الاتحاد

الملحق الثقافي

سيمفونية بصرية تجيب عن أسئلة المسافة

الحضور خلال افتتاح المعرض

الحضور خلال افتتاح المعرض

مؤخرا شهد المجمع الثقافي في أبوظبي معرضا مشتركا لفنانين تشكيليين من الامارات العربية والمغرب بعنوان ''الانطباعية الجديدة''، حيث تحولت قاعة النخيل في المجمع الى ساحة لعرس ضوئي باذخ، فتمازجت الألوان بصخب ايحائي لافت، على وقع التوق الانساني الفطري الى الجمال والسمو والنقاء· شارك في المعرض من الامارات كل من الفنانين: عبدالرحيم سالم، عبدالقادر الريس، عبيد سرور، محمد يوسف علي، ومنى الخاجه، أما من المغرب فحضرعبداللطيف زين، محمد بستان، أحمد زبيطة، حسن العلوي، ومنظمة المعرض الفنانة ابتسام ابو عيان·

تدانت المساحات وانصاعت الجغرافيا الى سحر الخطوط المتمايلة، وضجت القاعة بسيمفونية بصرية عامرة، معلنة تمرد الأشكال على قوانين النأي، ليقترب الانسان من ذاته مستعيدا حكاية التشكيل في طورها البدئي:
صياغة عفوية لنزعة الخلق الابداعي الموغل في تجرده، واقتحام جريء لمناطق بكر في المخيلة البشرية، وايضا أسئلة كثيرة عن الخطوط المتشابكة في رحلتها نحو صناعة اللوحة اللغز، تستبطن في أعماقها أوهاما شتى عن دهاليز المخيلة التي تحيل العادي الى غرائبي حائز على كل مقومات الدهشة، وصولا حتى الاعجاز·
كل معرض تشكيلي هو محطة انطلاق نحو رحلة ابداعية جديدة، مناسبة للحوار بين العين الشاخصة وبين الانجاز البصري المقلق، كثير من الصخب الصامت تدور تفاصيله بين العنصرين، ويحضر من خلال ذلك التراث الجمعي، والهاجس اليومي، والارهاصات المتابينة أيضا، لينتظم الجميع في دائرة من المعالم الغامضة، تستوحي التواصل المنشود دون أن تصيره حقا·

حوار لوني

في السياق، اسئلة كثيرة تطرح نفسها، على بساط البحث عن ماهية الفن، رسالته المفترضة، ادواته المشروعة، وأيضا عن حدود التورية والابهام المسموح بهما في لعبة الخلق الفني تلك، بعض الاستفهامات يجد أجوبة له في سياق المكاشفة القائمة، وكثير منها يؤول الى اضافات غامضة تمنح اللوحة مزيدا من الألق والغواية الآسرة، ثمة شيء من سوء التفاهم المحبب يطرح نفسه هنا، يجد له مرتعا خصبا بين السؤال التائه في برية اللوحة وبين الجواب المتشظي على صورة استنتاجات محيرة، قبل ان يتظلل بقعا لونية متناثرة، وخطوطا وظلالا تبدو كما لو انها تبحث عن ذاتها في موكب المخاض الابداعي، وزحمة المشاعر المتدفقة من خلاله·
أن يكون المعرض مشتركا بين الامارات والمغرب، فذلك يعكس قدرا ملحوظا من التفاعل بين جهتين حيويتين من جهات العالم العربي، حيث الفرصة متاحة لاسكتناه مقدار التنافر والتلاقي بين التجارب الابداعية المتنوعة، والتباين هنا، كما التشابه، وسيلة من وسائل الإثراء المعرفي، وفرصة للاغتناء من حوار لوني وشكلي واسع الدلالة وعميق الفحوى·
الفنان الإماراتي عبدالقادر الريس يرتحل بحثاً عن الجديد

