الاتحاد

دنيا

انفراد أول مجلة للمكفوفين بطريقة برايل

المراغي والزياتي يراجعان الموضوعات على الجهاز الصوتي الملحق بالكمبيوتر

المراغي والزياتي يراجعان الموضوعات على الجهاز الصوتي الملحق بالكمبيوتر

انطلقت هذه المجلة بنور البصيرة لا البصر، وكانت أشبه بحلم بعيد المنال، فهي مطبوعة في يد كل ''كفيف'' يقرأها بنفسه ولا يبحث عمن يقرأها له·
صاحب الحلم مبصر، حلم مع المكفوفين وواصلوا الليل بالنهار ليرى حلمهم النور حتى ولدت ''انفراد'' أول مجلة مصرية وعربية بطريقة ''برايل'' ويبقى الأمل في أن تستمر·
''منذ طفولتي لدي احساس عميق بأن حاسة البصر من أهم الحواس· وشغلتني دائما حقوق فاقدي البصر''· هكذا تحدث الصحفي الشاب أحمد المراغي رئيس تحرير المجلة ومؤسسها، مؤكداً اعتزازه بالتجربة التي تعلم منها الكثير، وتحمس لها بحسه الصحفي ومشاعره· ومعترفاً أن هذه المجموعة من المكفوفين قادته إلى طريق الأمل ليعبر بهم إلى عالم رحب، وتعاونوا جميعا لتحقيق ''الانفراد'' وتعاهدوا على تحدي العقبات·
وقال المراغي: ''جاءت فكرة المجلة مصادفة، فقد تعطلت سيارتي ذات يوم واضطررت إلى ركوب ''تاكسي''· وتصادف ان ركب معي احد المكفوفين· تبادلنا حديثا سريعا عرفت منه ان اسمه ''سامح'' وأنه يعمل في مطبعة بطريقة ''برايل''، وعرف أنني صحفي· وسرعان ما اخترقت قلبي وسمعي كلماته المباشرة التي تملؤها الحسرة والمرارة: ''تصور أننا لا نملك صحيفة واحدة للمكفوفين أو حتى مجلة· وهي امنية نحلم بها منذ سنوات لأن قراءة الصحف متعة''· وقلت له: لو تحققت الفكرة ستصبح ''انفرادا'' في عالم الصحافة وسيطر عليّ الحلم وبدأت أخطو لتحقيقه''·
وأضاف: ''التقيت في اليوم نفسه بأحد جيراني وهو كفيف حاصل على درجة الدكتوراه وزوجته حاصلة على مؤهل جامعي· وشكا لي تأخر الصبي الذي اعتاد أن يقرأ له الصحف· ولم يمر سوى يومين لأجد عاملا في ''جراج'' عمومي يحدثني عن واحدة من بناته حُرمت نعمة البصر ولكنها اجمل شقيقاتها واكثرهن تفوقا في الدراسة، وتحلم بأن تقرأ مجلة مثل اشقائها، ووجدت نفسي مدفوعا نحو التجربة مهما تكلفت من جهد''·
لم يكن الحلم سهلاً ولا الدروب كانت مفروشة بالورد، بل واجه الحلم عقبات كثيرة، على حد قول المراغي: ''اكتشفت ان التعامل مع المكفوفين ليس مشكلة فقد لمست لديهم دقة واخلاصا في العمل اكثرمن المبصرين ويتميزون برغبة قوية في التحدي· وكان التحدي الحقيقي لي هو عامل الوقت، حيث إن طريقة ''برايل'' تحتاج الى وقت كبير للطباعة (طبع ألف عدد يستغرق 15 يوما تقريبا) وهي فترة طويلة في العمل الصحفي خاصة عندما نحتاج إلى طبع كمية أكبر في الأعداد المقبلة''·
