الاتحاد

دنيا

احتفالات السنة الأمازيغية.. تخليد الانتصار على “رمسيس الثالث”

ذبح الديك الرومي لإبعاد الشر

ذبح الديك الرومي لإبعاد الشر

هو المسمى الذي أطلقه أمازيغ الجزائر على سَنتهم الخاصة بهم والتي دخلت 2960، حيث إن 12 يناير هو أول يوم في السنة الأمازيغية. قد يتساءل البعض لم هذا الاختلاف عن باقي السنوات المعروفة والتي لا تتعدى السنتين الهجرية والميلادية؟ ولم هذا التاريخ بالتحديد؟ كمايعلم الجميع، تعتبر الجزائر ثاني أكبر دولة بعد السودان من حيث المساحة في القارة السمراء، وبذا فهي غنية بالعادات والتقاليد الكثيرة والمتنوعة، حيث توالت عدة حضارات عليها على مر العصور، وتركت كل حضارة مخلّفاتها من لهجات وأساليب عيش خاصة بها، فصار البلد الواحد مجموعة من المجتمعات المختلفة الطقوس إلا أنها تجتمع كلها تحت راية العلم الجزائري متباهية بخصوبتها وتنوعاتها الثقافية.


الأمازيغ جزء لا يتجزّأ من التركيبة السكانية الجزائرية، فهم سكان الجزائر الأولون الذين دخلوا إلى الجزائر واستقروا فيها، يسميهم البعض بالبربر وهو الاسم الذي أطلقه عليهم الرومان بعد ما عُرِفوا بشدة مقاومتهم للرومان على مدى أربعة قرون، وبعد دخول الإسلام أسلموا طواعية بدون مقاومة وأحسنوا إسلامهم وخرج منهم كثير من أبطال الإسلام والعروبة مثل طارق بن زياد الذي فتح الأندلس وغيره كُثر. وينقسم الأمازيغ في الجزائر إلى (القبائلية) و(الشاوية ) و (لمزابيَّة) و (الطوارق). أما عن اختيار يوم 12 يناير تحديداً للاحتفال بالسنة الأمازيغية فإنها ترجع إلى أسباب تاريخية محضة، حيث انتصر في هذا اليوم الملك الأمازيغي “شاشناق” على الملك “رمسيس الثالث” من أسرة الفراعنة في مصر وذلك في سنة 950 قبل الميلاد في معركة دارت في منطقة “بني سنوس” بالقرب من ولاية تلمسان التي تبعد 486 كيلومتراً غربي العاصمة الجزائرية، ومن ذلك الوقت، تم اختيار هذا اليوم تخليداً لانتصار البطل الأمازيغي “شاشناق” على الفراعنة وحلفائهم الرومان.

عقاب العجوز الجاحدة!

تشير بعض الأساطير المتداولة بين الناس وحتى علماء الاجتماع بجامعة الجزائر إلى أن شهر “يناير” كان قد طلب من “شهر فورار” حسب اللغة الأمازيغية أو “فبراير” أن يعيره يوما لمعاقبة العجوز الجاحدة التي استهانت بقوة الطبيعة، فاغترت بنفسها وبقوة صمودها ضد الشتاء القاسية وأزاهيرها، ولم تحمد السماء على ذلك، فكان أن حلت ذلك اليوم عاصفة شديدة اختنقت العجوز على إثرها فأصبح ذلك اليوم في الذاكرة الجماعية رمزا للعقاب الذي قد يحل على كل من تسول له نفسه الاستخفاف بالطبيعة، وإلى يومنا هذا يستحضر بعض الأمازيغ يوم العجوز، ويتخذون حذرهم وحيطتهم متكئين على العبرة من هذه الحادثة.

