الاتحاد

الملحق الثقافي

سلمى بكار تدخل إلى الزوايا المعتمة

ملصق فيلم زهرة النسيان

ملصق فيلم زهرة النسيان

أنجزت المخرجة التونسية سلمى بكّار شريطين سينمائيين طويلين: ''رقصة النار''، ويروي قصة مطربة يهودية تونسية شهيرة أحرقها عشيقها غيرة وانتقاماً، وفيلم ''زهرة النسيان'' الذي يصور هو الآخر مأساة امرأة عانت في صمت من ظلم زوجها لها فأدمنت على تناول ''الخشخاش''، وهي نبتة تضمّد الجراح وتخفف الآلام، وتدور أحداث الشريطين في فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي عن قصتين واقعيتين·

فيلم'' خشخاش'' أو'' زهرة النسيان''، هو إنتاج مشترك تونسي مغربي، ويمكن تصنيفه ضمن ما يعرف بـ ''سينما المؤلف''، والبطلة ''زكية'' ـ كما تؤكد المخرجة سلمى بكار نفسها ـ هي شخصيّة حقيقية عاشت في مدينة تونس العاصمة في فترة الأربعينيات، وتعترف المخرجة بأنّ القصة رسخت في ذاكرتها منذ أن سمعت بعض أقاربها يتناقلون أحداثها على استحياء لما فيها من صلة بالحب والجنس والجنون·
جنون··· وضياع
وموضوع الفيلم يتلخص في ثلاث كلمات: امرأة، ومخدّر، ومستشفى للأمراض العقلية، نسجت المخرجة بينها مأساة زوجة تنتمي إلى طبقة البورجوازية تناولت ''الخشخاش''، وهي نبتة كانت ـ قبل انتشار الأدوية ـ تشرب بعد غليها لتسكين الأوجاع وتخفيف الآلام، ولكنّ بطلة الشريط التي جسدت دورها الممثلة ربيعة عبدالله، أدمنت شرب هذه النبتة بحثا عن النسيان والسلوى، وأدّى بها الإدمان إلى حدّ الدخول إلى مستشفى الأمراض العقلية أين وجدت راحتها ورفضت مغادرته بعد أن عثرت على حريتها بين ''المجانين''· وتصور أحداث الفيلم معاناة امرأة مكبلة وصلت إلى حد الجنون والضياع، وقد لزمت الصمت وفضلت عدم فضح سرّ شذوذ زوجها الذي ارتبط بعلاقة مع خادم الأسرة، وعاشت معذبة ومحرومة من حقوقها الشرعية بعد أن اكتشفت حقيقة قرينها·
آراء النقاد
والمخرجة أرادت أن تدين الظلم الذي تتعرض إليه المرأة، وقد صورتها كضحية وقدمتها كإنسانة هشة في حين تعمدت إبراز صورة للرجل كأناني وضعيف الشخصية، وتجرأت على التطرق إلى موضوع الحرمان الجنسي، كما تجرأت أيضا على إبراز مسألة الشذوذ عند الرجال وهي مواضيع مسكوت عنها وتعتبر من التابوهات· وفي الوقت الذي رأى فيه بعض النقاد أنّ المخرجة أظهرت شجاعة وجرأة في التطرق إلى قضايا اجتماعية ونفسية مسكوت عنها، رأى آخرون أنّ سلمى بكار تطرقت إلى مسألة هامشية لا علاقة لها بهموم المرأة الحقيقية ومشاكلها الأساسية، كما أكد البعض أن نظرة المخرجة للعلاقة بين المرأة والرجل ـ كما ظهرت في الشريط ـ اعتمدت التقسيم النمطي المبسط بين الخير والشر، والأبيض والأسود، والطيب والخبيث، وأنها حشرت الكثير من المواضيع في شريط واحد مما نتج عنه سطحية في التناول والعرض، ولكن المخرجة واجهت النقد الموجه لها وقالت بكل صراحة إنّ شريطها تناول موضوع علاقة المرأة بجسدها وحقها الطبيعي في المتعة الجنسية·
ولأول مرة تمّ في نقاش عام للشريط وبحضور جمهور ينتمي إلى مختلف الشرائح والأعمار التطرق إلى مثل هذه المواضيع الحساسة، والحقيقة أنّ السينما التونسية، بشهادة الناقد المصري محسن ويفي: ''تتمتع بحرية تعبير كبيرة وجرأة في الولوج إلى مواضيع لا تزال تعتبر من التابهوات المحرمة عند غيرها من بلدان السينما العربية الأخرى''·