كانت تلك واحدة من المشكلات أما المشكلة الثانية فهي ''التكلفة المادية العالية لأن الورق المميز الذي يتحمل التثقيب على وجهي الورقة يفوق في كلفته الورق العادي المستخدم في المطبوعات الصحفية، ما يضاعف التكلفة ثلاث مرات عن أي مجلة عادية· ورغم ان المطبعة التي اتعامل معها ذات امكانيات محدودة فإن العاملين واصلوا الليل بالنهار لنصدر العدد الأول من ''انفراد'' في 62 صفحة· وجاء الاستقرار على الاسم وعلى ابواب المجلة وموضوعاتها بعد اجراء عدة بروفات''·
لم يتوقف المراغي كثيراً أمام المادة وضمانات الاستمرار لأنه ''على يقين بأن التجربة تستحق أن ترى النور، وسوف تجد من يدعمها ويتحمس لها خاصة انها ذات بعد انساني واجتماعي بجانب العمل الصحفي· ولذلك اخذت على عاتقي اصدار أول عدد على نفقتي الخاصة، وفوجئت أثناء الاعداد بما توقعت حيث تجاوبت مؤسسة أبو العينين العريقة مع الفكرة، وأبدى المسؤولون في المؤسسة استعدادهم للمساهمة في طبع العددين الاول والثاني·
''انفراد'' تشمل كل ألوان الفن الصحفي مثل الخبر والتحقيق والمقال وصفحات الكمبيوتر والرياضة والادب والثقافة والفن· وتخلو من أي إشارة ''للعاهة'' بناءً على رغبة المعاقين أنفسهم الذين رفضوا حتى فكرة وجود زاوية او باب يتضمن مشاكلهم فهم يريدون صحافة خالصة مثل أي اصدار صحفي يخرج للانسان العادي·
وعن الصحفيين المشاركين في تحرير المادة قال: ''بدأنا في العدد الاول بالاستعانة بثلاثة صحفيين مكفوفين بجانب الصحفيين المحترفين· وبعد صدور العدد الاول تقدم عشرات المكفوفين للعمل في المجلة، وكنت حريصا على منح المكفوفين مكافآت ليشعروا بأنهم يمارسون عملا حقيقيا بينما رفض الصحفيون الحصول على أي مكافأة مالية''·
وحول ردود فعل قراء المجلة يقول: ''لأنها التجربة الصحفية الاولى في مصر قررت مبكرا أن أتحاشى الفرحة التي قد تكون بمثابة رد فعل طبيعي باعتبارها حدثا، وكنت أنتظر التركيز على المقترحات والسلبيات والانتقادات حتى نطور أداءنا وخدماتنا· وبرغم أنه العدد الاول فقد فوجئنا بتفاعل ايجابي لم نكن نتوقعه من المكفوفين حيث تلقينا كثيرا من الاقتراحات والافكار لا تخرج الا من قراء محترفين ملمين بكل فنون الصحافة وهي محل الدراسة والتنفيذ''·
ويبرر احمد المراغي غياب الصورة عن المطبوعة قائلا: لا توجد طريقة ليتعرف بها الكفيف على الصورة والالوان ولذلك نراعي ان تتضمن المادة الصحفية وصفا دقيقا حتى يتخيل القارئ ما نهدف اليه والمادة الصحفية يتم توضيبها تباعا على شكل موضوع تلو الآخر يفصلهما خط طويل من الثقوب ينهي ما قبله· أما الزوايا والاعمدة والبراويز فهي لا وجود لها في طريقة ''برايل'' والقراءة تبدأ من اليسار الى اليمين مثل الانجليزية·
إلى جانب الخدمة الصحفية، تبنت مجلة ''انفراد'' عدة مشروعات بهدف اختراق مجتمع المكفوفين وتعميق التواصل مع العالم من حولهم مثل: مشروع ''كفيف وهاشتغل''، ومشروع ''محو أمية كل كفيف''، واعلان ''عام للكفيف العربي'' ينطلق من القاهرة إلى كل العواصم العربية·

اقرأ أيضا