الاتحاد

الملحق الثقافي

سِقْط اللِّوَى··· أين تكون الكتابة

إذا سأل سائل: أين تكون الكتابة قبل أن تُكتبَ، أجبْناه بأسئلة أخرى أدعى إلى الحيرة والسُّمود، وهي: أين يكون الكلامُ قبل أن يتكلّم به المتكلّم؟ وأين تكون الثمرة قبل أن تُثمر بها الشجرة؟ وأين يكون الفعل قبل أن يفعله الفاعل؟ وأين يكون العطر قبل أن تعبق به الوردة؟
فأين، إذن، تكون الكتابة قبل أن يُفْرغها الكاتب على القرطاس ألفاظاً وجُمَلاً مسبوكةً بنظام معلوم، ومرصوفة بمقدار مضبوط؟ وهل يعرف الكاتب وهو يكتب، أو قل: هل يعرف الكاتب قبل أن يكتب: ما ذا كان يودّ أن يكتبه حقّاً بالتفاصيل الدقيقة؟ ربما كان في ذهنه، أو قريحته، فكرة ما، أو تمثُّل ما، لِما يودّ كتابتَه، ولكن يستحيل أن يعتقد معتقد أنّ الكاتب يعرف كلّ ما يكتب بالتفاصيل المقدَّرة قبل أن يفرغ مكتوباته على القرطاس·
ولعلّ من أجل ذلك يقول الروائيّ التشيكيّ فرانز كافكا في حيرة وعَجب: ''إنّي لأكتبُ بخلاف ما أتحدّث، وأتحدّث بخلاف ما أفكّر، وأفكر بخلاف ما كان ينبغي لي أن أفكّر؛ وهكذا دَوالَيْكَ إلى أعمقِ أعماقِ الظّلام''·
وقد تقتضي هذه المقولةُ أمرين اثنين:
الأوّل، أنّ ما يكتبه الكاتب ليس هو الذي كان يودّ كتابته فاتّفق له على ما كان يودّ وينتظر، ويعني ذلك أنّ الكتابة تشبه فعْل المصادفة، لا فعْل القصد؛ والآخر، أنّ الكتابة ليستْ مجرّد استجابة لرغبة طارئة، ولا لنزعة عارضة، ولكنّها تشبه الفعل الواجب، والعمل المفروض على الكاتب من الخارج· وإذا صحّ مثل هذا التمثّل الذي نتمثّله نحن لشأن الكتابة فإنّ هذا الفعل الأدبيّ العجيب يغتدي فاقداً للحرّيّة على عكس ما يذهب إليه رولان بارط وبعض المنظّرين الآخرين من النقّاد الغربيّين، أي أنّ الكتابة تصبح كالشّرّ الذي لا بدّ منه للكاتب، وليس مجرّد متعة أو هواية يمارسهما صاحب القلم على قرطاس، أو على شاشة حاسوب· فالكاتب، إذن، لا بدّ له أن يكتب إذا أزمع على الكتابة ولو كان في زنزانة مظلمة، أو دهليز يملؤه الديجور·
إنّ الكتابة حين تعرض لصاحبها قد تقتله فيموت، وقد تُحييه فيخلُد بها أو يخلّد، وليست مرتبطة بحريّته الإبداعيّة بحيث إنّما يكتب حين يشاء له هواه، ويُمسك عنها حين يشاء له هواه· ومن الآيات على ذلك ما يعرفه النّاس من شهرة الحكاية التي تحكَى عن عمر بن أبي ربيعة الذي كان قرّر أن لا يقول الشعر أبداً، زهداً ونسكاً، وإلاّ أعتق بكلّ بيت عبداً من عبيده، فقال يوماً في مناسبة جميلة عرضتْ له بضعة أبيات اضطرّته إلى أن يعتق بضعة من العبيد! وتدلّ هذه الحادثة على أنّ الكتابة الأدبيّة هي كالواجب الذي حين يجب لا أحد يردّه أو يمنعه·
فما أعجبَ شأنَ الكتابة في سَديمها الغائب، وفي مُثولها القائم·

اقرأ أيضا