الاتحاد

الملحق الثقافي

أدباء المغرب يكتبون بلسان سياسي

خلال أكثر من خمسين سنة من تاريخ الكتابة في المغرب، عاش الكتاب المغاربة في كنف الحدث التاريخي، بعيدين أو قريبين منه على حد سواء، لقد وجد كاتب الحركة الوطنية وبدايات الاستقلال السياسي نفسه متورطاً في نسق كتابة لا يفصل بين الوظيفة الإبداعية والدوغما السياسية، وكان عليه أن يتحول بكل بساطة إلى لسان أو بوق أو متكلم باسم الجماعة، بينما لم يكن مسموحاً له أن يترك فجوات في نصه الشعري أو الروائي أو القصصي، تتسرب من خلالها ذاته السابحة في أشواق غير مرئية·

وظيفة الأدب والفن وكل أشكال الإنتاج الجمالي كانت في خدمة رجل الحركة الوطنية، ومن بعده مغاربة مابعد الدولة ومؤسساتها، ولم يكن مسموحاً أبدا للأديب أو لمنتج الخطاب الجمالي أن ينظر نحو ذاته أو يفسح المجال لمشاعره الرجراجة، كان هذا السلوك يعد تنصلا من الواجب، أو حرارة هابطة في الشعور الوطني·
مرحلة السبعينات في تاريخ الأدب المغربي تعد مرحلة فاصلة حدثت فيها تحولات كبيرة، وعن هذه التداخلات بين الكتابة والمشروع الاجتماعي تقول القاصة والأديبة المغربية ربيعة ريحان: ''لأسباب معروفة كان جيل الرواد من المبدعين المغاربة مرتبطاً بقضايا الشعب، وهذه عائدة بالأساس للظروف الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك والمتميزة على الخصوص بطغيان الصوت الاجتماعي، وعلوه على ما عداه من أصوات، وبالتالي فإن الأدب والشعر والرواية والقصة كانت وسيلة تعبير عن هذا الهم، وأدوات للنضال السياسي ضد المستعمر، وسنلاحظ كيف أن أدب تلك المرحلة كان ملتحماً بالواقع وقريباً منه، بل ومتطابقاً معه، وقد امتد حضور الهاجس الاجتماعي والسياسي في الكتابة الإبداعية، وفي كافة أشكال المنتج الرمزي، بما في ذلك الأغنية والمسرح إلى الجيل اللاحق، وبالأخص جيل الستينات والسبعينات من القرن الماضي، لكن مع جيل الثمانينات وبالأخص جيل التسعينات وما تلاه، سنلاحظ أن حدة الخطاب الاجتماعي والنبرة السياسية المهيمنة ستتراجع لصالح البعد الجمالي وطرائق الكتابة، وبالتالي سيعبر المبدع المغربي لأول مرة عن ذاته دون خجل، وبلا حاجة إلى عكاكيز من خارج مجال الأدب''·
حضور الأنا
تضيف ربيعة ريحان: ''لقد لاحظنا في هذا الباب كيف أن صوت هموم الذات قد بدأ يعلو، هيمن الذاتي والجواني وحضرت الأنا بشكل صارخ، وهذا لايعني أن هذا الجيل الجديد في الكتابة، والذي أنتمي إليه، قد قطع علاقته مع الواقع، أو أنه أصبح يعيش في برج عاجي، أو تنصل من مسؤوليته الاجتماعية، بل على العكس تماما، فإن ارتباط هؤلاء الكتاب بالقضايا الاجتماعية ربما كان أكثر جذرية من كتاب وأدباء الحركة الوطنية، والخرائط السياسية أو المضان المعرفية والايديولوجية التي ينتمون إليها، هي الدليل الساطع على انخراطهم ، لكن الذي حدث أنه وقع تحول على مستوى الوعي بالكتابة وبوظيفتها، لم يعد الكاتب صوتا مرتفعا ولا صدى مباشرا للحركة الاجتماعية، بل أصبحت هذه الهموم حاضرة في الأدب دون التضحية بالجمالي فيه، وبما يجعله أيضاً بوابة نحو الحميمي والجواني والإنساني''·
خطاب القطيعة
الكاتبة المغربية تعتقد أن الهم الاجتماعي حاضر في هذه الكتابة الجديدة، التي دشنت قطيعة مع الرعيل الأول من الكتاب المغاربة المهجوسين بالشعارات وبتسخير الإبداع لخدمة المشروع السياسي·
وحول ما إذا كان هذا البحث المحموم في طرق التجريب قد أضر بالمقروئية، وفصل الكاتب عن محيط القارئ، تنطلق ريحان من تجربتها الشخصية في الكتابة وتقول: ''من المؤكد إن كل الإمكانات الكلاسيكية لم تستنفذ إلى الآن، سواء على مستوى الشعر أو القصة أو الرواية، وقد لاحظنا كيف أن الخطاب الاجتماعي يعود اليوم إلى النص الأدبي، وإلى المسرح والسينما والرواية على وجه الخصوص، وهذا دليل على أنه يمكن للذات الفردية أن تجد صداها في ذوات الآخرين، وفي ذوات العالم الفسيح الممتد''·
النص المفتوح
