الاتحاد

الملحق الثقافي

البحث عن التجويد في مهب التناقض

يمثل أي ملتقى عربي يتداول شؤون وشجون الفن حدثاً مبشراً، ومناسبة موصولة بطموحاتها، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالمسرح (أب الفنون والمغذي الأول للأشكال الفنية الأخرى)، هذا المسرح الذي تجسدت على خشبته الواسعة كالحلم كل الحكايات والقصص والأساطير التي لاكتها المخيلة الدرامية للإنسان، وفتحت من خلالها طاقة سمعية وبصرية هائلة للروي والتعبير من خلال لغة الجسد وجموح الحواس·

في الملتقى الخامس للمسرح العربي الذي نظمته دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، واحتضنه قصر الثقافة في الفترة من 6 إلى 8 يناير، يبرز سؤال البحث عن التجويد كمهماز يتحرك صعوداً وهبوطاً في مجالين متضادين ومتشابكين في الوقت ذاته، ويتمثل هذا المجالان في إنعاش الأمل المسرحي العربي، والإحساس الواضح بمناطق الألم فيه· فحال المسرح العربي يطابق الحال الشائع الذي أصاب الوضع الثقافي، وجعله مقيداً ومتراجعاً أمام هيمنة الثقافة الهشة والعابرة والقابلة دوماً للتطويع والاستغلال والنزف الاستهلاكي· ومن هنا فإن إقامة ملتقى لإعادة الوعي والاستبصار والتفكّر في أحد الفنون العريقة في ماضيها والمهمشة في راهنها، يعتبر تنويراً، ولو في النطاق النظري، لمسارب ودهاليز البحث والتجويد والتغيير، وهي العناصر التي باتت مطمورة ومغيبة تحت ركامات هائلة من الإرث المتخلف لفهم الدور الثقافي والسوسيولوجي والإنساني لفن المسرح وفضاءاته المفتوحة على السحر والدهشة والمتعة الروحية·
ولتفعيل برامجه وندواته، دعا الملتقى نخبة من الفاعلين العرب في مجال المسرح وبكافة أطيافه ومشاربه ومدارسه، وبتخصصات توزعت على هامش ومتن الكيان المسرحي مثل الإخراج والكتابة والتمثيل والفنون التقنية والأدائية، ومن الأسماء المشاركة في الملتقى تبرز قامات وشخصيات مسرحية لها باع وخبرة متراكمة مثل: روجيه عساف، وعز الدين قنون، والفنان السوري المعروف جهاد سعد، وفاضل الجاف، وسعدي يونس، وغيرهم··
كذلك فإن ارتباط الملتقى بمسمى رديف هو: ''الورشة المسرحية الإبداعية'' جاء ليخلخل الأنساق المتداولة للملتقيات الشبيهة في الوطن العربي، والتي تناور في منطقة التنظير، وتجعجع وتزبد وترغي وفي النهاية تنطفئ على ذات الطاولات المبتلية بالزعيق والخلافات وغلبة الصوت والصراخ والفوضى، وبلا أثر واضح أو خطة مرتجاة وممتدة بثقة إلى المستقبل· حاول ملتقى الشارقة الخامس للمسرح العربي أن يقفز إلى منطقة الأمل مباشرة وبمظلات آمنة هذه المرة، فكانت النقاشات مشغولة بالتطبيق، وكان الفكر مهموماً بالفعل والرؤية والأداء، وكانت معظم اللقاءات التداولية ذات صبغة تفاعلية، فاقتربت من مفهوم الورشة والتواصل البصري بين الحضور والمحاضر، وكانت عناوين الندوات واللقاءات معبرة عن جوهرها بوضوح مثل: ''ورشة التكوين المسرحي''، و''من الورشة إلى العرض/ رؤى واشتغالات''، و''التعبير الحركي في لغة الجسد''، و''مسرح الشارع''، و''الرقص المسرحي الحديث''، و''تقنيات الغروتيسك في الورشة المسرحية بين كفاءة الجسد والتأويل السيميائي''·
عروض مسرحية