وذهب الممثل رؤوف بن عمر إلى التأكيد في هذا السياق بأن شريط ''خشخاش مهم جدا''، وعندما لامه البعض على قبوله تقمص دور شاذ جنسي أجاب بـ ''أنّ الفن لا يوجد به ممنوعات''، علما أن ممثلين غيره رفضوا أداء نفس الدور خشية من رد فعل الجمهور وتحسبا لاحتمال أن يخلط بعض الناس بين الدور والشخص، وقد كشفت المخرجة أنّ المطرب محمد الجبالي الذي عرضت عليه الدور رفض تجسيم شخصية ''جعفر'' (زوج زكية) الشاذ· ومن ميزات هذا الشريط الذي أقبل الجمهور على مشاهدته بكثافة أن المخرجة استعانت فيه بالروائية المعروفة عروسية النالوتي في البناء القصصي للفيلم، وبالروائي سمير العيادي في الحوار، علماً وأن أكثر المخرجين التونسيين يتولون بأنفسهم كتابة السيناريو والحوار وهو الأمر الذي اجمع النقاد على التأكيد بأنه سبب ضعف العديد من الأفلام التونسية·
رقصة النار
لقد أظهرت المخرجة سلمى بكار ـ على غرار أكثر المخرجين السينمائيين التونسيين ـ اهتماما بقضايا المرأة، وأنجزت قبل فيلم ''خشخاش'' فيلم ''رقصة النار'' صورت فيه قصة حياة المطربة اليهودية التونسية ''حبيبة مسيكة'' وموتها الدرامي، وقد دخلت هذه المطربة الأسطورة بجمالها وصوتها، فأغانيها التي لا زالت الإذاعة التونسية تبثها من حين لآخر تقطر عذوبة كلمة ولحنا، وقد وقع في حب هذه المطربة والممثلة عشاق كثيرون ومن بينهم محام ينتمي الى عائلة كبيرة ومحافظة وعريقة الى الحد الذي قال فيها شعرا:
خسرت لأجلها مالا وجاها
وأوشك أن يمس العقل خبل
ومن بين عشاقها يهودي تونسي ثرا اسمه ''الياهو ميموني'' هجر مدينته ''تستور'' بالشمال الغربي للبلاد التونسية وانفق كل ثروته عليها وبنى لها قصرا منيفا، ولما صدته وهجرته وآثرت عليه غيره اشتعلت نار الغيرة في قلبه، وليلة 20 فبراير 1930 سكب عليها مادة البنزين وهي نائمة وأحرقها حية وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، ويذكر المؤرخون أن كل سكان تونس العاصمة تقريبا خرجوا في جنازتها نظرا لشهرتها وحب الناس لها ودفنت بمقبرة ''بورجل'' وعلى قبرها أبيات شعرية تخلد ذكراها إلى اليوم·
ورغم ان الفيلم صور قصة حقيقة تداولتها الأجيال ورسخت في الذاكرة الجماعية إلا أن المخرج السينمائي عمار الخليفي رأى أن سلمى بكار صورت هذا الشريط لاسترضاء اليهود الذين يملكون أغلب شركات الإنتاج في فرنسا وسعت إلى كسب ودهم لأغراض لها صلة بالتمويل والتسويق الى الخارج، والحقيقة أن مثل هذه الخصومات بين المخرجين اصبحت معروفة في الوسط الإعلامي والفني التونسي لاختلاف وجهات النظر وتضارب المصالح، وبعيدا عن هذه الخلافات والصراعات فإن السؤال الذي يبقى مطروحا هو: لماذا يخير بعض المخرجين السينمائيين التونسيين، ومن بينهم سلمى بكار الارتماء في الماضي عند اختيارهم لمواضيع أفلامهم؟ أجابت سلمى بكار عن هدا السؤال أمام جمهور حضر في سويسرا عند عرضها لشريط ''خشخاش'' في مهرجان للسينما العربية: ''لا يمكن أن نتقدم دون أن نعلم ونفهم ماضينا'' ولكنه جواب لم يقنع الكثيرين·

اقرأ أيضا