كمثال على ما سبق، تضيف ريحان: ''النص القصصي الذي أكتبه ليس نصاً منغلقاً على ذاته بل هو مفتوح على التجربة الجماعية للمجتمع المغربي والإنساني برجاله ونسائه، وأنا من ضمن كاتبات لسنا نسائيات بالمعنى المتداول، ولكننا مبدعات حقيقيات، ولنا تطلعات من نوع آخر، سواء من حيث نظرتنا إلى التجريب، أو من حيث الإيمان بضرورة الإنتقال إلى مرحلة أخرى من مراحل الكتابة، لأن التجريب هو في نهاية المطاف جهد وعمل، وليس مجرد خطاب فضفاض وشعار أجوف''·
ثلاث مراحل
من جهته يرى الناقد المغربي حسن المودن أنه يمكن الحديث عن ثلاث مراحل بالنسبة للأدب المغربي: أولا مرحلة الاستعمار التي تميزت بهيمنة النزعة الوطنية، وميزها الاهتمام بالمضامين والموضوعات، وسيادة النزعة الإيديولوجية على حساب الخطاب الأدبي، مما منح الحضور الواقعي والاجتماعي في الأدب مساحة أكبر·
في المرحلة الثانية يمكن أن نتحدث عن الصراع الذي خاضته النخبة السياسية، والتي كان جانب منها يمارس أيضا العمل الثقافي، هذا الصراع الذي كان صارخا مع الدولة، وتمثل في المواجهات الاجتماعية المعروفة، وفي أحداث ما سمي بسنوات الرصاص، هذه المرحلة انتجت أدباً وفناً ومنتوجاً رمزياً يمكن نعته بالواقعية الاجتماعية، وطغيان خطاب فلسفة الالتزام، والنظر إلى الأدب باعتباره رسالة ووظيفة إيديولوجية وأداة من أدوات النضال·
وفي المرحلة الثالثة يمكن أن نتحدث عن استقلالية الأدب عن كل هذه الأطر وهذه الخطابات الكبيرة، وتحوله إلى خطاب ينطلق من الذات ويعود إليها، وكان لهذا التوجه بعدان، واحد إيجابي حيث تم الاهتمام بما هو أدبي، والثاني سلبي، أدى إلى انغلاق الأدب على نفسه وانفصاله عن قاعدة القراء السابقين، وبالتالي بدأ الأدب يفقد قراءه، بل أصبح المنتوج الأدبي لا يقرأ حتى من طرف الأدباء أنفسهم·
ويمضي حسن المودن قائلا: ''غير أننا وفي سياق غنى المشهد الأدبي في المغرب وتنوعه، يمكن أن نميز اليوم تياراً رابعاً استطاع أن يوفق بين الهم الاجتماعي ومثيله الأدبي، أي بين الشكل والمضمون، ويمكن أن أضرب مثلا هنا ببعض الكتاب المغاربة أمثال الروائيين نور الدين وحيد وعبد الحي المودن وأحمد الكبيري، الذين يكتبون من مواقع خارج الانتماء الأدبي بالمعنى الأكاديمي، وينتجون نصاً تتوفر فيه هذه العلاقة الثنائية بين الأدب والمجتمع·
موت النص المناضل
على مستوى آخر يرى الشاعر المغربي عزيز أزغاي أن زمن الخطابات الكبيرة قد انتهى، وأنه آن الأوان كي يعود الأدب إلى قواعده، بعيدا عن كل نزعة خطابية ليست من اختصاصه ولا من جلده· ويذهب أزغاي إلى أن هذا المنزع يتبدئ بالملموس في التجارب الشعرية الحديثة، حيث انتبه الشعراء إلى أهمية خطاب الذات في القصيدة الحديثة، مبتعدين عن النزعة الخطابية، التي كانت سيدة الميدان في نصوص السبعينيين، ويرى أن الكثير من المقولات التي أنتجها اليسار حول الإلتزام الأدبي هي مقولات جوفاء، لم تساهم في تطور الممارسة الكتابية في المغرب ، وأن ذلك تم على حساب جوهر الكتابة، والجوانب الجمالية للمنتج الرمزي، معتبرا أن الشعر اليوم يعود إلى أصله، وإلى الإنتباه إلى الأشياء الصغيرة والحميمية والإشادة بالإنساني، والإنتماء إلى ما هو كوني، وبالتالي فإن ''النصوص المناضلة'' لم تعط شيئا على المستوى الشعري، ذلك أن ''العالم اليوم قادر على أن يتواصل مع نفسه بنوع من الوحدة ومن الإنسيابية ومن التلقائية، التي لم تكن موجودة في القصائد المتشنجة المنفوخة بالصياح، والمجروحة بصراخ أجوف''·
وحدة الهم
يختم أزغاي قائلا: ''في أميركا أو في جنوب أفريقيا أو في فرنسا، أو هنا في المغرب، يمكن أن نتوحد أو أن نتحاور أو نجد لأنفسنا أكثر من تقاطع ممكن، ما دام الهم الإنساني واحدا، ومادامت اللحظة الحالية المحكومة بعولمة الأشكال واللغات قادرة على أن تزرع روح الإختلاف والإئتلاف، بينما يمكن للسياسي المحترف وللنقابي المفوه أن يجدا طريقهما في مقر الحزب وفي النقابة بعيدا عن القصيدة، وليتركوا الشعر في حاله''·

اقرأ أيضا