إعداد : علي العمودي ومحمد غنام عرض تلفزيون أبوظبي، مساء أمس، الجزء الأول من العمل الوثائقي «دهاليز الظلام» الذي تناول خفايا وبدايات تأسيس فرع لتنظيم جماعة الإخوان في الإمارات قبل أن يتم حله وتقديم المتورطين في مؤامرته ضد نظام الدولة للعدالة التي قالت كلمتها الفصل فيهم، وفي تنظيمهم المقبور. تناول الجزء الأول من «دهاليز الظلام» خفايا جماعة سعت لتقويض مجتمع الإمارات من بوابة التعليم ومزاعم «الإصلاح»، وذلك منذ بدايات التأسيس، بشهادات أكاديميين ومختصين، حول الأساليب التي لجأ إليها التنظيم للتغلغل في المجتمع، وتجنيده الشباب من خلال المراحل التعليمية المختلفة. وينطلق هذا الجزء من مقولة لمؤسس الجماعة في مصر حسن البنا الذي كشف فيها عن دموية جماعته التي أسسها في عام 1928 لتعلن الحرب «بلا هوادة» على من اختلف معها من أجل أن تحقق أهدافها في الوصول إلى السلطة مهما كانت الوسيلة أو الثمن. وقد «أوهم تابعيه بكفر الأمة وغياب الإسلام عنها منذ قرون، وبأنه من سخره الله ليعيد الإسلام لهذه الأمة من جديد». يبدأ الجزء الأول من «دهاليز الظلام» حول حال الصدمة التي عايشها شعب الإمارات صيف يوليو عام 2012 عندما استيقظ في أحد أيامه على خبر القبض على مجموعة من «أبناء الوطن يعملون ضد الوطن»، ما أثار في النفوس كل علامات الصدمة. السيطرة على التعليم يقول محمد الحمادي، المدير التنفيذي للنشر في «أبوظبي للإعلام»، رئيس تحرير صحيفة «الاتحاد»، إن إلقاء القبض على هذه المجموعة في ذلك الوقت، كان صدمة حقيقية لمجتمع الإمارات بعد الكشف عن أن هناك مجموعة من المواطنين الإماراتيين من أبناء الوطن، يعملون ضد الوطن، مضيفاً أن مفتاح تجنيد هؤلاء وغيرهم زعزعة ولائهم للوطن وحصره في مرشد الجماعة الذي يؤمنون به، فهو من «يستحق البيعة». تطرق الحمادي إلى مخطط الجماعة للسيطرة على قطاع التعليم باعتباره بوابة استقطاب وتجنيد الشباب، وكذلك تغيير المناهج للتلاعب بعقولهم. وقال «أصبح التعليم تقريباً بيد جماعة الإخوان، إدارة المناهج كانت إدارة مهمة كذلك بالنسبة لهم، غيروا المناهج للأسف في الدولة، ونحن حتى هذا اليوم نعاني عبث الإخوان المسلمين في التربية والتعليم». وقد تنبهت الدولة لذلك، فتحركت بصورة فورية، حيث فوجئ التنظيم في عام 1987 بإصدار القائم الجديد بمهام وزارة التربية والتعليم أمراً يقضي بنقل 25 موظفاً من إدارة المناهج التي كان يسيطر عليها بعض أعضاء التنظيم. وقال محمد الحمادي «القرار الذي تم أعتقد أنه كان قراراً رحيماً، فالدولة أخذت هؤلاء المعلمين ووزعتهم على الوزارات. لم تُنه خدماتهم، ولم تحرمهم من رواتبهم، ولم تحرمهم من ميزاتهم، ولم تعاقبهم. كل ما فعلته الدولة أن هذه المجموعة غير مرغوب فيها في مجال التعليم، طبعاً كانت هذه ضربة قاصمة للإخوان وكبيرة جداً، واعتبروها ضرباً لمشروعهم». وأكد ارتباط الجماعة بالتنظيم الأم وفروعه أينما كانت، وقال «لا نستطيع حقيقة أن نفصل فكر الإخوان المسلمين في الإمارات عن فكرة الإخوان في العالم، ولا نستطيع أن نفصلهم عن فكر حسن البنا». وأوضح أن هذا الارتباط كان جلياً في كتاباتهم، ففي مجلة الإصلاح التي كانت تصدر عن جمعية الإصلاح، كنا نجد الكثير من الكتابات والمقالات، سواء عن حسن البنا أو مقتبسات من فكره وكتاباته. وقد كانت تلك الكتابات تروج لصورة الرجل على أنه رجل دعوي يعمل «للدعوة وينشر الدين»، ولكن «كل هذه الأشياء اكتشفنا عكسها بعد ذلك». وتطرق الحمادي كذلك لطرق تنظيم الإخوان في جمع الأموال بطريقة غير مشروعة في الدولة، وارتباطاته المالية والتنظيمية والسياسية بالخارج. وقال «لقد جرت حادثة كشفت أمراً مهماً، حول كيفية خروج الأموال من دولة الإمارات؟ وكيف كانت تخرج أموال المحسنين وتبرعاتهم لتمويل جماعة (الإخوان) في مصر، والتي من المفترض أن تذهب إلى المحتاجين والفقراء!». وأضاف الحمادي «حسب ما أذكر، سافرت مجموعة من التنظيم من الإمارات إلى مصر وتم إلقاء القبض عليهم في المطار لأنهم كانوا يحملون مبالغ كبيرة من المال، وعندما سألوهم عنها، أجابوا بأن هذه الأموال ستذهب إلى غزة، والحقيقة أنها لم تكن ذاهبة إلى غزة وإنما إلى تنظيم الإخوان في مصر، هذه الحادثة تعتبر مفترق طرق مهماً جداً». وهم الخلافة يقول الشيخ وسيم يوسف، إمام وخطيب جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي «استغل حسن البنا مسألة استرداد الخلافة، وكان يتغنى دائماً بها.. بل كان يرشح نفسه ليكون خليفة للمسلمين وللمؤمنين»، مضيفاً أن منظومة الخلافة الإسلامية واسترداد الخلافة الإسلامية هي أول واجبات الحزب، ولذلك عليه الوصول لكرسي الحكم. وأضاف الشيخ وسيم يوسف «والأعجب أن حسن البنا كان همه في ذلك الحزب، لا ينظر للعقيدة، ولا ينظر للمنهج، كان هدفه أن يكون الحزب قائماً على السياسة أو الوصول للحكم». الإساءة لرموز الوطن تناول وثائقي «دهاليز الظلام» في جزئه الأول الذي عرضه تلفزيون أبوظبي مساء أمس، سعي تنظيم «الإخوان» في الدولة لإضعاف الولاء الوطني لدى أتباعه لمصالح مبايعة المرشد والولاء للتنظيم، فالجماعة لتبدأ عملها كجماعة إسلامية، وصفت نفسها بالإصلاح، وقسمت المجتمع إلى قسمين، مجتمع الإيمان والإصلاح المتمثل بهم كما يزعمون، ومجتمع الباطل المتمثل في سائر المسلمين. يقول معالي الدكتور علي راشد النعيمي، مدير عام مجلس أبوظبي للتعليم «في أي دولة هم موجودون، تجدهم يسيئون إلى رموزنا الوطنية والسيادية، ويزكون أتباع التنظيم، لأنه في مفهومهم (هؤلاء هم الأخيار الأطهار الذين سيصنعون الخلافة)». يسلط «دهاليز الظلام» الضوء على مرحلة اصطدام الجماعة الإرهابية مع نظام الحكم في مصر عندما حاولوا اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1954 فيما عرف بحادثة المنشية التي مثلت تحولاً في علاقة الإخوان بالدولة، ليستمر الصراع بين الطرفين حتى عام 1965، ما أدى إلى سجن عدد من أعضاء التنظيم. فاتجهت فلولهم نحو منطقة الخليج العربي، بحثاً عن أرض خصبة لنشر أفكارهم ومنبع لتمويل التنظيم، مختبئين خلف ستار الدين كأداة لكسب تعاطف الناس. وقد كانت المنطقة وقتها في بدايات نهضتها بعد ظهور النفط. يقول الدكتور علي راشد النعيمي: «كان الهروب إلى دول الخليج بالذات لإيجاد فرص عمل لهم، ولهذا تجد أنهم أول ما جاؤوا تغلغلوا في سلك التعليم، وأحكموا سيطرتهم عليه في كل دول الخليج. ففي منتصف ستينيات القرن الماضي، وفي خطى مدروسة، وصل إلى البلاد المصري عبد البديع صقر، أحد أعمدة تنظيم الإخوان، ويعتبر ضلعاً رئيساً في تأسيس التنظيم في الإمارات، كما عرض على الحكام خطة مشروع إنشاء روضات تابعة للإخوان المسلمين». وقد أسس عبدالبديع صقر أول منشأة تعليمية تابعة للإخوان في إمارة دبي، وتم استغلال تلك المؤسسات التعليمية في ترسيخ فكر التنظيم في الإمارات. في عام 1971 بينما كانت تعم أرجاء الإمارات الفرحة بقيام الدولة، أفرج الرئيس المصري محمد أنور السادات عن مجموعة من السجناء من جماعة «الإخوان»، وكان من بينهم حسن إسماعيل الهضيبي، المرشد الثاني في جماعة الإخوان، الذي عمل على إعادة بناء هيكلة التنظيم، إذ تم تشكيل لجنة في الإمارات، وتعيين أعضاء إماراتيين في مجلس شورى الإخوان، وكانت تلك البداية لمرحلة جديدة من التآمر على الدولة. وكان لطلبة الإمارات العائدين من مصر، دور مهم في نشر فكر الإخوان. يقول الدكتور علي راشد النعيمي «بعض هؤلاء تم تجنيدهم هناك للانضمام للتنظيم، وعادوا أعضاء عاملين ناشطين في خدمته»، مضيفاً أنه «جزء من منهجية عمل الإخوان المسلمين في منطقة الخليج، هو إنشاء جمعيات النفع العام. ومن هنا تقدمت مجموعة من رجال الأعمال والوجهاء بطلب إنشاء جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي». وقال النعيمي «هذه أداة من أدواتهم، وهي واجهة للتنظيم، حقيقة هي فرع لتنظيم الإخوان، ولكن بواجهة أخرى». وأضاف «استخدم (التنظيم) بعض أعيان البلد الذين لديهم محبة للخير ومحبة للدين ومحبة لأهل الدين، استخدموهم كواجهات ووضعوهم في مجالس الإدارة بحكم أنهم يريدون القيام بعمل خيري، ويقومون بتحفيظ الأولاد القرآن الكريم وتعليم الصلاة.. يهتمون بالعلم الشرعي، وهذا كان كله واجهة». لم يكتفِ أعضاء الجماعة باستغلال مقرات جمعيات الإصلاح والتوجيه الاجتماعي لاستقطاب أفراد جدد للتنظيم، بل قاموا باستهداف مؤسسات التعليم والمراكز الصيفية والأنشطة الطلابية والكشفية بعد أن استحوذ أعضاء التنظيم على مناصب قيادية في تلك المؤسسات. يقول الدكتور علي راشد النعيمي «لقد كانوا مديرين في المدارس ومدرسين، كما كانوا يشرفون على إعداد المناهج.. مواطنو دول الخليج الذين تعلموا في الخارج وانضموا للتنظيم، عندما عادوا لبلدانهم أيضاً أمسكوا بقطاع التعليم». وأضاف «لهذا تجد الكثيرين منهم أصبحوا وزراء، ووكلاء وزارات أو رؤساء جامعات، وطوعوا هذه المؤسسات لخدمة التنظيم، وأكبر شاهد دولة الإمارات، ففي الإمارات في مرحلة من المراحل كان وزير التعليم من أعضاء تنظيم الإخوان، الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات كان من تنظيم الإخوان، ولذلك تم استغلال تلك الفترة لتعيين المنتمين لتنظيم الإخوان، وتمكينهم من هاتين المؤسستين». في تلك الفترة تمكن «الإخوان» من السيطرة على لجنة المناهج التعليمية عبر إصدار 120 مقرراً دراسياً اعتبروها من أكبر إنجازاتهم. وأوضح النعيمي «إنهم عندما سيطروا على المناهج، كان لهم هدف، وهو إعادة صياغة العقول، وأيضاً السيطرة على البعثات من خلال منح بعثات لأعضاء التنظيم، سواء كانوا إماراتيين أو غير إماراتيين، كما تم ذلك خلال سيطرتهم على وزارة التربية والتعليم». وقال النعيمي، إن «تنظيم الإخوان يؤمن بشيء قد يسميه البعض (تقيا)، وهم لا يقولون عنه ذلك، وإنما لمصلحة الدعوة يمكن للمرء أن يفعل ما تشاء، ولذلك يحللون الحرام من أجل أهدافهم.. يكذب العضو منهم حتى يحمي ما يسميه (الدعوة)». حملة شعواء كان قرار الدولة إبعاد مجموعة من أعضاء التنظيم من سلك التربية والتعليم، مقدمة لحملة شعواء شنها التنظيم ضد القرار، وولد احتقان دفع أحد خطباء المساجد المنتمي للتنظيم إلى اعتلاء المنبر وتكفير الوزير، كلمة حق أريد بها باطل، استغلتها جماعة الإخوان وطوعتها طبقاً لمفهومها لتكون جسراً تحقق من خلاله أهدافها التي آمنت بها طبقاً لتعليمات المرشد. وبدأت بعد ذلك مرحلة أخرى اتجه فيها «الإخوان» إلى سلاح الإعلام، سلاح سعت من خلاله الجماعة إلى بث سمومها وضرب خصومها الفكري. يقول الدكتور علي راشد النعيمي: «مجلة الإصلاح كانت تعتبر المجلة الثالثة لتنظيم الإخوان على مستوى الوطن العربي، المجلة الأولى كانت مجلة «الدعوة» للتنظيم في مصر، المجلة