الملحق الثقافي

الاتحاد

الصمت النسوي فيما بعد الحداثة

إن المعادلة المبسطة تربط الصوت بالقوة والصمت بالضعف، وهذا المنظور بحاجة إلى إعادة نظر خاصة في ظل التحديات التي تطرحها النسوية لتقاوم الفكرة التي ترى بأن صوت المرأة على الرغم من أنه يصدر عن نساء عدة فإنه صوت موحد ومنسجم، بل على العكس من ذلك، لأنه علينا أن نبحث عن الاختلاف والتميّز لأنه يعبّر عن التاريخ الشخصي والثقافي، وعادة ما يكون الشخصي متنوّعاً وغير منسجم، ومن ثم فإن الصمت في نسوية مابعد الحداثة لا يعبر إلا عن الشخصي، والشخصي أو الذاتي هذا ينظر إليه على أساس أنه يصدر عن طريق التنوع والتعقيد، فكيف يمكن الوصول إلى صوت أصيل للمرأة في ظل إعلان موت الذات فيما بعد الحداثة؟ إن كارول جليجان ترى أن مقدرة الظهور النسوي تتحقق عن طريق استعادة الصوت الأصيل والقدرة على التعبير عنه، خاصة أن المرأة تعد تابعة ومتجذرة في انحباس الصوت، ولذلك فإن واحداً من الأهداف النسوية كما ترى الأنثربولوجية سوزان كال هو البحث عن القواعد التي يمكن عن طريقها استدعاء تاريخ الصمت·
وهكذا فإن الموقف النسوي هذا يعد الصمت بشكل عام بمثابة رمز للهَوان، خاصة وأن من يقع في الصمت لا يستطيع إشاعة خبرته وجعلها معروفة ومتداولة، ومن ثم فإنه غير قادر على التأثير في التاريخ والحياة· لقد أدركت الناقدات النسويات بأن الصمت النصي لا يظهر القمع الثقافي فحسب، وإنما يبيّن بأن الصمت هو شكل من أشكال المقاومة ضد الخطاب السائد والمهيمن· ويمكن فهم الصمت النسوي عن طريق نص ''رسيس الهوى'' لفوزية السندي، حيث تقول:

أنا المشفوعة نحرا بنون النسوة ورمسا بسر اللغة

كيف لقرينة النفي، صاحبة الصوت أن تبوح ببهجة الهاوية

فالسطور الشعرية السابقة تقدم صوتاً لشاعرة واقعة في النفي والغياب والحبسة الثقافية بسبب أنوثتها مما قادها إلى السقوط خارج اللغة والتدوين، ويشير إلى ذلك استخدامها لمفردة ''الرمس = القبر'' المطمور في اللغة بصورة غامضة، أو كما تقول: ''ورمسا بسرّ اللغة''، وهي لذلك لا تستطيع التعبير عن خبرتها أو وجودها الذاتي الذي عبّرت عنه بصورة بصرية عن طريق استخدامها المضاف والمضاف إليه ''صاحبة الصوت''، وكأنها تحفّز قارئها على أن ينتقل من التلقي المتحقق في فضاء ضمني إلى فضاء تجريبي واقعي يحيل إلى المؤلفة بشكل مباشر وهي تتكلّم عبر طبقات من الغياب· والإنصات الإيجابي هنا لا يتحقق من وجهة نظرها إلا عن طريق النزول إلى الأسفل حيث الهاوية، وهذه الهاوية أو الصمت أو النفي لا يحمل مدلولاً سلبياً، وإنما يختلط بالإيجابي، ويغادر الدلالة الأحادية إلى دلالة تعددية، فالهاوية غياب وهي في الوقت نفسه حضور، ولذلك تنعتها بالبهجة·

اقرأ أيضا