الاتحاد

ما الذي يهزم فينا؟


عندما نفقد آباءنا لماذا يخلو العالم حولنا وتفقد الأشياء أهميتها وتسقط ألوان حياتنا ولا يبقى منها سوى سواد الاحساس بالوحدة والانهزامية؟ لماذا نشعر بمنتهى الضعف وقلة الحيلة والهوان على الدنيا والناس·· ما الذي يهزم فينا؟؟
أهي العزوة والسند ودفء الإحساس بالانتماء؟ أهي الجدران التي تحمينا برد الغربة وتقلبات الأمزجة وفيض الحقد والغيرة ممن لا يخلص لنا ود؟
أم هو الحب الذي لا تعصف به أهواء والعطف الخالص دونما منِّه أو استكثار؟
ما الذي يهزم فينا؟ أهو الحدب علينا والخوف على صالحنا واحتوائنا واحتمال كل سيئ يصدر عنا بقصد أو بدون قصد ؟ ولماذا يترك آباؤنا فراغا هائلا في نفوسنها لا يملأه سوى اجترار الذكريات واستدعاء المواقف والقفشات وأوقات السعادة والصفاء ونحن نلقي بكل هموم العالم في أحضانهم ونتمنى عليهم فيلبون ونطلب فتمتد أياديهم بالعطاء·
ولماذا نفقد الاطمئنان بعدهم فنشيخ قبل الأوان وندرك فقط معنى المسؤوليات ونحاول القيام ببعض من دورهم تجاه ذوينا ومن يهمنا أمرهم·
ولماذا نشعر بعيدا عنهم بالخوف والبرد والوحدة دونما سابق عهد بمثل هذه الأحاسيس القاتلة في حياتهم؟
ولماذا يرفض داخلنا التسليم بأحقية الموت ان امتدت يده تنهي حياة آبائنا ولطالما واسينا غيرنا بالكثير والكثير عن جدوى الصبر واحتساب الأجر عند الله وان كلنا أموات أبناء أموات؟
هل هو الموت بغتة أم انه الاحساس الدفين بالاحتياج الدائم لهم ولوجودهم في حياتنا حتى وان اشتد عودنا وأخذنا ندور في فلك الحياة؟
كبرنا وتزوجنا وأنجبنا وتعلمنا الصمود أمام الكثير من عقبات الحياة وأصبحت لنا دنيانا وأصدقاؤنا وتجاربنا ولكننا نبقى دائما صغار آبائنا يتألمون لآلامنا ويتضرعون لله دعاءً لنا وحدنا ويتمنون الأفضل والأحسن لنا قبل غيرنا ويتحملون منا ويؤثرون على أنفسهم رضاءً لنا·
فجأة يرحلون·· دون ان يعلمونا كيف نعوّد حياتنا دونهم·· يرحلون قبل ان يمنحونا الفرصة الكاملة لمنحهم ورد لكل أيامهم يرحلون فنجلد أنفسنا بأخطائنا في حقهم وانشغالنا عنهم بحياتنا يرحلون فنحبهم أكثر وننتمي اليهم أكثر ونترحم عليهم وندعوا لهم وفجأة تشعر بأنك أنت الأب ومن رحل عنك ابنك الذي تشفق عليه فتدعو الخالق ان يرحمه بحق كل ما فعله لأجلنا·· فيا كل الآباء ربما كان هذا قدركم منذ الأزل تمنحونا حياتكم لنحيى وتنسون أنفسكم ليعلو شأننا وتضحون بكل غال وعزيز من أجل سعادتنا·
ولكن عزاءَكم فينا اننا أبناؤكم نشهد لكم عند ربكم بكل ما فعلتموه لأجلنا، عزاؤكم اننا وبمنتهى الألم لفراقكم ما زلتم بيننا وما زلنا لا نحب كما نحبكم فلتهدأ نفوسكم ويرحمكم الله عز وجل ويرحمنا معكم ·
أمل المنشاوي
صحفية مصرية - أبوظبي

اقرأ أيضا