صحيفة الاتحاد

دنيا

المنذر بن سعيد البلوطي معلم الملوك وراية الحق

صورة تخيلية لـ«المنذر بن سعيد البلوطي»

صورة تخيلية لـ«المنذر بن سعيد البلوطي»

كان منذر بن سعيد فقيهاً محققاً وخطيباً بليغاً مفوهاً ولعدله وإنصافه وحرصه على الدين صار من رجال القرن الرابع الهجري•

ولد أبو الحكم المنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي قاضي الجماعة بقرطبة في سنة 265 هـ وينسب إلى قبيلة يقال لها كزنة وهو من موضع قريب من قرطبة يقال له فحص البلوط• ويقول الدكتور عبدالحليم عويس -أستاذ الحضارة بجامعة الأزهر- إن البلوطي بدأ طريقه في طلب العلم بحفظ القرآن وتلقى دروسه الأولى في الفقه والأصول والكلام والحديث على أبرز علماء قرطبة وسمع عن عبيد الله بن يحيى وواصل تحصيله حتى ضلع في العلم وأصبح من أعلام العلماء وشرع يلقى دروسه بمساجد قرطبة وبلغت شهرته الآفاق وعرف بسعة العلم وكان فقيهاً محققاً وخطيباً بليغاً مفوهاً•

خطيب بارع

أسند إليه الخليفة عبدالرحمن الناصر قضاء الجماعة بقرطبة في شهر ربيع الآخر سنة 339 هـ، وظل قاضياً إلى وفاة الناصر وأقره المستنصر في القضاء وشهد له بالعدل والاستقامة والترفع عن المغريات، وكان ظاهري المذهب ومع ذلك لم يكن يخرج في قضائه عن مذهب مالك وكان صلباً صارماًِ غير هياب ولا يخاف في الله لومة لائم في استخراج حق ورفع ظلم واستعفى مراراً من القضاء فما أعفي، قال عنه ابن بشكوال:«منذر بن سعيد خطيب بليغ مصقع لم يكن بالأندلس أخطب منه مع العلم البارع والمعرفة الكاملة واليقين في العلوم والدين والورع وكثرة الصيام والتهجد والصدع بالحق• كان لا تأخذه في الله لومة لائم»، وذكره أمير المؤمنين الحكم المستنصر فقال:«كان فقيهاً فصيحاً خطيباً لم يسمع بالأندلس أخطب منه وكان أعلم الناس باختلاف العلماء»•

مواقف مشهودة

ظهر عدله وورعه وحرصه على تطبيق الشريعة في الكثير من المواقف، يروى أن الناصر أراد أن يبني قصرا لإحدى نسائه وكان بجوار المكان دار صغيرة وحمام لأيتام تحت ولاية القاضي، فطلب شراءه فقالوا:«إنه لا يباع إلا بإذن القاضي»، فقال القاضي:«لا، إلا بإحدى ثلاث: حاجة الأيتام أو وهن البناء أو غبطة الثمن»، فأرسل الخليفة خبراء قدروهما بثمن لم يعجب القاضي فأباه وأظهر الخليفة العدول عنهما والزهد فيهما وخاف القاضي أن يأخذهما جبرا فأمر بهدم الدار والحمام وباع الأنقاض بأكثر مما قدر الخبراء، وعز ذلك على الخليفة وقال له:«ما دعاك إلى ذلك؟»، قال:«أخذت بقول الله تعالى:«أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا» الكهف 79، لقد بعت الأنقاض بأكثر مما قدرت للدار والحمام وبقيت للأيتام الأرض فالآن اشترها بما تراه لها من الثمن»، قال الخليفة:« أنا أولى أن أنقاد إلى الحق فجزاك الله عنا وعن أمتك خيرا»• ويحكى انه لم كان يخطب للاستسقاء والقحط أصاب قرطبة وعم البلاء فقال لأحد أتباعه اذهب للناصر وانظر ما حاله الآن وانظر أمير المؤمنين ما يفعل فلما اقترب الغلام من قصر الناصر بالزهراء وجده يعفر وجهه بالأرض ويدعو ربه سبحانه ويقول:«يا رب لا تعذبهم بي ناصيتي بيدك»، ورجع الغلام مستبشرا لشيخه وقص له ما رأى فقال:« ما رأيناه قط أخشع منه في يومنا هذا إنه لمنفرد حائر لابس أخشن الثياب مفترش التراب قد رمى منه على رأسه وعلى لحيته، يبكي ويستغفر ويقول: يا رب هذه ناصيتي بين يديك، فإن أذنبت أراك تعذب الرعية بذنبي وأنت أحكم الحاكمين، وأنت قادر علي ولن يفوتك شيء مني؟ فتهلل وجه القاضي وقال لغلامه: اذهب فاحمل الممطر-أي المشمع- فقد أذن الله بالسقيا، وقال كلمته البليغة: « الحمد لله اذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء» وما هي الا ساعة حتى عمهم الغيث ونزل المطر والخير•

تأخر عن الصلاة

كان الخليفة عبدالرحمن الناصر شغوفاً بالعمارة وإقامة المعالم وبناء الدور ومن ذلك أنه بني مدينة الزهراء واستفرغ جهده في تنميقها واتقان قصورها وزخرفة مصانعها حتى ترتب على اهتمامه بذلك الأمر وإشرافه عليه بنفسه أن تأخر عن صلاة الجمعة ثلاثة أسابيع متوالية فلم يصلها مع منذر بن سعيد وكان يتولى الخطابة والقضاء فأراد منذر أن يعظ الخليفة ويكسر غروره ويحاسبه على إنفاقه الأموال الطائلة في التشييد والعمارة وعلى انشغاله بذلك عن الإقبال على الله فلما كان يوم الجمعة وحضر الخليفة صعد منذر المنبر فبدأ الخطبة بقول الله تعالى:«أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون»، واسترسل يقول: لا تقولوا كما قال الكفار: «سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين»، و«قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا». ومضى يذم الإسراف في تشييد البناء والعناية بالزخرف بلهجة شديدة ثم تلا قول الله عز وجل:«أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين» - سورة التوبة• إلا أن الخليفة الناصر غضب في نفسه من القاضي وشكا إلى ولده الحكم ما لقيه منه، وقال: والله لقد تعمدني بالكلام وقد أسرف علي وبالغ في تقريعي• وأقسم ألا يصلي خلفه مرة أخرى، وصار يصلي خلف أحمد بن مطرف خطيب جامع قرطبة بجانب الصلاة في الزهراء• عند ذلك قال له الحكم: ما الذي يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك إذا كرهته؟ ولكن الخليفة قال للحكم بعد أن زجره: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد هذا ما لا يكون، وإني لأستحيي من الله ألا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه ولكن أحرجني فأقسمت ولوددت أن أجد سبيلا إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله تعالى، فما أظننا نعتاض عنه أبدا• وترك منذر بن سعيد مصنفات جليلة منها كتاب «الانباه عن الأحكام من كتاب الله»، و«الإبانة عن حقائق أصول الديانة»، وتوفي في ذي الحجة سنة 355 هـ.