الاتحاد

دنيا

علماء الدين: لا يمكن تبرير أي تطاول على الإسلام باسم الإبداع

العلاقة بين الدين والإبداع الفكري والأدبي من القضايا الشائكة والملتبسة، فقد شهدت الساحة الثقافية والدعوية في العديد من الدول العربية أكثر من أزمة أشعلتها بعض الكتب التي اعتبرت مسيئة لمبادئ الإسلام الحنيف، لما تضمنته من مخالفات شرعية وآراء خاطئة تنكر حقائق الإسلام وتطعن في ثوابته، كما تحتوي على أفكار تكرس ثقافة الانحلال، ورأى البعض أن ذلك يمثل نوعاً من الحجر على حرية الرأي، وهو ما ينكره علماء الدين مؤكدين تأييدهم لحرية التعبير المسؤولة والمتلزمة لافتين إلى أنه لا يمكن تبرير أي تطاول على الإسلام باسم الإبداع.

ونفى الشيخ علي عبد الباقي- الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر- أن يكون الأزهر جهة مصادرة أو حجر على الآراء والاجتهادات، وقال إن الأزهر طوال تاريخه لم يصادر حرية أحد في التفكير والرأي والتعبير، وأن دوره كمؤسسة دينية ومرجعية دعوية هو الدفاع عن الإسلام وتقديم وسطيته وسماحته واعتداله.

وكانت الحكومة المصرية أصدرت قراراً عام 2004 بتفويض يمنحه وزير العدل لمجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر لممارسة الضبطية القضائية والمصادرة الفورية للمصاحف وكتب الأحاديث والسيرة التي تشوبها أخطاء لغوية أو مطبعية. واعترضت بشدة التيارات العلمانية على ذلك واعتبرته تراجعاً للحريات، وشنت هجوماً عاصفاً على الأزهر واتهمته بالوقوف ضد حرية الفكر والرأي.

ويؤكد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن مجمع البحوث الإسلامية جهة علمية عليا أعطاها القانون مهمة إبداء الرأي فيما يعرض عليها من كتب وأفكار، والمجمع يضم لجنة للتأليف والبحوث والنشر والترجمة تتشكل من نخبة من كبار العلماء المشهود لهم بالعلم والكفاءة والنزاهة وتنحصر مهمتها في تقديم الرأي الشرعي في كل ما يعرض من مؤلفات أو مطبوعات أو أعمال فنية أو إبداعية، واتفاق هذه الأعمال مع صحيح الدين وجديتها وأصالتها وبعدها عن الهوى والغرض.

ونوه إلى أن البعض يتعمد خلط الأوراق والتدليس على الرأي العام حول دور الأزهر والمجمع في مسألة فحص المطبوعات وتصوير الأمر على غير حقيقته، وقال إن المجمع ليس جهة تنفيذية تفتش على الكلمة المطبوعة أو غيرها من الأعمال الفكرية والإبداعية وإنما هو جهة علمية لا تنظر إلا فيما يرفع إليها من الجهات المختصة ودوره إبداء الرأي الشرعي وليس من صلاحياتها المصادرة أو المنع، ولكن هناك جهات أخرى تتولى عملية المصادرة ومنع التداول.

طعنات

وحذر الشيخ علي عبد الباقي من أن الإسلام يتعرض لطعنات من الداخل ومن بعض الأدعياء الذين أساءوا كثيراً لقيمه ومنهجه، وهناك من يبحث عن الشهرة ولفت الأنظار ويلجأ إلى التطاول على ثوابت الإسلام ومقدساته والكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم- تحت دعوى حرية الرأي والفكر وهما بريئان من حملات التشهير والدس التي تروج الأفكار المسمومة وعندما تتم مواجهتهم بالحجة والبرهان والدليل يتهمون مجمع البحوث بالتعنت ومصادرة الفكر وكبت الحرية.
ويضيف أن الأزهر حريص على الاجتهاد الفكري والعلمي وتكريس الحرية في المجتمع وليس من مهمته الحجر على المجتهدين الذين يسعون لتقدم الأمة ولذلك يرفض مبدأ تقييد الإبداع ومطاردة المبدعين، مشيراً إلى أن البعض يثير الزوابع بهدف تقييد الأزهر حتى لا يقوم بدوره التنويري في الأمة.

ليس للأزهر سلطة ضبطية

ويوضح الشيخ ضياء محمد- مدير البحوث والنشر والترجمة بمجمع البحوث الإسلامية- أنه ليس من سلطة المجمع أو علمائه التفتيش على المكتبات أو مساءلة دور النشر عن الكتب التي تطبعها أو تنشرها، فالضبطية القضائية على الكتب ليست من اختصاص الأزهر وهو لا يحاكم الفكر والإبداع بمعايير دينية.

ويضيف: إن أصحاب الآراء المرفوضة التي تروج لأفكار الجماعات الضالة التي تنكر السنة النبوية وتطعن في الأئمة وتنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة يتعمدون إشاعة الأباطيل حول دور الأزهر، فيتهمونه بأنه يمارس الكهنوت ويقيم محاكم للتفتيش وينصب مقصلة للفكر وهذا زعم فاسد يدحضه تاريخ الأزهر وتاريخ علمائه الذين ينشرون سماحة الإسلام في العالم وهو مؤسسة تعليمية تربوية يبين الأمر فيما يطلب منه حسب معايير حددها القانون، أهمها عدم مخالفة الثوابت الإسلامية من القرآن الكريم والسنة المطهرة والحرص على نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة وتنقية التراث الإسلامي والثقافي من أية أفكار دخيلة وهدامة.

