الاتحاد

دنيا

الإسلام ... ويوم الطفل العربـي

الحمد لله، له أسلمت، وبه آمنت، وعليه توكلت، والصلاة والسلام على سيدنا محمد– صلى الله عليه وسلم– وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
يوافق اليوم الجمعة يوم الطفل العربي، والذي يأتي في الخامس عشر من شهر ينايـر في كل عام، ونحن في هذه المناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بينة من أمور دينه، فمن نعم الله على الإنسان أن يكرمه بالذرية الصالحة، فالأبناء هبة من الله سبحانه وتعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (سورة الشورى الآيتان (49-50).
والأطفال هم شباب الغد وأمل المستقبل، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية حماية الأمم والشعوب، وكلما ارتقينا في مفهوم الاهتمام بالطفولة، كان ذلك اهتماماً بمستقبل الأمة، وذلك بالرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية للأطفال.
وتبدأ الرعاية بالطفولة باختيار الأم عند الزواج، لقوله صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت?يداك) (متفق عليه)، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا} (سورة غافر الآية 67)، ولمزيد من الاهتمام بالطفل، يجب تقديم العناية الشاملة والمثلى من خلال الوالدين بداية من فترة الحمل، وذلك بالتحضير النفسي للوالدين نحو حدوث الحمل، والواجبات التي يجب مراعاتها أثناء الحمل، والناس من حيث الإنجاب أربعة أصناف:
1- صنف ينجب ذكوراً فقط: مثل سيدنا إبراهيم– عليه الصلاة والسلام– والذي أنجب ذكوراً فقط قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (سورة إبراهيم الآية 39)، «أي الحمد لله الذي رزقني على كبر سني وشيخوختي إسماعيل وإسحاق، قال ابن عباس: ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة» (صفوة التفاسير جـ2، ص100).
2- صنف ينجب إناثاً فقط: مثل سيدنا لوط– عليه الصلاة والسلام – الذي أنجب إناثاً فقط.
3- صنف ينجب ذكوراً وإناثاً: مثل سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – حيث رُزق بثلاثة أبناء من الذكور وهم: القاسم، وعبدالله، وإبراهيم، كما رزق بأربع بنات وهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
4- صنف لا ينجب لا ذكوراً ولا إناثاً (لا إنجاب): مثل سيدنا يحيى – عليه الصلاة والسلام- قال تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ?الصَّالِحِينَ} (سورة آل عمران الآية 39)، (وَحَصُورًا) «أي يحبس نفسه عن الشهوات عفة وزهداً ولا يقرب النساء مع قدرته على ذلك» (صفوة التفاسير جـ1ص199).
لذلك يجب على الإنسان أن يحمد الله على كل حال، فمن رزق بالأبناء فذلك نعمة، ومن رزق بالبنات فذلك نعمة أيضاً، فقد بدأت الآية السابقة بالإناث (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا)، وهذا رد على بعض الجهال من العرب الذين كانوا يتذمرون عندما يرزقون بالإناث، بل وصل الأمر بهم إلى أبعد من ذلك بوأد بناتهم، وهذا ما ظهر جلياً في هجر رجل لزوجته عندما رزق بأنثى، مع أن البنات قد جعلهن الله حجاباً من النار إن شاء الله، فقد ورد أن أبا حمزة كان متزوجاً بزوجتين الأولى تنجب البنين، والثانية تنجب البنات، فهجر أبو حمزة أم البنات، وذهب عند أم البنين، وكانت أم البنات عاقلة فأخذت تنشد قائلة:
ما لأبي حمــــزة لا يأتينـــا
يظل في البيت الذي يلينـا
غضبـــان ألا نلـد البنينـــا
تاللــــه ما ذلك في أيدينــا
نحـــن كالأرض لزارعينــــــا
ننبـــت ما قد زرعوه فينـــا
فلما سمع أبو حمزة ذلك رجع عن خطئه، وعدل بين زوجاته، وحمد الله أن رزقه بالبنين والبنات.
والذي لا ينجب أبداً فليحمد الله، فلو علمتم الغيب لاخترتم الواقع، وما قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام عنا ببعيدة، حيث قتل العبد الصالح الغلام كما ورد ذلك في قوله تعالى في سورة الكهف: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ }، (أي وأما الغلام الذي قتلُتــه فكان كافراً فاجراً وكان أبواه مؤمنين وفي الحديث (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً) (صفوة التفاسير جـ2، ص201)، فعلى المؤمن أن يحمد الله على كل حال.
