الاتحاد

دنيا

إعدام الشيطان

حزم حقائبه وبها ملابسه القليلة وقرر الهجرة إلى العاصمة حيث فرص العمل الكثيرة والمتنوعة، فقد أنهى دراسته الجامعية وحصل على الليسانس، ولا يريد أن يكون مثل المئات ممن سبقوه بالتخرج منذ سنوات وما زالوا متعطلين يتسكعون في الشوارع بين المقاهي والأرصفة وأجهزة الكمبيوتر التي أدمنوها ويقضون الساعات أمامها، وكما أن هذه التفاهات لا يملك نفقاتها، فأسرته فقيرة جدا، عانت الأمرين إلى أن تمكن من إنهاء تعليمه، لذلك لم يكن اختياره السفر من قبيل الاجتهاد والسعي وإنما هروب من الضيق إلى السعة في المدينة، لم يكن أمامه غير خاله المقيم في العاصمة منذ سنوات طويلة، هاجر إليها واستقر واستطاع أن يؤسس مشروعاً تجارياً ناجحاً، وقليلاً ما يزور القرية فهو لا يعود إليها إلا في الأفراح والأتراح أي المناسبات.
واستقل «عشري» القطار وارتمى بين الركاب، بالكاد وجد مقعداً خالياً بجوار النافذة استند برأسه على ظهر يده وهو يراقب الأشجار والبنايات ويفكر في أحداث الماضي وما عاناه في طفولته التي لم يعشها ولم يستمتع بألعاب الصغار، ولم يحصل على مصروف ولم تكن لديه يوماً لعبة خاصة ثم سرح بخاطره في المستقبل المجهول، وهو لا يدري إلى أين يسير، وأين يستقر به المطاف، فهو لا يعرف في العاصمة إلا هذا الرجل الذي هو خاله، ولا يعرف أين يضع أقدامه، ولا إلى أين يتجه، ما يقرب من ثماني ساعات كانت فترة رحلته الشاقة من الجنوب إلى المدينة بأضوائها المبهرة، والكباري الملتوية والجسور المتداخلة مثل الثعابين.
في محطة القطارات الرئيسية توقف لحظة بعد وصوله وأخرج ورقة من حافظته ليراجع عنوان سكن خاله وأمسكها في يده حتى استقل التاكسي وطلب توصيله إليه، طرق الباب فتح الطفل «زياد» ابن العاشرة الباب فوجد «عشري» هذا الضيف أمامه وهو يعرفه لأنه ابن عمته فصاح فرحاً بقدومه وهرع إلى الداخل يبشر أخته الصغيرة «شهد» ويخبر أباه وأمه، رحب به الجميع وأعدت له زوجة خاله العشاء فقد كاد يموت جوعاً من طول رحلة السفر، بينما خاله يستفسر منه عن أحوال أهل القرية والأحداث التي دارت فيها خلال الأشهر الماضية، وبعدها راح في نوم عميق في الغرفة المعدة للضيوف من ذوي القربى الذين اعتادوا الزيارة والمبيت.
وفي ظهيرة اليوم التالي استأذن خاله في أن يذهب إلى صديقه الذي كان زميلاً له في الجامعة وأخبره أنه يعمل في إحدى شركات الطيران العالمية ليساعده في الحصول على فرصة عمل مناسبة، وأجرى به اتصالاً هاتفياً وتم تحديد موعد للقاء الذي كان حاراً لكن نتيجته كانت باردة مخيبة لآماله، عندما اكتشف أن صديقه هذا مجرد عامل في مطعم الشركة وليس في وظيفة ذات قيمة تتيح له التوسط لتوظيفه، فرجع باليأس من فشل أول خطوة كان يعلق عليها آمالاً كبيرة، ولاحظ خاله عليه ذلك عندما عاد في المساء بخفي حنين، فعرض عليه حلاً مؤقتاً يدر عليه دخلاً لحين الحصول علي وظيفة مناسبة، أن يعمل معه في ورشة إصلاح السيارات التي يمتلكها فيمكنه أن يساعده وقبل «عشري» هذا العمل وهو يرفضه من داخله لأنه يريد أن يعمل بالمؤهل الجامعي، لكن وجد في حنان خاله ورعاية زوجة خاله سلوى لأحزانه، وصبراً على