هذا بجانب العروض المسرحية التي أقيمت على هامش الملتقى، والتي سعت هي الأخرى للخروج من ضيق العبارة في الندوات إلى اتساع الرؤية والترجمة والأداء على الخشبة، فأتت مسرحية: (اللوّال) للمخرج الإماراتي الشاب محمد العامري، صاحب الاقتراحات التجريبية في تقاليد المسرح المحلي، كي تؤكد تواصل هذا المسرح مع الحداثة الأسلوبية في العرض، وهي حداثة تتصالح مع المحتوى التراثي، ولا تتنازل في الوقت ذاته عن المناخ التجريبي لهوى المخرج واقتراحاته، ومن هنا تحولت مسرحية (اللوّال) للعامري إلى خطاب بصري وسمعي ثري، ومأهول بمناخ تشكيلي وموسيقي وشعائري، ارتقى بالعرض وحوله إلى قصيدة ماثلة، وجماليات تتنفس هواء الارتجال والرمز والتحولات العفوية في بنية التكوين المسرحي· المسرحية الثانية التي شهدها جمهور الملتقى حملت عنوان (جلجامش) التي أتت من العاصمة باريس وبهوى عربي وأسطوري، يتعانق مع الرغبة في حوار الحضارات، وتواصل الآخر مع خطاب الذات وتقاطعاتها الأفقية والعمودية مع ثقافات وفنون العالم· المسرحية قدمتها فرقة ''جلجامش للفنون'' وهي فرقة تعمل في المغترب الأوروبي على الجمع بين فنون أخرى رديفة ومساندة لهواها المسرحي مثل فن الحكاية والشعر والمقامة والكتابة المسرحية، والفنون البصرية الحديثة مثل الفيديو والسينما·
أخرج المسرحية وأداها وحيداً على الخشبة الفنان العراقي سعدي يونس، الذي استغل الثيمة المونودرامية للاستحواذ على المتفرج، واستطاع من خلال لعبة الأقنعة وحضور الراوي العالم أن يتجول في رحاب أسطورة جلجامش بحرية ومرونة جسدية وأدائية، اعتمدت على التنويع الصوتي واللوني، والقيام بأدوار متعددة شملت أغلب شخصيات الملحمة مثل شخصية أنكيدو، وعشتار، وخمبابا، والثور المقدس، والحية التي سرقت عشبة الخلود·
الوثيقة الختامية
في اليوم الثالث من الملتقى كانت الوثيقة الختامية التي قدمها المشاركون، أقرب للشفافية والنقد الذاتي، وهي ظاهرة صحية نتمنى تعميمها في الملتقيات الشبيهة كافة، حيث أبدى المشاركون ملاحظات مهمة حول عنونة وتخصيص الملتقى في دوراته المقبلة، بحيث يركز الحدث جهوده على محور واحد، ويعطيه كامل الاهتمام النظري والتطبيقي، مثل محور التأليف المسرحي، ومحور الإخراج، ومحور الحركة الحركة والتعبير، ومحور السينوغرافيا·· إلخ·
ومن الملاحظات الأخرى المهمة التي عرّج عليها المشاركون، ضرورة تشجيع ترجمة كتب المسرح من لغات العالم المختلفة، لما في ذلك من أهمية كبيرة في تعميم الثقافة المسرحية في الوطن العربي، ومعرفة ما توصل إليه الآخرون فيما يخص تقنيات وآليات العرض في المسرح العالمي· كما دعت الوثيقة الختامية لصقل مواهب المبدعين الشباب من خلال دورات علمية وأكاديمية رصينة، حتى يتم ضخ دماء جديدة ومتحمسة في جسد المسرح العربي المترهل والمحكوم بخطابات قديمة ومستهلكة· وأشارت الوثيقة إلى تنظيم ندوات تطبيقية حول التكوين المسرحي، وإضافة البعد العملي لملتقى الشارقة للمسرح العربي من خلال التدريب التخصصي لهواة الإخراج أو التأليف أو الديكور، وغيرها من مفاصل الشغل الإبداعي والتقني في المسرح·
نتمنى أخيراً من القائمين بهذا الحدث المسرحي المهم في سياق الراهن الثقافي أن يسعوا إلى تحويله لملتقى دولي، على غرار بينالي الشارقة الدولي، وذلك حتى يصبح الاحتكاك المباشر مع المسرح العالمي وارداً ومتاحاً، كما نتمنى من الملتقى أن يوصي بابتعاث المسرحيين الإماراتيين والعرب الشباب إلى دورات خارجية تخصصية، حتى يقترن الحماس الذاتي بالثقافة والمعرفة والتخصص والتطبيق·

اقرأ أيضا