذ يقول الله تعالى: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» (الأحزاب 33 /‏35). وإنّ عطف المسلمين والمسلمات على المؤمنين والمؤمنات، يدلّ على اختلاف الإسلام عن الإيمان، إذ أصل الشّيء أن لا يُعطف على نفسه. ويشير الدّارسون إلى أحد أحاديث الرّسول الّذي يضمر أنّ المسلم غير المؤمن. فقد «أعطى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجالاً ولم يعط رجلاً منهم شيئاً، فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلاناً، ولم تعط فلاناً شيئاً، وهو مؤمن، فقال النبيّ صلّى الله عليه وَسلّم: أو مسلم؟ حتى أعادها سعد ثلاثاً، والنبيّ صلّى الله عليْه وسلّم يقول: أوْ مسلم، ثم قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إنّي أُعْطِي رِجالاً وأدع من هو أحبّ إليَّ منهم، لا أعطيه شيْئاً مخافة أن يكبّوا في النّار على وجوههم» (2). وإنّنا إذ احتججنا للتّميّز الدّلاليّ بين الإسلام والإيمان، فسنحاول في هذا المقال أن نحدّد معنى المصطلحين وأن نبيّن الفروق بينهما من جهة والتّقاطعات من جهة أخرى، ذلك أنّنا نزعم أنّ الإسلام يرد بمعنى مختلف عن الإيمان حيناً، وبمعنى مرادف له حيناً آخر. الإسلام ليس الإيمان الإسلام ليس الإيمان، الإسلام انتماء إلى دين: يرى بعض الدّارسين أنّ الإسلام قول، والإيمان قول وعمل (3). فالمسلم قد يدخل إلى دين الإسلام خوف السّباء والقتل ولا يُتبع إسلامه بعمل يحدّده أغلب المفسّرين بالجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله تعالى (4). وبعبارة أخرى فإنّ هؤلاء يذهبون إلى أنّ الإسلام هو الإقرار بالشّهادتين دون ما يستتبعهما من عمل الصّالحات. أمّا الإيمان فهو مختلف عن التّصديق اللّساني لقول الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» (البقرة 2 /‏8). ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التّصديق اللسانيّ لما نفى الله عز وجلّ كونهم مؤمنين. (5) وإنّنا بغضّ الطّرف عن خلافات المفسّرين وصراعاتهم الفكريّة، نذهب إلى أنّ الإسلام في معناه الأوّل هو دين شأنه في ذلك شأن الأديان الكتابيّة كالنّصرانيّة واليهوديّة مثلاً. وهو الدّين الّذي جاء به محمّد بن عبد الله في سياق النّسب الدّينيّ الإبراهيميّ. وهذا الدّين، مثل كلّ الأديان له أركان وشعائر. والإسلام يفترض على الأقلّ الشّهادة، أي الإقرار بوجود الله تعالى ووحدانيّته، وبأنّ محمّداً رسول الله تعالى. ومن المفروض أنّ المسلم يُتبع اعتقاده بالعمل، وأساسُ هذا العمل الالتزامُ بأركان الإسلام صلاة وزكاة وصوماً وحجّاً، والاتّصاف بأخلاق المسلم بطاعة أوامر الله تعالى وتجنّب نواهيه. ويزخر التّاريخ الفكريّ للمسلمين باختلافات كثيرة في تحديد المسلم بين من يعدّ الشّهادة كافية لإطلاق صفة المسلم على المرء (6)، ومن يعدّ أنّ «من ترك الصّلاة متعمّداً فقد كفر» (7)، ومن يعتبر أنّ «تارك شيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد في النّار» (8 )، إضافة إلى من يرى أنّ «العاصي مخلّد في النار لكنّه لا يوصف بالكفر ولا بالإيمان ووصفوه بالفسق» أو بأنّه في منزلة بين المنزلتين. (9). وإنّنا نرى أنّ الخوض في مثل هذه المسائل من باب الغيب الّذي لا يعلمه إلا الله تعالى وحده، فمآل الناس في اليوم الآخر ممّا يُرجأ إلى إرادة الله عزّ وجلّ ومشيئته. وإنّنا نودّ فحسب أن نقتصر على