البيئة على الورق

الفنان الاماراتي عبدالقادر الريس كان حاضرا في المعرض المشترك بين الفنانين المغاربة والإماراتيين، من خلال لوحات ست تقاطعت في اهتمامها بالحرف العربي، هي لوحات الواو، كما يحلو للفنان أن يسميها، هو يصف تجربته الفنية بالترحال المستمر بين مختلف الميادين بحثا عن الجديد، الذي غالبا ما يكون قريبا من الذاكرة، وليس من الضروري أن نبحث عنه لدى الآخرين، وفق لمحدثنا الذي يوضح أن دخوله الى رحاب الحروفية جاء بدافع الكشف عن مكنوناتها الجمالية، خاصة انها الاصل هنا يستمد هويته من التراث العربي والاسلامي، الذي استقى منه، الفنان العالمي ماتيس الكثير من مفرداته الجمالية خلال اقامته في المغرب العربي، اضافة الى كثيرين غيره·

الفنان الريس يتحدث عن تجربته الابداعية منطلقا من اللون، الذي يتوقف استعماله على عوامل غامضة في ذات الفنان، هو يرصد تحولات ذاتية على هذا الصعيد شهدت طغيانا للون الأحمر إبان احتدام التطورات العسكرية في فلسطين، كما يحيل بالمقابل الى ألوان اقل توترا في المراحل التي تشي بقدر من الاستقرار النفسي، وان كان يقيم صلة دائمة بين المنجز الابداعي عامة وبين حالة من عدم التوازن التي تلقي بظلها على ذهنية المبدع·
يقول الريس انه وفق الى اسلوب تشكيلي خاص باستخدامه بعض الاشكال الهندسية كالمعينات والمربعات، مشيرا الى أنه كان يركز على اللوحات التراثية، ويحتفي احتفاء خاصا بالبحر في أعماله، استنادا الى ايمانه بضرورة نقل البيئة الخليجية الفائقة الغنى الى الورق، ليندفع بعد العام 1990 نحو تجارب جديدة، مأخوذا بنوع من التحدي، ذلك أن بعض الفنانيين والنقاد أخذوا عليه وعلى زملائه انهم لايحسنون سوى رسم البحر والشبابيك، رحلة التحدي تلك قادته الى ميدان التجريد طوال فترة، انتقل منها لاحقا الى مزيج من التجريد والانطباعية، أما نداء الفنان في داخله فقد أحاله الى استخدام نبتة الزعفران تعبيرا عن اللون الأصفر، التي يضوع عطرها من اللوحة بعد رشها بالماء·

جهوزية

الريس يعرب عن رجائه بأن تكون لوحاته الأحلى هي تلك التي لم يرسمها بعد، معلنا جهوزيته، وزملائه الفنانين، لمواكبة النهضة التشكيلية التي تترقبها الامارات، والتي بدأت بوادرها بالتحقق من خلال التحضير للمتاحف التشكيلية، وفي مقدمها متحف لوفر أبوظبي، ويشير هنا الى ايجابية هامة تتمثل في قيام نوع من التنافس المحبب بين مختلف امارات الدولة سعيا وراء الأفضل، كما يومىء الى فائدة قيمة لا بد للحركة الفنية ان تحققها من خلال كل ذلك· ومع أنه يرى ان الاهتمام الذي تبديه الدولة بالثقافة عموما، وبالفن التشكيلي خاصة، يلقي أعباء اضافية على كاهل الفنانين، الا انه يؤكد أنهم على قدر التحدي المطروح عليهم·
الريس لا يبدي قلقا من التفاعل الذي يحمله الزمن المقبل مع نتاجات المبدعين الأجانب، ثمة فرصة للاستفادة من تلك التجارب، برأيه، كما ان هناك مناسبة لتطعيمها بالرؤى المحلية التي تمتلك الكثير من مقومات الجدة المثرية، والتفاعل لابد له أن يكون على أسس من الثقة بالذات وبمنجزها الابداعي، فالعولمة يجب الا تخيف من يحمل زادا حضاريا كافيا، يبرر له المساهمة في اغناء مائدتها العامرة بأطايب الكون· يقول الريس ان تلقيه جائزة الامارات التقديرية الاولى في مجال الفنون التشكيلية، التي سلمه اياها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة حفظه الله''، منحه من الثقة بالذات بمقدار ما وضعه في مواجهة المسؤوليات الجمة التي تلقيها تلك الجائزة على عواتق مستحقيها، وهو يسعى جاهدا ودائما ليؤكد استحقاقه لها·

اقرأ أيضا