تتحدى ثوابت المجتمع

ونفى الدكتور مبروك عطية- أستاذ ورئيس قسم اللغويات بجامعة الأزهر- وجود أزمة أو إشكالية بين الإسلام وحرية الإبداع، وقال: الإسلام يهدف إلى تحقيق الرقي الإنساني وتهذيب النفس البشرية ويسعى إلى ضبط غرائزها وتربية النفس والسمو بها ولا يغفل احتياجات الجسد، ولكن المشكلة تتركز في انفصال النخب الثقافية ومن يشتغلون بالإبداع عن الناس ومشكلاتهم والواقع وما فيه من أزمات طاحنة، فقد كرسوا اهتمامهم بالأعمال التي تتحدى أعراف المجتمع وقيمه وثوابته بهدف البحث عن الشهرة والثراء المادي. ويؤكد أن بعض الكتابات والأفكار التي تطرح ويزعم أصحابها أنها قمة في الإبداع تروج لقيم فاسدة مضللة، مضيفاً أن خطورة هذه الكتابات تكمن في أنها تعد خروجاً عما هو معلوم من الدين بالضرورة وتنكر حقائق الإسلام المستقرة، وتنتهك المقدسات الدينية والشرائع السماوية والآداب العامة والقيم وتثير الفتن وتزعزع تماسك الأمة.

وهناك محاولة شيطانية يقوم بها بعض الأدعياء للتعمية على الأهداف الحقيقية وراء الخلط بين ازدراء الأديان والتطاول على الذات الإلهية والحرية الفكرية والإبداعية، موضحاً أن الخلاف ليس حول قضايا تتعلق بالمعاملات أو قضايا فرعية يمكن قبول الجدل والتناظر حولها، فبعض الكتاب يتعمد الطعن في الدين والخروج على الآداب العامة وهذا سوء خلق وضحالة فكر، وبعد عن الموضوعية وعدم فهم مقاصد الدين الحنيف ومحاولة تزييف وعي الأمة وهدم ثوابتها والعبث بمكونات شخصيتها الأصيلة وإشاعة الفوضى باسم حرية الفكر. ويضيف: نحن نؤمن بحرية الفكر ونقدر الحوار والمناقشات ونرفض أن يكون هناك أي قيد على حرية التفكير والإبداع وحجر على الآراء والاجتهادات والأفكار، وما نرفضه بشدة هو الخروج على الشرعية الدينية أو القانونية مصداقاً لقوله تعالى: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

قضية مفتعلة

ويرى الدكتور أحمد كشك- عميد كلية دار العلوم جامعة القاهرة الأسبق- أن محاولة الزج بالدين واعتبار الإسلام هو العقبة التي تعترض الإبداع في العالم العربي قضية مفتعلة وليس لها أساس، وهي محاولة يائسة تنم عن إفلاس فكري وقيمي وخيانة لمسؤولية الكلمة والفكر، مؤكداً أن بعض النخب الثقافية التي تدعي الحرية تمارس الانتهازية السافرة عندما لا تقوم بدورها الحقيقي في قيادة أمتها نحو التقدم والتطور والرقي وتجرها إلى الفوضى والانحلال باسم الحرية والإبداع.

ويضيف كشك، بعض الأدعياء لا يريدون الاحتكام إلى المعايير الموضوعية والفنية التي تحكم على الأعمال الإبداعية والفكرية ومدى أصالتها وجديتها ويرفع لافتة الحرية من باب الحجر على المجتمع وفرض الغثاء عليه والاستقواء بالحملات المنظمة التي تقوم بها بعض منظمات المجتمع المدني المشبوهة، والتجاهل الفاضح لكل القوانين والنصوص الدستورية والأعراف التي تؤكد خصوصية المجتمعات العربية وأن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية وأن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وأن الأمة مطالبة بحكم الدساتير والقوانين برعاية الأخلاق وحمايتها والتمكين للتقاليد العربية الأصيلة ومراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية والقيم الخلقية والآداب العامة.

غياب المشروع التنويري

ويؤكد كشك أن الحركة الثقافية في العالم العربي تعاني أزمة غياب المشروع التنويري بمعناه الحقيقي، إذ تتقاعس نخبها الفكرية عن القيام بدورها الطليعي في قيادة الأمة وإضاءة طريقها وتفتقد القدرة على صياغة خطاب ثقافي يعبر عن قيم المجتمع وثوابته ويحول دون إساءة استخدام حرية التعبير عن الرأي في ميادين الفن والأدب والبحث العلمي لانتهاك المقدسات والعبث بالدين والتطاول على الثوابت.
ويقول الدكتور عبدالجواد المحص – أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر- إن مجتمعاتنا قادرة على أن تفرق بين العمل الإبداعي الراقي والرأي الحر الهادف النزيه والإسفاف الفكري الذي يخترق كل الخطوط الحمراء ويعتبر الإسلام تخلفاً ورجعية ولا يسعى إلا للفت الأنظار والتربح على حساب قيم وثوابت المجتمع. وحذر من مقولات الحرية المطلقة التي يطلقها أنصار التيار العلماني الذين يريدون سلخ الأمة عن قيمها وأعرافها، موضحاً أنها دعاوى مرفوضة تماماً فلا يوجد مجتمع يقبل التطاول على الذات الإلهية تحت أي مبرر أو زعم

اقرأ أيضا