تحديد صفة المسلم معتبرين أنّها تشمل على الأقلّ من ينطق بالشّهادتين صادقاً، وعلى الأكثر من يلتزم بأركان الإسلام الخمسة، مطيعاً أوامر الله تعالى، متجنّباً نواهيه. وإنّنا نرى أنّ الإسلام يدخل في باب ما يسميه الفلاسفة بالرّمزيّ (le symbolique)، وهو يشمل كل الأنظمة الرّمزيّة التي تحكم الإنسان، وعلى رأسها اللّغة. إن الدّين واحد من هذه الأنظمة الرّمزيّة لقيامه على أقوال وأفعال مخصوصة، وعلى شعائر مضبوطة، على المسلم الالتزام بها ليتحقّق انتماؤه إلى دين الإسلام. ومن سمات الرّمزيّ أيضاً أنّه جماعيّ باعتباره يجسّم أنظمة مشتركة بين الناس، وهذا شأن أركان الإسلام في بعض وجوهها، فالشّهادة التي تحقّق الانتماء تكون أمام سلطة الجماعة (10). والصّلاة يمكن أن تكون جماعة، والزّكاة تحرص على تحقّقها مؤسّسات جماعيّة، والصّوم وإنْ يكن فردياً يشمل كل المسلمين القادرين، والحجُّ رحلة جماعيّة. والقرآن الكريم إذ يشير إلى الإسلام يركّزه ضمن أطر جماعية: «وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ- أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ- تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (البقرة 2 /‏132-134). وإنّ الأعمّ الأغلب أن نجد في كتب التّراث الدّينيّ إشارات إلى أمّة المسلمين أو أمّة الإسلام أو الأمّة المسلمة لا إلى أمّة المؤمنين. وهم في ذلك ينهجون نهج القرآن الّذي ورد فيه دعاء إبراهيم وإسماعيل لله تعالى: «رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (البقرة2 /‏128). الإيمان هو الإسلام الفعليّ اتّفقنا على الإسلام مصطلحاً محيلاً على دين مخصوص وشعائر دقيقة والتزام فرديّ وجماعيّ. ولكنّ المتأمّل في كتاب الله الحكيم يجد أنّه إضافة إلى المعنى الدّينيّ الشّعائريّ للإسلام، فإنّ الله تعالى يعمد مرّات كثيرة في القرآن إلى فعل «أسلم»، وهو فعل مشتقّ من الجذر (س،ل،م) والمصدر من هذا الفعل هو «إسلام» لا بالمعنى الاصطلاحيّ وإنّما بالمعنى اللّغويّ. فمن ذلك قول الله تعالى: «بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ» (البقرة 2، 112)، وقوله عزّ وجلّ: «فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا» (الجنّ 72 /‏ 14). والإسلام بالمعنى اللّغويّ يفيد هنا التّسليم والاستسلام، وهو متّصل اتّصالاً وثيقاً بالدّين انطلاقاً من قوله تعالى: «وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ...» (النّساء 4/‏ 125). ولعلّ الإسلام بهذا المعنى هو التّجسيم الفعليّ للدّين. إنّ الإسلام هنا «إسلامٌ» لله، إنّ الإسلام هنا خضوع له عزّ وجلّ. وهذا ما يثبته اعتماد فعل «أسلم» في القصّة القرآنيّة المحيلة على رؤيا إبراهيم عليه السّلام بذبح ابنه. فقد قال إبراهيم لابنه: «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» (الصّافات 37 /‏ 102- 105). إنّ فعل «أسلم» المعتمد في الآية 103 من سورة الصّافات، مُسنداً إلى إبراهيم وابنه عليهما السّلام يفيد استسلاماً وخضوعاً لأمر الله تعالى. وأمر الله هنا ليس أمراً بسيطاً ولا يسيراً، إنّه أمر عظيم جلل، إنّه أمر للأب بأن يذبح ابنه. ومع ذلك، ورغم عسر الأمر فإنّ إبراهيم وأباه أسلما أي خضعا، وهذا ما عبّر عنه المفسّرون بأساليب مختلفة. فابن عبّاس يقول إنهما «استسلما» والطّبري يقول إنّهما «أسلما أمرهما لله وفوّضاه إليه واتّفقا