تتعدد مسمّياته والمعنى واحد

“ينّاير”، “العجوزة”، “التراز”، “ثابورث أوسقاس”، “أمنزو يناير” أو “باب السنة” كلها تسميات للسنة الأمازيغية، فهي تختلف باختلاف المناطق ولكنها جميعا تعني رأس أو بداية السنة الأمازيغية، التي يحتفل بها الأمازيغيون، فيزينون البيوت والشوارع، وينشرون الأغصان الخضراء والورود، أما النسوة فلهن تقاليدهن الخاصة المطبخية الخاصة بهذه المناسبة، فتجد الموائد مليئة بأشهى الأطباق والمأكولات فعادات منطقة القبائل شرق العاصمة الجزائرية مثلاً ولاسيما في الأرياف تتمثل في قيام كل العائلات بعادة أمازيغية تدعى
“أسفال” وتتمثل في ذبح ديك رومي على عتبة المنازل ظناً منهم أنهم بذلك يبعدون الشر ويجلبون الخيرات أو أنهم يستخدمون في طهيهم “القديد” وهو لحم “مملح مجفف تحت أشعة الشمس، مع طبق “الكسكسي” المعروف في الجزائر وهو مايسمى بـ”ايمنسي نيناير” أو “عشاء يناير”، وتحرص العائلات بهذه المناسبة فيما يشبه التضامن مع المعوزين على توزيع أطباق “الكسكسي” على الجيران والأقارب، أما بعد 12 يناير فتعكف العائلات الأمازيغية عن طبخ الأطباق التي تحتوي على اللحم وإنما تكتفي فقط بحساء من الحمص والقمح والفول وحبوب جافة أخرى يدعى “أوفتيان” أو “تمغظال” الذي يرمز إلى الخصوبة ووفرة المحاصيل. كما أن لهم عادة أخرى تتمثل في وضع الطفل الصغير في واع كبير مليء بالحلويات والمكسرات والألعاب، حتى يكون مستقبل هذا الطفل بمذاق تلك الحلوى.

شبح الجوع

لازال أمازيغ الجزائر إلى يومنا متمسكين بعادات أجدادهم التي ترجمت إلى طقوس أهمها وضع الأغصان والحشائش الخضراء على أسطح المنازل تيمّنا وتبرّكا بسنة خصبة، حيث يمثل شهر “يناير” بداية التاريخ الفلاحي أو الزراعي وهي الفترة الفاصلة ما بين نمطين شمسيين هما الانقلاب الشمسي الشتوي أو الصيفي والاعتدال الربيعي أو الخريفي الموافقة للشروع في جملة النشاطات المتعلقة بالأشغال الفلاحية والزراعية بمنطقة القبائل، والأمازيغيون يرون أن يوم 12 يناير يعد مناسبة لتجديد القوى الروحية لديهم من خلال ممارسة بعض الطقوس لإبعاد شبح الجوع عن أنفسهم وجذب أسباب الخير والسعادة ووفرة المحاصيل، خصوصاً وأن سنتهم تتزامن مع نفاد المؤونة الغذائية أو ما يطلقون عليها اسم “العولة”.

حسناوات الأمازيغ

تحتفل الأمازيغيات المشهورات بجمالهن الطبيعي، وحمرة خدودهن وشعرهن الطويل برأس السنة الأمازيغية على طريقتهن الخاصة، حيث يتجمعن على ضفاف الأنهار والينابيع صبيحة الأول من يناير ويقمن بملء قربهن وجرارهن بالماء العذب الصافي مع الحرص على إحاطة فوهات القرب بضفائر مصنوعة من الأعشاب الخضراء تيمناً بسنة زراعية خصبة خضراء وبمحصول زراعي وافر، في جو بهيج وعلى أنغام أناشيد تطرب الصغير والكبير، كما يمتنعن عن أعمال الغزل وإخراج النول وأي قطعة نسيج من المنزل قبل حلول ينّاير وذلك لإبعاد الشرور عن العائلة! فعام جديد سعيد أو كما يقال باللغة الأمازيغية “أسقاس أمقاس”

اقرأ أيضا