الاتحاد

دنيا

انتبهوا البدانة تجتاح الخليج


الساندويتش في قفص الاتهام والكسل يتصدر الأسباب
صلاح الحفناوي: ما الذي يحدث في الإمارات ودول الخليج والدول العربية ؟·· لماذا أصبحت البدانة هي القاعدة والرشاقة استثناء يثير الدهشة ويستدعي مشاعر الحسد؟· المؤشرات الإحصائية تؤكد أن وباء البدانة يجتاح العالم·· والحديث عنها أصبح حديثا عن حالة مستعصية فشل الطب الحديث والقديم في مواجهتها، برغم الرجيم الكيميائي والفيزيائي والبروتيني ومئات الأسماء الأخرى·· وبرغم صالات 'الجيم' وحمامات الساونا والبخار·· مرورا بالعقاقير وعمليات تحزيم وتقليص وتحويل المعدة·· وصولا إلى خلطات الأعشاب السرية ووصفات العطارين السحرية· الحقيقة المؤكدة هي أن البدانة تتزايد وأمراضها ومضاعفاتها تنتشر، وأن اخطر أمراض العصر تفضل أصحاب الأوزان الثقيلة· البدانة إلى أين؟·· سؤال حائر الإجابة عليه تسير إلى اتجاه واحد: تفاقم وتزايد·· والأرقام خير دليل·
الدراسة التي أعدتها ندى أبو الأديب رئيسة قسم التغذية بمنطقة العين الطبية توصلت إلى أن 26 بالمائة من أطفال المرحلة الابتدائية العليا يعانون من البدانة·· وكانت دراسة أجرتها الإدارة المركزية للصحة المدرسية في وزارة الصحة قد انتهت إلى معدلات البدانة بين طلاب وطالبات المرحلتين الإعدادية والثانوية تزيد على 30 بالمائة·
وكشف بحث علميّ أعدّه الدكتور عزت خميس، أستاذ تكنولوجيا الأغذية بأكاديمية البحث العلمي المصرية عن انتشار البدانة بين السيدات والفتيات في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة بدرجة ملحوظة أكثر من الرجال·· وانتهى البحُث إلى أن معدل البدانة بين العمانيات يصل إلى حوالي 60 بالمائة، تليهن سيدات مصر بنسبة 49% ثم سيدات الكويت 42%، والبحرين 40 %، والإمارات 38%، و37% في السعودية، وجاءت سيدات لبنان الأفضل من ناحية الرشاقة حيت تتدنى نسبة البدينات في لبنان إلى 27% من إجمالي النساء، أما الرجال فتشير الدراسة إلى أن رجال الكويت هم الأعلى في البدانة بنسبة 15% ثم رجال البحرين بنسبة 14%·
الدراسات التي ترصد معدلات البدانة في الإمارات قليلة ومحدودة ولكن نتائجها تشير إلى خطورة المشكلة وتؤكدها·· وتطرح سؤالا مهما: لماذا أصبحت دول الخليج والدول العربية ضمن دول المقدمة في البدانة؟·· ومن السؤال نبدأ المحاورة حول الأوزان الخليجية الثقيلة مع الأستاذ الدكتور قاسم العوم استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد ومدير مستشفى النور بأبوظبي·
في البداية يؤكد الدكتور قاسم العوم أن تزايد معدلات البدانة في الإمارات ودول الخليج هو جزء من ظاهرة عالمية أو اجتياح وبائي عالمي·· وهي احد الأمراض السلوكية شديدة الخطورة·· فالشحوم الزائدة المتراكمة في الجسم تؤثر على جميع أعضائه تقريبا وتؤثر في مجمل وظائفه الحيوية·· البدانة هي أم الأمراض وهي المرادف لاعتلال الصحية· وتشير الدراسات إلى أن أهم أسباب تزايد معدلات البدانة في الإمارات بشكل خاص والخليج بشكل عام، 'الإفراط' في تناول الطعام مع قلة الحركة والنشاط، ومنطقة الخليج تتميز بصيف طويل شديد الحرارة والرطوبة، يمنع ممارسة الأنشطة الرياضية إلا في الصالات المغلقة، وهو أمر غير متاح وغير عملي بالنسبة للكثيرين·
