صحيفة الاتحاد

دنيا

محمد سياه قلم.. رسام الغرائب والمجهول

محمد سياه قلم هو أكثر أسماء الفنانين المسلمين غموضا وإثارة للجدل وكل ما نعرفه عن هذا الفنان، توقيعه على عدد كبير من الصور التي رسمت على أوراق منفصلة أو على قطع من الحرير ، كلها متباينة الأبعاد واسمه يعني بالفارسية محمد صاحب القلم أو الريشة السوداء•
وقد أثار هذا الغموض فضلا عن غرابة أسلوبه وموضوعات تصاويره جدلا واسعاً في أوساط مؤرخي الفن والأثاريين• وغاية ما انتهى إليه كل فريق من الباحثين أن هذا الفنان وقع تحت التأثير الطاغي لفنون الصين والشرق الأقصى فضلا عن تأثره إلى حد ما ببعض تقاليد التصوير الفارس، وفيما عدا ذلك فقد اختلف الجميع في نسبته لأي من الأقاليم الآسيوية وان كان يرجح نسبته لقبائل الأيغور إحدى قبائل الترك التي سكنت منطقة التركستان الشرقية غير بعيد من حدود امبراطورية الصين، وترتيبا على ذلك فإن محمد سياه قلم ليس سوى مصور تركي نشأ في تلك المنطقة من السهوب الآسيوية الواقعة تحت النفوذ الحضاري للصين• وقد ترك محمد سياه قلم نوعين من التصاوير محفوظة كلها في متحف طوبق ابوسراي باستانبول، الأولى منها تصاوير ذات طابع ديني والأخرى تتعلق بالحياة اليومية للبدو الرحل• وتكشف تصاوير هذا الفنان عن بعض جوانب العقائد الطوطمية والبدائية التي كانت شائعة في التركستان الشرقي• ومن المعروف أن الاتراك القدماء كانوا يعبدون العناصر المتعددة التي تحولت إلى عبادة ثنائية اقتصرت على السماء العالية والأرض المرتفعة كالجبال• ويبدو أن محمد سياه قلم كان يعبر بالصورة عن بعض الحكايات الشعبية والأساطير المعروفة لدى الترك في صحاريهم الشاسعة، وتدور حول القوى الشريرة التي تمتلك قدرات تفوق ما لدى البشر ولها من الأشكال المخيفة والمفزعة ما لم يخطر على قلب إنسان•
كائنات غريبة
وثمة مجموعة من التصاوير توضح العفاريت أو الأرواح الشريرة التي تتميز جلودها باللون الأسود تارة وباللونين الأحمر والأصفر تارة أخرى ولهذه المخلوقات رؤوس مخيفة تعلوها قرون وتتقد بوجوهها المجعدة أعين كالجمر وتبرز من أفواهها العريضة أنياب طويلة كما تتدلى أعناقها القصيرة، وقد وصل «سياه قلم» هذه الرؤوس البشعة بأجسام قصيرة غليظة تنتهي أطرافها بمخالب ، وترتدى هذه الكائنات الغريبة أردية تستر نصف جسمها الأسفل وتتزين أحيانا بحلقات معدنية تضعها في أذرعها ومعاصمها ورقابها • وتبدو هذه المخلوقات الشديدة القسوة والوحشية بملامح وجوهها التي تشبه الأقنعة وكأنها من بني آدم حيث ترتدى ملابسهم وتتحرك في أفعال تشابه حركات البشر، فهي ترقص وتعزف على الآلات الموسيقية وتسرق الناس والحيوانات كما تصور بعض هذه الكائنات البشعة وهي تجر حيوانات هزيلة خلفها أو تقدمها كقرابين وفي أغلب الأحيان نرى كائنات سياه قلم وهي تتصارع بوحشية أو تهزم التنين أو تحمل الخيل على ظهورها دون أدنى مشقة، مما يشير إلى قدراتها التي تفوق طاقات البشر ، كما نراها مقيدة بالسلاسل وإلى جوارها سياط مما يوحى بمدى خطورتها وفي بعض الصور تظهر هذه المخلوقات وهي مطبقة بوحشية على أشلاء أدمية تقدم فدية لها• ومن صور العفاريت أو الأرواح الشريرة واحدة توضح قيامها بحمل صناديق هائلة الحجم ، وقد قيدت أرجلها بالسلاسل، كما ربطت أعناق بعضها إلى بعض مما يوحي بأنها مسخرة من قوى أكبر للقيام بهذا العمل• وثمة مجموعة من الصور أقل وحشية من صور العفاريت وهي التي تمثل كائنات غريبة تقوم بعزف الموسيقى ، أو تؤدي رقصات تشابه الرقص العشائري أو الطوطمي الذي نراه في أفريقيا السوداء • وعلى الرغم من الوجوه الآدمية للراقصين فإن التجاعيد التي تغطيها تبدو غريبة وتقترب هيئتها من طيات الثياب التي ترتديها، والتعبير عن القوة هو أظهر ما يميز رسم الراقصين وقد بدت المخالب في الأيدي.
حضارة الصين
وبينما تخضع العفاريت لإحساس طاغ بالهلع يدفعها إلى القيام بحركات عنيفة للتحرر وتحطيم الأغلال نرى شخوص المجموعات التي تأتي أفعالا بشرية تتحرك في بطء وبمحض إرادتها بل وتبدو أحيانا في حالة تناوم وشرود، ومعظم هذه المخلوقات الخرافية من الذكور وأقلها من الصغار والإناث وتبدو وجوهها أحيانا وهي تحمل علامات الدهشة الممزوجة بالفزع والغضب تصاحبها دائما نظرات ثاقبة حادة لكنها جميعها تعطينا الإحساس بأننا أمام أقنعة• كما تبدو بعض الوجوه متعبة مكدودة وهي ترنو إلى الأفق البعيد تتأمل الفضاء اللانهائي لعل تأملها في قبة السماء يؤدي إلى طرد الأرواح الشريرة• ومن مجموعات المنمنمات التي تصور هذه الشخوص الملفقة وهي تمارس نشاطها اليومي واحدة لراع يعتني بقطيعه وأخرى لنجار يقوم بصناعة الأثاث وثالثة لمجموعة من الشيوخ الطاعنين في السن وقد خلع أحدهم قلنسوته التي تناسب الأجواء الشديدة البرودة لبلاد الترك ووضعها أمامه إلى جانب العصا التي يتوكأ عليها ، ويوحي هذا المنظر الذي يجسد آدميين لهم ملامح البشر وثيابهم ولحاهم الكثة بأن هؤلاء ليسوا سوى جماعة من الشيوخ الذين جلسوا يتسولون، وهذه التصاوير مفعمة بالتعبير عن بؤسهم وثقل حركتهم مثلما هي أيضا مشحونة بتأثيرات صينية ومغولية تبدو واضحة في رسم طيات ملابس العجائز• وتقترب هذه الصور بعض الشيء من تقاليد التصوير التركماني وتبدو أكثر قربا من تصاوير الشرق الأقصى لكثرة ما يحتشد بها من عناصر وألوان مألوفة في التصاوير الصينية بل وتظهر فيها الشخصيات المألوفة في اللفائف المصورة الصينية، وهو ما يرجح أن محمد سياه قلم قد نشأ بين ترك الايغور المشهود لهم بمعرفة الكتابة والفنون منذ ما قبل الإسلام نتيجة لاتصالهم بحضارة الصين •