على التّسليم لأمره والرّضا بقضائه» والزّمخشري يشير إلى الخضوع والانقياد. (11) هذا هو الإسلام في بعده العميق: طاعةٌ مطلقةٌ لله تعالى فعلاً، وقبول لكلّ ما يحلّ بالمرء من ابتلاء ومصائب. على أنّ هذا الإسلام العميق درجة عسيرة يتّصف بها الأنبياء والأصفياء، ويتموضع وفقها الإنسان في موضع المنفعل لأنّ الله تعالى وحده كفيل بشرح الصّدر لبلوغها: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ» (الأنعام 6 /‏125)، «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ...» (الزّمر39 /‏22). وإنّنا نرى أنّ هذا الإسلام في بعده العميق مرادف للإيمان، ذلك أنّ الإيمان لا يتجسّم في الرّمزيّ وإنّما هو من مجال الواقعيّ (Le Réel). والواقعيُّ هو ما لا يخضع للتّرميز أي إنّه بعبارة أخرى ما لا يمكن أن تعبّر عنه اللغة ولا يمكن أن يحيل عليه الكلام. والإيمانُ من الواقعيّ لأنّه لا يكون إلاّ في القلب مثلما يثبته القرآن في مواضع عديدة: «... مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ...» (المائدة 5 /‏41) و «... وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ...» (النّحل 16 /‏106)، و «... كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ...» (المجادلة 58 /‏22) و «... وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ...» (الحجرات 49 /‏14). وليس من الغريب حينئذ أن نجد الرّسول يسند الإيمان إلى القلب في عديد الأحاديث شأن قوله عن أنس: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» (12) إنّ الإسلام بمعناه الثّاني أي التّسليم بأن لا إرادة في الكون إلّا إرادة الله هو الإيمان. والإيمان من هذا المنظور ممّا لا يمكن أن ينقال، ولكنّه يتجسّم في إحساس المرء وشعوره، «فحقيقة الإيمان التّصديق بالقلب» (13). ولا يمكن أن يعرف هذا الإيمانَ قطعاً إلاّ اللهُ تعالى، أمّا الآخرون مهما كانوا فموقفهم منه ظنّي. وهذا ما يجسّمه قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار...»(الممتحنة 60 /‏10) (14). إنّ على المخاطَبين أن يمتحنوا المؤمنات وفق الظّواهر، أمّا ما خفي من السّرائر فلا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ. يقول الرّسول: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله وتقيم الصّلاة وتؤتي الزّكاة وتصوم رمضان وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً» (15). وهذه العناصر من باب الظّاهر الّذي يلتزم به المسلم، ونعني بالظاهر ما يتجسّم ظاهراً للعيان وما يمكن تحقيقه (vérifier) من قِبَل الآخر. ولا تخرج العبادات في بعدها التّقنيّ الوصفيّ عن باب الظّاهر. أمّا الإيمان، فإنّه وفق قراءتنا له من باب الباطن، ونعني بالباطن ما يحرّك كلّ أفعالنا دون أن يكون ظاهراً للعيان شأن الثّقة المطلقة في الله تعالى وقبول كلّ ضروب الابتلاء بقلب راض مطمئنّ. ويمكن أن تتّضح ثنائية الظّاهر والباطن التي نعتمدها في هذه القراءة إذا وسمنا الإسلامَ الشّكليّ الظّاهر من منظور التّحليل النّفسيّ بأنّه من مجال الوعي، وإذا وسمنا الإسلام الباطن أو الإيمان بأنّه من مجال اللاّوعي. إنّ التزام المرء بالعبادات والأعمال الصّالحات وشهادته بأن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً رسول الله إنّما هو من مجال ما يفعله الإنسان واعياً به متمثّلاً إيّاه، إنّه مجال الفعل الواعي. أمّا الإيمان بصفته استسلاماً تامّاً لإرادة الله تعالى، فهو نور يخترق قلب المرء، ويحقّق السّكينة والطمأنينة، وهو من مجال اللاوعي الّذي ينفعل به المرء ولا يفعله. إنّ الإسلام الشّكليّ هو أضعف الإيمان، وفي هذا الإطار نفهم قول الرّسول صلى الله عليه وسلّم إذ سئل: «فأيّ الإسلام أفضل؟ قال الإيمان». (16) واللهُ تعالى، من رحمته بالعباد، لا يحاسبهم إلاّ على ما هم جميعاً قادرون عليه ومطالبون به، ألا وهو مجال الفعل، أي مجال اعتناق الدّين والالتزام بأركانه وشروطه. ومن مظاهر ذلك أن الله تعالى لم يكتف بإنقاذ المؤمنين من قوم لوط وإنما أنقذ المسلمين منهم أيضاً. «فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (الذّاريات 51 /‏ 35-36). إنّ قول الله تعالى: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ...» (آل عمران 3 /‏85) يثبت الإسلام ديناً أوحد ولكنّه لا ينفي الإيمان بصفته التّسليم القلبيّ، وهذا التّسليم متعة روحانية تنضاف إلى الإسلام بما يمكّننا من تقريبه من مفهوم المتعة الإضافية التي تجسّم تخلّي الذّات عن المتعة الرّمزيّة اللغويّة في الخطاب لتلج مجال متعة أخرى لا تنقال. ولذلك نجد النّفّري يؤكّد أنّه «كلّما اتّسعت الرّؤية ضاقت العبارة». إنّ الإيمان ليس ديناً، فلا يُطلب من الناس الدّخول إلى دين الإيمان، وإنّما يُطلب منهم الدّخول إلى دين الإسلام بما هو انتماء جماعيّ قائم على أفعال مخصوصة وشروط مضبوطة. إنّ اعتناق الدّين هو درجة دنيا لازمة، أمّا الإيمان القائم على الثّقة والطّاعة التّامّة، فدرجة عليا لا يبلغها كل الناس. ولأنّ هذه الدرجة أرقى، فقد خاطب الله تعالى في كتابه الحكيم الّذين آمنوا ولم يخاطب الّذين أسلموا. ولأنّ هذه الدّرجة أرقى، صرّح الرّسول بأنّه يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان (17). إنّ مثقال الذّرّة على صغره كاف ليخرج صاحبه مع النار، وذلك لأنّه يتناسب عكسياً مع ثقل الإيمان وعلوّ قيمته. الإسلام حاصل بالقوّة يقول الله تعالى: «إنّ الدّين عند الله الإسلام» (آل عمران 3/‏ 19)، فكيف يمكن فهم هذه الآية في علاقة مع ما أسلفناه حول الإسلام والإيمان؟ يرد الإسلام في هذه الآية لا بمعناه الشّكليّ الشّعائريّ الظّاهر، وإنّما بمعناه الجوهريّ العميق الّذي أسلفنا، أي الخضوع المطلق لإرادة الله تعالى، أي الإيمان القلبيّ العميق الّذي يجعل المؤمن تقبل كلّ ما قد يبتليه به الله تعالى. وممّا يحتجّ لقراءتنا، أنّ القرآن يؤكّد في موضع آخر أنّ كلّ النّاس مسلمون، بل كلّ الكائنات مسلمة، وقد ورد هذا التّأكيد في سياق الإشارة إلى «دين الله» أي الإسلام. يقول الله تعالى: «أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» (آل عمران 2/‏ 83). إنّ دين الله ليس فحسب الإسلام الشّكليّ بشعائره وعلاماته الفرديّة والجماعيّة، ولكنّ دين الله هو الإسلام بمعنى التّسليم لله تعالى فعلاً، وهذا التّسليم لله تعالى هو الإيمان. على أنّ القرآن يذكّرنا هنا أنّ هذا الإسلام الجوهريّ الّذي يحقّقه بالفعل بعض من دخل الإيمان قلوبهم إنّما هو حاصل بالقوّة من قِبَل الكون كلّه. إنّ الكون كلّه من إرادة الله تعالى: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (يس 36/‏ 82). والكائنات كلّها مذعنة بالقوّة لهذه الإرادة الإلهيّة. (18)، ومن هذه الكائنات البشر