الواقع فقد أحاطاه بكل اهتمام كأنه ابنهما لكنه لم يحفظ لهما ذلك ولم يقابل الإحسان بالإحسان، بل بالخيانة والغدر، فقد امتدت يداه إلى أموال خاله يسرقها ويستولي على عائد الورشة بجانب المعاملة السيئة للمترددين والعاملين فيها، وشعر خاله بذلك فواجهه وحذره لكنه لم يرتدع، فكرر له النصح فلم يتوقف، فاضطر لطرده لأنه استنفد معه كل الطرق الودية، فاعتبر ذلك إهانة له خاصة لأنها حدثت أمام العاملين ولم يتورع أن يهدد خاله ويتوعده وترك المكان وعاد إلى بلدته بعد عدة أسابيع كما جاء.
لكن كل ما يشغل باله كيف يرد لخاله ما اعتبره صفعة وجرحاً لكرامته وامتلأ قلبه بالحقد والغل، ونسي الأيدي التي احتضنته وامتدت إليه بالحنان والرعاية، وسيطرت عليه الحماقة التي أعيت من يداويها، وسيطر الشيطان على رأسه واستقل القطار في رحلته الثانية متجهاً إلى القاهرة ليس إلا لينتقم، ليس في باله إلا التدبير والتخطيط، ولأنه يعرف كل شيء عن تحركات خاله وزوجته فقد توجه إلى بيته بعدما تأكد من خروجهما وطرق الباب وفتح له «زياد» الذي فرح أيضاً بقدومه وهو لا يعرف شيئاً مما حدث فإذا بالشيطان يتوجه إلى المطبخ ويستل سكيناً وينهال طعناً على الجسد الصغير الذي لا يستطيع صاحبه مقاومة هذا الوحش. طعنات بلا عدد وصرخات قليلة سمعتها «شهد» ورأت المشهد الرهيب المرعب فاختبأت تحت السرير فقام الوحش بسحبها وجرها من شعرها وهي تستعطفه لكنه صمّ أذنيه عن سماعها وذبحها هي الأخرى وألقى بجثتها على الأرض وفر خارجاًًً، وعندما شاهده أحد الجيران في حالة ارتباك وألقى عليه السلام لم يرد فكان ذلك هو الخيط الذي أدى إلى القبض عليه حتى لا يفلت من العقاب وعاد مرة أخرى من حيث أتى يختبئ من العدالة إلى أن تم ضبطه وسط الزراعات ليعترف بكل هذه التفاصيل ويؤكد أنه انتقم لكرامته.
ويحال القاتل النذل إلى محكمة الجنايات ولا يتورع محاميه خجلاً من أن يطالب بالبراءة بحجة أن المتهم لم يرتكب هذه الجريمة لكن تأتي هذه المحاولة من دون نتيجة لأن المتهم نفسه كرر اعترافه وأسباب جرمه المشهود.
وتقرر المحكمة إحالة أوراق قضيته إلى المفتي ليدلي برأيه في إعدامه قصاصاً لما اقترفت يداه ويأتي رأي المفتي بالموافقة وتتحدد جلسة النطق بالحكم بعد أكثر من عام من هذه الجريمة الشنعاء التي هزت مصر بأسرها، وحركت مشاعر ووجدان كل من تناهت تفاصيلها إلى مسامعه وتمنى كل من عرف الكارثة أن يتم إعدام هذا الشيطان ألف مرة، ويتم إحضار المتهم مرتدياً ملابس السجن البيضاء ويودع قفص الاتهام إلى أن تعتلي هيئة المحكمة منصة العدالة بعدما ينادي الحاجب بأعلى صوته الجهوري «محكمة»، ويبدأ رئيسها بعد ذكر اسم الله في إصدار الحكم بالإجماع بإعدام المتهم شنقاً ويقابل المجرم الحكم ببرود بينما أم الطفلين وأبوهما وجدتهما راحوا يهتفون، يحيا العدل، يحيا العدل.
وتنطلق الزغاريد فرحاً بحكم الموت على رجل يستحقه، ويتم تكبيله بالقيود واقتياده إلى السجن ليرتدي الزي الأحمر المخصص للمحكوم عليهم بالإعدام في انتظار رفع الراية السوداء أعلى مبنى السجن والتي تؤذن بتنفيذ الحكم في هذا اليوم، وتنذر باجتثاث آفة سرطانية من المجتمع

اقرأ أيضا