المشكلة الحقيقية بدأت مع اختفاء موائد الطعام بمعناها التقليدي من بيوتنا، حيث يجتمع جميع أفراد الأسرة في أوقات معينة محددة كل يوم لتناول الوجبات الثلاث، ويتبادلون الأحاديث ويتواصلون وهم يتناولون طعامهم·· لم نعد نرى ذلك إلا في بعض المناسبات وعند قلة من الناس·· فالكثيرون يفضلون الاحتفال بالمناسبات الدينية والاجتماعية في مطاعم الوجبات السريعة·
ثلاثي المتاعب
يقول الدكتور العوم: نحن الذين حولنا الطعام من سبب للصحة والحيوية والشباب إلى سبب للمرض أو اعتلال الصحة·· الغذاء شيء ضروري وحيوي وفطري شديد الأهمية·· وتبقى المشكلة في السلوك الغذائي الذي انحرف كثيرا والذي يحتاج إلى تعديل وتقويم·· أما سبب تفاقم البدانة وتزايد معدلات الأمراض ذات العلاقة بأخطاء التغذية، فهو أننا نتعامل مع كل ما يتعلق بأخطاء التغذية بقدر كبير من الاستهانة والاستخفاف·· وأن أحدا منا لا يصدق انه في حاجة إلى أن يتعلم كيف يأكل·· أو أننا لا نصدق أن الطعام اللذيذ الشهي الذي نتناوله يمكن أن يكون سبب متاعبنا·· أو لأننا لا نريد التخلي عن متعة تناول الطعام كما نشعر بها حتى ولو كانت متعة مؤلمة بسبب سوء نتائجها وعواقبها·
المشكلة باختصار تكمن في أننا أصبحنا نعيش لنأكل وليس العكس·· زمان كان الإنسان يأكل ليعيش، يأكل ما يسمح له بالحياة·· والآن الإنسان يعيش لكي يأكل، يأكل لأنه جائع، ويأكل ليتسلى، ويأكل ليرفه عن نفسه، ويأكل مجاملة، يأكل وهو سائر على قدميه في الشارع، وفي المكتب، وفي البيت، أمام التليفزيون أو شاشة السينما·· المشكلة تكمن في نمط الحياة العصرية التي نحياها الآن·· في 'التيك اواي' و'الدليفري' و'والفاست فود'·· وهي المصطلحات الغذائية السائدة الآن والتي تجسد أهم أخطاء السلوك الغذائي·· المشكلة تكمن في أن المطبخ لم يعد يستهوي المرأة الأم والزوجة·· فأصبحت تستعين في إعداد طعام أسرتها بالوجبات الجاهزة أو بالأطعمة المحفوظة شبه الجاهزة بكل ما تحتويه من كيماويات ضارة وشحوم إضافية·· ولان هذه المعلومات تبدو بديهية ومكررة ومقررة فقد فقدت تأثيرها على الناس·· نحن جميعا نعلم ذلك ولا نستفيد مما نعلم إلا عندما نصاب بمرض القلب أو السكري أو ارتفاع ضغط الدم مع البدانة المفرطة·· أي أننا لا نفكر في الصحة وعلاقتها بالطعام إلا بعد أن تغيب عنا ونعاني من غيابها·
الحقيقة المؤكدة هي أن السلوك الغذائي يتصدر أسباب البدانة وأمراضها ويليه السلوك الحركي أو النشاط البدني·· والمشكلة الحقيقية فيما يتعلق بالسلوك الغذائي ليست في كمية ما نأكل، ولكن في ماذا وكيف ومتى نأكل·· الغذاء الصحي ليس فيه ممنوعات أو محظورات من حيث المكونات·· الصحة الغذائية لا تعني الحرمان ولا تطالب به·· بل تعني بعض الضوابط والتعديلات في السلوك·· هذا هو كل المطلوب للحصول على الرشاقة والصحة·
النمط العصري للحياة مسؤول عن تدهور أوضاعنا الغذائية والصحية·· خصوصا بعد أن استسلمنا له تماما وتخلينا عن بديهيات الصحة وأوقعنا أنفسنا عن قصد أو عن غير قصد في العديد من الأخطاء الغذائية، والخطأ الأول هو إهمال وجبة الإفطار· الكثيرون يغادرون بيوتهم دون تناول أي طعام·· وعدم تناول الطعام يعطل آلية التمثيل الغذائي وحرق الدهون للحصول على الطاقة في الجسم·