الّذين هم جميعاً خاضعون لإرادة الله تعالى وإنْ رفضوا الإقرار بذلك. إنّ من يرفض قبول إرادة الله أو من يرفض التّسليم والإذعان هو في الحقيقة مسلم بالقوّة أو مسلم كرهاً كما يقول القرآن، وحتّى إذا لم يسلم البعض طوعاً، فإنّ عدم إسلامهم طوعاً هو نفسه ممّا شاءه الله تعالى، إذ «وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» (التّكوير81/‏ 29). إنّ تسليم الكون كلّه للّه حاصل مبدأ وجوهراً. وبعبارة أخرى، فبديهيّ أنّ «الدّين عند الله الإسلام» لأنّه لا وجود لمن لا يسلم. الفرق الوحيد بين النّاس هو أنّ بعضهم يُسلم طوعاً ويَدخل الإيمان في قلوبهم، والبعض الآخر يسلم كرها ويبقى مكابراً نافياً ما لا يمكن نفيه. إنّ الإسلام إضافة إلى معناه الاعتقاديّ والشّعائريّ، يفتح باباً روحانيّاً أعمق، هو باب طاعة الله تعالى والتّسليم لإرادته، وهذا المعنى الجوهريّ للإسلام هو ما يوسم بالإيمان بصفته درجة عليا ينشدها المسلم اختياراً وطوعاً، فيطمئنّ قلبه وتغمره السّكينة. ......................................... المراجع 1- أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار الفكر للطّباعة والنشر 2003 مج1 ج2، ص103. 2- أبو جعفر محمد بن جرير الطّبري: جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت، دار الكتب العلميّة 1992 ج11، ص400. 3- السّابق، الصّفحة نفسها. 4- السّابق ص400/‏401. 5- فخر الدّين الرّازي: مفاتيح الغيب، بيروت، دار الفكر 1985مج1 ج2، ص30. 6- «الرّجل لا يكون مسلماً حتّى يأتي بالشّهادتين أو ما يقوم مقامهما» تقيّ الدّين أبو العبّاس أحمد بن تيميّة: كتاب الإيمان، القاهرة، مطبعة السّعادة 1325هجرية، ص64. 7- حديث للرسول يستشهد به الرّازي في مفاتيح الغيب مج7 ج13، ص87. 8- الطّاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدّار التّونسيّة للنّشر 1984 ج1، ص268. 9- السّابق، الصّفحة نفسها. 10- نذكر في هذا المقام أنّ من يريد اعتناق الإسلام اليوم في تونس مثلاً يعلن ذلك أمام المفتي مثلاً، وهو سلطة شرعيّة تمثّل مؤسّسة جماعيّة من مؤسّسات الدّولة. 11- جامع البيان، ج 10، ص 508 – الزّمخشري، الكشّاف، لبنان، دار المعرفة، ج3، ص307. 12- كتاب الإيمان، ص3. 13- الجامع لأحكام القرآن مج8 ج16، ص251. 14- الرّازي يقول عن علمهم: «العلم الذي هو عبارة عن الظنّ الغالب بالحلف وغيره». انظر مفاتيح الغيب مج15 ج29، ج306. ويقول الزّمخشري: «فابتلوهنّ بالحلف والنّظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهنّ». الكشّاف ج4، ص88. 15- كتاب الإيمان ص2. 16- السّابق، الصّفحة نفسها. 17- مفاتيح الغيب مج1 ج2، ص30. 18- نذهب إلى أنّ هذه الآية لا تعرض فحسب للإنسان وإنّما لكلّ ما في الكون. وقد يذهب البعض مذهباً آخر محتجّاً بأنّ الله تعالى أشار إلى «من في السّماوات والأرض»، ولم يشر إلى «ما في السّماوات والأرض». ومعلوم أنّ «من» موصول للعاقل في حين أنّ «ما» موصول لغير العاقل. على أنّ ما قد ينساه هؤلاء هو أنّ الله تعالى يستعمل في حال الإشارة إلى الكلّية اسم الموصول «من» بمعنى مطلق يحيل على العاقل وعلى غير العاقل. فمن ذلك مثلاً قوله تعالى: «كلّ من عليها فان- ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام» (الرّحمان، 26-27). فبديهيّ أنّ الفناء سيطال كلّ «موضوع» بالمعنى الفلسفيّ لهذه الكلمة.