لقد عني الإسلام عناية كبيرة بالأبناء بصفة عامة من المهد إلى اللحد، كما عني بمرحلة الطفولة بصفة خاصة، ومن أجل ذلك فقد حرم الإسلام الزنا؛ لأن فيه ضياعاً للنسل وخلطاً للأنساب، كما اعتبره فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً، وأوجد البديل ألا وهو الزواج، فحفظ النسل أمر ضروري، حيث اتفقت الديانات السماوية على وجوب صيانة واحترام الأركان الضرورية للحياة البشرية وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فقد ذكر الإمام الغزالي في كتابه? «المستصفى» أن حرمة الضرورات الخمس لم تبح في ملة قط، أي أن الديانات السماوية أوجبت حرمة هذه الضرورات، وقال بذلك الإمام أبو اسحق الشاطبي في كتابه «الموافقات في أصول الشريعة».
وقد بين الإسلام أن للطفل حقوقاً عديدة منها:
? مرحلة ما قبل الميلاد
لقد أرشد الإسلام المسلم إلى اختيار الزوجة الصالحة، فقال عليه السلام: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» (أخرجه البخاري ومسلم)، وقال أيضاً: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (أخرجه الإمام مسلم). ولضمان نقاء معدن ثمرة الزواج، قال عليه السلام: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس» (أخرجه ابن ماجة والديلمي).
والأم الصالحة حق للابن على أبيه، فقد أجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن سؤال لأحد الأبناء لما سأله ماحق الولد على أبيه بقوله: «أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه القرآن».
? مرحلة ما بعد الميلاد
ويكون ذلك في خطوات كثيرة أهمها:
أ- الأذان: وذلك بأن يكون الأذان في أذنه اليمنى والإقامة في أذنه اليسرى، وذلك حين الولادة مباشرة، كما جاء في حديث أبي رافع قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمه» (أخرجه أبو داود والترمذي) كي تكون أول كلمات تصل إلى مسامعه هي كلمة التوحيد.
ب- العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح احتفالاً بالمولود ذكراً كان أو أنثى فقد جاء في الحديث الشريف أن الرسول عليه السلام قال: «كل غلام مرتهن بعقيقتة تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى» (أخرجه أبو داود).
ج- تسمية المولود: فقد حث الرسول الكريم على اختيار الأسماء الطيبة، فقال عليه السلام: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» (أخرجه مسلم)، وفي حديث آخر: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث ?وهمام» (أخرجه أبو داود والنسائي).
د- حث الأبناء على الطاعة ومكارم الأخلاق: فقد ورد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه» (أخرجه الطبراني). وقال أيضاً: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (أخرجه الإمام البخاري).
هـ - العدل بين الأولاد: فقد أعلن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- ذلك بوضوح، إذ قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (أخرجه الترمذي)، فالعدل بين الأبناء حافز تعليمي ناجح، مشهود النتائج في حياة الناس، وحصن منيع للأسرة من أسباب الصراع والعداء.
و- إبعاد الأولاد عن رفقاء السوء: لقد طالب الإسلام الآباء بأن يختاروا لهم الرفقة الصالحة، وأن يحذروهم من رفقاء السوء فقال تعالى: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (سورة الزخرف الآية 67)، كل ذلك لأن الصديق مرآة صديقه، فقد جاء في الحديث الشريف: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ( أخرجه الإمام الترمذي). وهناك حقوق أخرى مثل حق الرضاعة ، والنفقة والحضانة... وغير ذلك .
? رحمته بالأطفال
وقد ضرب – صلى الله عليه وسلم – أروع الأمثلة في رحمته وشفقته على الأطفال، كيف لا وهم ثمرة الفؤاد، ومهج القلوب حيث جاء في الحديث (بينما كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم – يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه حدث أمر، فلما قضى صلاته قالوا: قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن ابني قد ارتحلني – أي جعلني كالراحلة فركب على ?ظهري – فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» ( أخرجه النسائي والحاكم ).
هذا هو ديننا الإسلامي الحنيف يعطف على الأطفال، ويوصي بهم خيراً، فهم عماد الأمة، وثروتها الحقيقية، وأولادنا فلذات أكبادنا، وسند سواعدنا، وكما قال الشاعر:
وإنمـــا أولادنــــــا بيننــــــــا
أكبادنا تمشــــي علــى الأرض
لو هبت الريــح على بعضهـــم
لامتنــعت عيني من الغمــض
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اقرأ أيضا