الخطأ الثاني هو عدم الانتظام في تناول وجبة الغداء·· ففي وقت الغداء نكتفي في الغالب بتناول ساندويتش أو وجبة سريعة غير صحية·· وموضوع الوجبات السريعة يثير كثيرا من الجدل ليس في الوطن العربي وحده بل في جميع دول العالم بما فيها الدول التي اخترعت الوجبات السريعة·· والسمة المميزة لمعظم الوجبات الجاهزة هي أن الدهون والشحوم الحيوانية والنباتية تتصدر مكوناتها·· أي أننا فعليا نأكل دهون ومعها القليل من اللحم·· والدهون الحيوانية مشكلة كبيرة·· فجرام واحد من الدهن يعطي الجسم 9 سعرات حرارية بينما اللحوم الحمراء الخالية من الدهن وكذلك النشويات، يحتوي الجرام منها على 4 سعرات حرارية·
الخطأ الثالث أننا نتعامل مع الوجبات السريعة بسرعة·· بمعنى أننا في الغالب نتناول الساندويتش ونحن واقفون وربما سائرون في الشارع، لذلك نأكله باستعجال أو بسرعة كبيرة·· وتناول الطعام بسرعة يجعلنا نتناول كمية اكبر منه قبل أن نشعر بالشبع·· فالمعروف أن حركة التخاطب والإشارات العصبية بين الدماغ الجهاز الهضمي تحتاج إلى حوالي 20 دقيقة قبل أن يصدر الدماغ قرار الشبع ويطلق الشعور به·
وننتقل إلى وجبة العشاء، وأول من نلاحظه هو معظمنا يتناول وجبة العشاء وهو يشاهد التليفزيون، وتقريبا لا توجد غرفة طعام في أي بيت لا يحتل التليفزيون مكانا رئيسيا فيها·· ولذلك نحن لا نركز فيما نأكل بقدر تركيزنا على ما نشاهد، ومن يأكل بدون تركيز يأكل أكثر وأكثر·· ولأننا نأكل ما يفوق الطاقة، نشعر بالخمول الشديد بعد الأكل مباشرة، فنتوجه إلى النوم·· وهذا يعني عدم حرق سعرات حرارية وإجهاد شديد للقلب·· لان النوم بمعدة ممتلئة عن آخرها يقلل الدم المتدفق إلى القلب بسبب ضغط المعدة على الأوعية الدموية التي تعيد الدم إلى القلب·· وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من مشاكل قلبية فقد يتعرضون لهبوط القلب أثناء النوم·
وكل الأخطاء الغذائية السابقة يصاحبها حالة عامة من الخمول والكسل والعزوف عن ممارسة أي قدر من النشاط البدني·· نحن أصبحنا حتى لا نتحرك في البيت·· الريموت كنترول أو أجهزة التحكم عن بعد أصبحت البديل المريح لذلك، والكمبيوتر والانترنت والدش والسيارة جعلت الإنسان كسولا جدا·
والحركة وحدها ليست كافية لحرق كل ما نحصل عليه من سعرات زائدة على الحاجة·· المسألة كلها تقودنا إلى حلقات متصلة·· يجب مع الحركة تجنب كل الأخطاء السابقة·· لان ما يحدث هو أن البعض يفرطون في تناول الأطعمة الدسمة معتقدين أن ممارسة رياضة المشي كفيلة بحرق كل الزائد من السعرات·· ولهؤلاء نقول إن المشي السريع أو الهرولة لمدة ساعة كاملة يحرق 300 سعر حراري·· ووجبة طعام دسمة وحافلة بالدهون يمكن أن تحتوي على 3000 سعر حراري·· وبما أننا لا نتناول وجبة طعام واحدة في اليوم فهذا يعني أننا عدد السعرات الزائد في اليوم الواحد قد يتراوح بين 2000 إلى 3000 سعر حراري·· وحرق هذه السعرات الزائدة يحتاج إلى الهرولة المتصلة لمدة تزيد على 10 ساعات بلا توقف· إذن المطلوب هو التكامل بين المجهود البدني وبين النظام الغذائي لكي ننعم بصحة جيدة ورشاقة مستمرة·
بدانة القلق
يضيف الدكتور قاسم العوم إن إسهامات الحياة العصرية في زيادة معدلات البدانة لا تتوقف عند هذا الحد·· فهناك أيضا تأثير الضغوط النفسية·· كالتوتر والقلق والضغط· والمعروف أن الضغوط النفسية الشديدة تحفز إفراز هرمون الكورتيزول في الجسم·· ومن وظائف هذا الهرمون ترسيب الدهون حول الجذع أو ما يعرف الكرش·· وهذا النوع من الدهون يمثل أكبر عبء على البنكرياس وعلى الأوعية الدموية·· وهي أخطر أنواع الدهون ولذلك فإن سمنة الرجال اخطر من سمنة النساء·

اقرأ أيضا