الثانية كانت مجلة «المجتمع» التي تصدرها جمعية الإصلاح في الكويت، والمجلة الثالثة كانت مجلة الإصلاح، المجلة التي تصدرها جمعية الإصلاح في دبي، المجلة ليست لها رسالة إعلامية، إنما لها رسالة حزبية تخدم تنظيم الإخوان المسلمين». هدم الدولة الوطنية مجموعة سرية كتبت بحبر التآمر كل المخططات، وناهضت دستور الدولة بأغرب الأجندات، وتقول في أدبياتها «نعلن بوضوح وصراحة أن كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهاج ولا يعمل لتحقيقه، لا حظ له في الإسلام، فليبحث له عن فكرة أخرى يدين بها ويعمل لها». يقول الدكتور خليفة السويدي: «التنظيمات (الإسلامية) تقوم على قاعدة هدم الدولة الوطنية؛ لأن حقيقة المنظومة التي يعملون من خلالها لا تؤمن بوجود دول وطنية». ويضيف قائلاً: «كل من جاء إلى الإمارات وتكلم باسم الله وعلى بركة الله، رحب به سواء أكانوا من أبناء الدولة أو بعض من تم استقطابهم من علماء ومشايخ ووعاظ، بل حتى المدرسين والأكاديميين في الجامعات كان بعضهم عنده هذه التوجهات». وقال «هنا في الدولة رجع لها كثير من أبنائها الدارسين في الدول العربية، ورجع كل واحد حقيقة بشهادتين، شهادته التخصصية، والفكرة التي أُسست في رأسه». مضيفاً «إنه عندما أمسك هؤلاء مناصب في الدولة، استقطبوا من يعينهم.. وكما يقال كل إناء بما فيه ينضح». من ناحيته، يقول الدكتور عتيق جكة المنصوري، معلقاً على جانب الولاء عند أعضاء التنظيم «الإخونجي الآسيوي هو أقرب للإخونجي المواطن من زميله وأخيه في الوطن». الطلاب.. والخدمات المجانية خلف ستار دعوي وخيري وتربوي، سارت نوايا جمعيات الإصلاح في الإمارات، تستمد من محيطها نشوة تمدد فكرها في الخفاء. يقول الدكتور محمد إبراهيم المنصوري «بدأت تنمو هذه الجماعة، وتستهدف جميع فئات المجتمع، بمن فيهم أيضاً النساء. كانت جامعة الإمارات مسرحاً امتدت إليه أذرع التنظيم السري، ففي عام 1977 اكتسح أعضاء جمعية الإصلاح نتائج انتخابات اللجان الطلابية، وبعد أن تأسس الاتحاد الوطني لطلبة الإمارات عام 1981 استعر صراع شرس بين جماعة الإخوان وبقية الطلاب، إلى أن تمكن الإخوان من الهيمنة على الانتخابات حتى عام 1992». يقول الدكتور محمد إبراهيم المنصوري «طبعاً المواجهة بدأت بقوة من جانبهم، وللأسف لديهم وسائل غير شريفة في كثير من الأحيان». التضليل تبنى تنظيم الإخوان التضليل الذي اقترن بمبدأ الوصاية المالية على أعضائه الموظفين في محاولاته لزعزعة الاستقرار في الداخل والخارج، وكل ذلك بحجة عمل الخير. يقول أنس العتيبة، إن «أحد أعضاء التنظيم قال لي يجب أن تدفع نقداً، فقلت له أعطيني رقم حساب وأنا أقوم بتحويل التبرع إلى الحساب، لكنه أجاب: يجب ألا يتم التحويل عبر المصرف، لأن ذلك يمكن أن يثير الشبهات، بعض المواقف تبين أن هذا تنظيم سري ويعمل بحذر تام». «الكافرة».. و«الأخوات» كان للجانب النسائي دور كبير في التنظيم، خصوصاً في عملية نشر الفكر الإخواني في المجتمع. تقول الدكتورة موزة غباش «في لحظة من اللحظات التاريخية، كنا نشاهد القيادات النسائية الإخوانية أكثر عدداً حتى من الرجال، أصبحت هناك جماعات إخوانية تدخل البيوت، وتعقد مجالس، وتعمل على زيادة وتكثير عدد عضوات هذه المجالس. وكانت (الأخوات) ذوات توجه إقصائي تكفيري تشهرهن في وجوه المخالفات لفكرهن وتوجههن». وقالت غباش «كفرونا نحن.. أنا كنت أدرس في جامعة الإمارات، كانوا يسمونني كافرة.. كفروا القياديات المتعلمات، القياديات صاحبات الفكر المستنير، كفروا الكتب التي كانت تنشر في ذلك الوقت».