الاتحاد

تقارير

بنجلاديش··· والاستحقاقات المؤجلة

الاستقرار مطلب دولي في بنجلاديش

الاستقرار مطلب دولي في بنجلاديش

فيما تبحث وكالة الاستخبارات الأميركية ''سي· أي· إيه'' ووزارة الدفاع عن أسامة بن لادن في الجبال الشمالية الغربية لباكستان، يتردد في بعض وسائل الإعلام الغربية، أن إحدى الجماعات المتحالفة مع تنظيم ''القاعدة'' تعكف على بناء معسكرات سرية في أدغال بنجلاديش· فقد كان ''فضل الرحمن خليل''، الزعيم المؤسس لـ''حركة الجهاد الإسلامي في بنجلاديش'' أحد الموقعين الستة على أول بيان أطلقة ''بن لادن'' يدعو فيه إلى شن حرب مقدسة ضد الولايات المتحدة في 23 فبراير ·1998 وقد أفادت دراسة أعدتها وزارة الخارجية الأميركية أن ''حركة الجهاد الإسلامي في بنجلاديش'' تربطها صلات مع تنظيم ''القاعدة''· ويقر المسؤولون في الإدارة الأميركية، سرّاً على الأقل، بالدور الذي تلعبه عناصر ''حركة الجهاد الإسلامي في بنجلاديش''، من خلال الأدلة التي تقدمت بها نيودلهي، في تنفيذ هجمات داخل الهند، مثل تلك التي وقعت في مومباي وباناراس في عام ،2006 أو العملية التي نفذت بمدينة حيدرأباد في عام ·2007
ومع تواتر المعلومات التي تفيد تورط ''حركة الجهاد الإسلامي في بنجلاديش'' في عمليات إرهابية، فشلت الولايات المتحدة على نحو واضح في الضغط على ''دكا'' أو على الحاكم العسكري الجنرال ''معين أحمد'' لملاحقة عناصر الحركة، وإقالة مسؤولين كبار في جهاز الاستخبارات، قد يكونون على علاقة بالحركة الإسلامية المتشددة· وكان الجنرال ''معين أحمد'' قد قاد انقلاباً أبيض في يناير من عام ،2007 مجبراً الرئيس على منحه سلطات واسعة وفرض حالة الطوارئ في البلاد· وإذا كانت إدارة بوش قد ضغطت على الجنرال لتنظيم انتخابات في الموعد الذي كان قد تعهد به عقب الانقلاب وحدده في شهر ديسمبر المقبل لإعادة السلطة إلى حكومة مدنية، إلا أنها في الوقت نفسه تجاهلت المحاولات السافرة التي يقوم بها النظام العسكري للتأثير على الانتخابات ونتائجها·
فالنظام يناور حالياً من أجل ضرب أكبر حزبين علمانيين في البلد، ''عصبة عوامي''، التي تعارض بشدة تمدد نفوذ الإسلاميين، و''حزب بنجلاديش الوطني''· وفي هذا السياق منع الجنرال ''أحمد'' قيادة الحزبين من ممارسة النشاط السياسي، لاسيما ''حسينة واجد''، و''خالدة ضياء''، وهو يسعى في هذه الأثناء إلى تشكيل حزب سياسي جديد على صلة بالجيش لمواجهة الحزبين الرئيسيين، وللتضييق عليهما في الانتخابات المقبلة· وباستخدام سلطاته الواسعة يقوم النظام بملاحقة القادة المحليين للحزبين، وإلقاء القبض على النشطاء السياسيين، فضلاً عن توجيه وسائل الإعلام ومنعها من مزاولة مهامها، فيما تمارس الحركات الإسلامية المتشددة، نشاطاتها دون تضييق، أو ملاحقة· وبغضها الطرف عن ممارسات النظام في بنجلاديش ومحاولات مصادرة الحياة السياسية والتحكم فيها تكون إدارة الرئيس بوش قد أعلنت يأسها من إمكانية إنهاء الحكم العسكري في البلاد، وإرساء الديمقراطية هناك· والحقيقة أن الوقت مازال مبكراً للتخلي عن آمال تكريس الديمقراطية في بنجلاديش، حيث يغلب الوعي السياسي على السكان بسبب نضالهم الطويل من أجل الاستقلال عن باكستان بعد أن شهدت البلاد منذ ذلك التاريخ تنظيم ثلاثة انتخابات حرة، كما أثبتت التجربة أن نظامين عسكريين سابقين لم يعمرا طويلاً·
وباعتبارها رابع أكبر بلد إسلامي في العالم بعدد سكان يصل إلى 150 مليون نسمة تكتسي بنجلاديش أهمية قصوى بالنسبة لأمن الولايات المتحدة، لاسيما وأن ''حركة الجهاد الإسلامي في بنجلاديش'' وقوى إسلامية أخرى متشددة ظلت تربطها علاقات قوية مع الحركات الإسلامية المناوئة لأميركا في باكستان، وهي صلات سابقة على تاريخ انفصال بنجلاديش عن باكستان في عام ·1971 فقد وقف الإسلاميون في بنجلاديش إلى جانب إسلام أباد في الصراع من أجل الاستقلال، وظلوا بعد ذلك لعبة في يد الاستخبارات الباكستانية لمضايقة الهند· وعندما حاول الصحفيون الأحرار في بنجلادش الإشارة إلى العناصر المتعاطفة مع الحركات الإسلامية وعلاقتهم بإسلام أباد تلقوا تهديدات بالقتل، بل وتعرضوا لمحاولات اغتيال· وهذه المضايقات وثقتها بشكل مفصل ''لجنة حماية الصحفيين'' التي تتخذ من أميركا مقرّاً لها، ولعل أوضح مثال على ما يعانيه الصحفيون هناك هو ما تعرض له الصحفي ''تنسيم خليل'' الذي عمل كمراسل لمحطة ''سي· إن· إن'' في العاصمة ''دكا''، حيث احتجز سرّاً طيلة 22 ساعة، وتعرض لضرب مبرح، ليرغم أخيراً على مغادرة البلاد، بعد أن كشف تأثير الإسلاميين السلبي·
ويشير المدافعون عن النظام إلى تنفيذ السلطات حكما بالإعدام بحق أربعة قادة إسلاميين العام الماضي، لكنهم ينسون أن الحكم نفذه بعد أن اتصل هؤلاء القادة بالإعلام وهمُّوا بكشف صلاتهم مع أطراف داخلية عديدة· ويجادل الجيش في تبرير سيطرته على مقاليد الأمور بأن الأنظمة السابقة كانت فاسدة، ولم تمارس سوى ''ديمقراطية إقطاعية'' طغت عليها مظاهر الفساد والمحسوبية وتشكيل ميليشيات خاصة تابعة للزعماء السياسيين· ويواصل أنصار الجيش أن انقلابهم في عام 2007 كان ضرورياً لأن الحكومة الأخيرة التي ترأسها ''حزب بنجلاديش الوطني'' كانت تهيئ لتزوير الانتخابات· لكن بموجب الدستور في بنجلاديش يتعين إجراء انتخابات في غضون 90 يوماً من تاريخ حل البرلمان، ويمكن تمديد فترة الطوارئ 90 يوماً أخرى لا أكثر، وبما أن البرلمان حُل في 27 أكتوبر 2007 فإن الحالة فاقدة للشرعية الدستورية منذ أبريل من عام ·2007
وفي خضم كل هذا التجاذب المحتدم والاستحقاقات المؤجلة يتعين على الولايات المتحدة والدول المانحة استخدام نفوذها للضغط على النظام في بنجلاديش لإنهاء حالة الطوارئ، وتنظيم الانتخابات خلال موعدها المحدد في شهر ديسمبر القادم·

سيليج هاريسون
باحث في مركز وودرو ويلسون الدولي للدراسات
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا