الاتحاد

الملحق الثقافي

أفراح واغتيالات وحوادث اغتصاب بحمامات الإسكندرية

الاسكندرية عروس المتوسط شيدها الاسكندر المقدوني لتصبح عاصمة لمصر منذ القرن الرابع قبل الميلاد الى أن فتحها القائد الإسلامي عمرو بن العاص، وخلال عمرها المديد تعددت عماراتها واشتهرت بوجه خاص بمكتبتها التي حوت مؤلفات العالم القديم ومنارتها التي كانت إحدى عجائب الدنيا وحماماتها وأهمها حمام كليو باترا، وأصدرت مكتبة الاسكندرية مؤخرا كتاباً عن الحمامات الباقية بالمدينة العريقة، تحت عنوان ''حمامات الاسكندرية في القرنين التاسع عشر والعشرين''، ويتناول في فصوله الخمسة حمامات الاسكندرية خلال هذين القرنين من خلال مادة تاريخية ووثائقية شديدة الثراء، حيث عرفت الاسكندرية الحمامات منذ نشأتها في عام 331 قبل الميلاد على يد الاسكندر الأكبر وكان فيها عند الفتح العربي أكثر من أربعة آلاف حمام·

منتدى اجتماعي

أدت الحمامات عدة أدوار حيث كان الحمام مكانا للتطهر والاستحمام والنظافة لتيسير أداء الفروض الدينية، حتى أن بعض أصحاب الحمامات كانوا يطلبون من المستأجرين السماح للراغبين في الوضوء بدخول الحمام· وكان الحمام أيضا بمثابة منتدى اجتماعي وسياسي واقتصادي يلتقي فيه الأصدقاء من الرجال لمناقشة الأحداث والصفقات التجارية، وبالنسبة للنساء كان الذهاب للحمام فرصة للانطلاق خارج المنزل· وكانت الأعياد من المناسبات المهمة التي تلتقي فيها النسوة في الحمامات للتسلية واللهو والاستمتاع بالغناء فيؤجرن راقصتين أو أكثر لمرافقتهن الى الحمام، وبعض الحمامات كانت تضم بين أطقمها موسيقيين ومنشدين مكفوفين·

محاولة اغتيال

وإذا كانت حمامات بغداد قد شهدت أحداثاً سياسية مثل مقتل الخليفة العباسي المعتز بالله محمد سنة 552هـ ''868م'' فإن حمامات الاسكندرية وخصوصا حمام الذهب فيها شهد إحدى محاولات الاغتيال السياسي حيث حاول بعض جنود الانكشارية الأتراك اغتيال الأمير محمد أفندي كتخدا السلطان بالاسكندرية في ربيع أول عام 1118هـ ''1706م''، وقد فشلوا في اتمام جريمتهم، حيث دخلوا عليه الحمام ومعهم جماعة من الأشقياء، يبلغ عددهم نحو عشرين، حاملين أسلحتهم وهجموا عليه يريدون قتله، فلما رأهم الحمامي أسرع باغلاق باب الحمام فلم يتمكنوا من النيل من الأمير· وكانت بعض عمليات التجبير للكسور تتم داخل الحمامات، ولذا كان المجبرون متواجدين دوما داخل الحمامات، وكان من الأمور المعتادة أن تذهب السيدة النفساء الى الحمام بعد أربعين يوما من الولادة، لتقوم بعملية تدليك شامل بالدهون الطبية لإزالة الشحوم والمياه الزائدة واستعادة الرشاقة·

القانون أيضا هناك

وكان الحمام أهم المحطات في عدد من المناسبات الاجتماعية مثل الزواج، فتخرج العروس الى الحمام ومعها صديقاتها وقريباتها في أفخر الثياب تتقدمهن فرقة من الموسيقيين والراقصات، وتظل العروس طوال اليوم داخل الحمام حيث تتلقاها البلانات ويقمن بكافة عمليات التجميل وكذلك يفعل العريس· وتشير وثائق محكمة الاسكندرية الشرعية الى أن معلمة الحمام كانت تكلف بالتحقيق في دعاوى الاغتصاب·

التصميم

يشير الكتاب الى أن حمامات الاسكندرية في العصر الإسلامي كانت تتألف من ثلاثة أقسام هي المسلخ، وبه أماكن خلع الملابس والاستراحة عند دخول الحمام والخروج منه، ويليه ''بيت أول'' وحرارته متوسطة معتدلة وبه مصاطب، أما القسم الأخير فيعرف باسم بيت حرارة ثان أو الحجرة الساخنة، وهو أشد أجزاء الحمام حرارة وبخارا وفي وسطه فسقية·

تنوع

يعرض الكتاب لعدد من الحمامات الرومانية القديمة الموجودة بالاسكندرية وأبي قير، ثم لأشهر الحمامات الإسلامية بالمدينة، والتي اندثرت ولم يبق لها سوى الذكر التاريخي مثل حمام الذهب بالعطارين، وحمام سنان باشا بمنطقة الجمرك، وحمام طلايع وحمام المشاطرة وحمام عطية بالمنشية· أما حمامات الاسكندرية في القرنين التاسع عشر والعشرين فهي تنقسم الى عدة أنواع الأقدم منها هو الحمام العربي، ويعتمد على البخار ولم يبق من هذه الحمامات سوى ثلاثة هي حمام الشيخ إبراهيم باشا بالمنشية، وحمام المصري، وحمام حسن بك عبدالله· وهناك صنف آخر من الحمامات غير التقليدية، وتعمل بالبخار داخل حدائق عامة أو في شقق سكنية وهي أشبه بحمامات الساونا، وقد شيدت بالاسكندرية في أواخر القرن 19 وبدايات القرن العشرين، ومنها حمام الافرنج وكان موجودا بجنينة المنشية، وحمام لوكاندة أوروبا الذي كان مبنيا داخل فندق أوروبا بالمنشية، والنوع الثالث حمامات البحر التي كانت تشيد على الشاطئ منذ عهد محمد علي وهي تعتمد على مياه البحر، ولا يوجد بها استخدام للبخار، وكان بعضها يخصص للنساء ايضا· وهناك حمامات العسكر وكانت تبنى للجنود بالقرب من الطوابي والحصون التي يحرسونها، ولم يبق منها شيء وحمامات حديثة تعتمد على المياه الجارية من خلال مواسير المياه، وتشتمل هذه الحمامات على مجموعة من الأكشاك المزودة بصانبير للمياه ودش، وكان الغرض منها نشر الوعي الصحي ومحاربة الأمراض المعدية وخاصة الكوليرا والملاريا ومنها حمام المبرة وحمام البلدية·

بداخل كل إنسان قوى شيطانية تخرج عند غياب الردع والمساءلة
كيف يتحول الأخيار إلى أشرار؟

غادة سليم:

كيف يتحول أشخاص عاديون إلى قتلة ساديين يستمتعون بتعذيب غيرهم بمجرد أن تتاح لهم الفرصة ويتوفر لهم المناخ ويغيب عنهم عنصرا الردع والمساءلة؟ ولماذا كل هذه الممارسات الوحشية التي تحدث في السجون والحروب بين بني البشر؟ سؤال حار فيه علماء النفس لعقود من الزمان وقدموا حوله تفاسير كثيرة واجتهادات مثيرة، دارت في أكثر من فلك ومنحى وانتهت عند حقيقة واحدة وهي أن الشر كامن في النفس البشرية ولكنه يستفحل عند الاستحواذ على القوة والاستئثار بالسلطة·
كتاب ''التأثير الشيطاني'' لعالم النفس الاجتماعي الأميركي فيليب زيمباردو، هو أحدث الكتب التي تحاول بشكل علمي وتحليلي فهم سيكولوجية الشر، صدر باللغة الإنجليزية عن دار راندوم هاوس ويتألف من 576 صفحة من القطع المتوسط، ويتخصص ثلثا الكتاب في علم النفس وثلثه في التاريخ والسياسة·

دراسة داخل السجن

يعرف المؤلف فيليب زيمباردو بالأب الروحي لاختبار سجن ستانفورد، والذي مولته البحرية الأميركية عام 1971 لفهم الصراعات داخل نظام السجن، وتمت التجربة النفسية في قبو الجامعة تحت إشراف فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وقام بأداء دور الحراس والسجناء 24 متطوعا مقابل 15 دولارا يوميا، وكان جميعهم من أفضل طلبة الجامعات من حيث التوازن النفسي والاستقرار الاجتماعي وغالبيتهم من البيض الذكور ومن الطبقة الوسطى، وقسمت المجموعة عشوائيا إلى مساجين وحرس، لكن سرعان ما تمادى الحرس في تقمص دور السلطة وقاموا بتعذيب زملائهم المساجين، وكانوا يتطوعون للبقاء فترة أطول في ورديتهم وبدون أجر، وبدأت الاضطرابات العقلية والنفسية تظهر بشكل حاد على من يقومون بدور المساجين، وتم إيقاف التجربة بعد ستة أيام فقط بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة، ولقد ذهل زيمباردو مؤلف الكتاب، عندما رأى تجربة ستانفورد تتكرر بشكل عملي في سجن أبو غريب في أعقاب غزو العراق ·2003 وعبر قراءته لسيكولوجية الشر في الإنسان يقدم زيمباردو في كتابه بناءً فلسفيا قانونيا للمقارنة بين سجني ستانفورد وأبو غريب، يدعم بها رؤيته في الدفاع عن حراس سجن أبو غريب من وحي مشاركته كخبير نفسي في المحاكمات العسكرية· ويرى المؤلف أنه لا يجب التركيز على ما ارتكبه المتهمون من جرائم إهانة وتعذيب، لأن اللوم كله يقع على النظام الذي سمح بتمرير ذلك، ويجادل في كتابه بأن تعيين جنود أميركيين غير مؤهلين ليعملوا كحراس للسجن هو خطأ جسيم يتحمله النظام، فالجلاد والضحية يقعان في حالة انكسار نفسي يختل معه توازنهما ويتحول كلاهما إلى آلة تتم برمجتها في نظام مريض، ولقد ركز زيمباردو في كتابه على أن الخلل مرجعه إلى هيكلية الموقف بين من بيده السلطة ومن هو تحت تصرفها وليست للعوامل الفردية، وأصر على أن أي شخص يمسك بيده سلطة إذا أمن المحاسبة والعقاب فسيقوم بانتهاكات وتجاوزات كثيرة· ولقد خصص زيمباردو فقرة من كتابه للإشارة إلى أن التصرفات البسيطة التي يقوم بها الإنسان في ظل ظروف معقدة ممكن أن تصنع أبطالا، في إشارة منه إلى قيام بعض الجنود بتصوير انتهاكات زملائهم وتسريبها للعالم عبر الإنترنت·

مكمن الشر

ويركز المؤلف في تحليلاته على الشر الكامن في النفس البشرية، ويضرب أمثلة عديدة بأحداث مسجلة في تاريخ التوسعات العسكرية والحروب الأهلية أظهر فيها الرجال سلوكيات مضطربة تجاه آخرين، تباينت من تعذيب الى اغتصاب إلى قتل عشوائي واستهداف مدنيين عزل ونساء وأطفال، وأن هناك مذابح في التاريخ حدثت بإيحاءات شيطانية ولمجرد إشباع شهوة القتل دون تحقيق مكاسب عسكرية أو قومية أو دينية أو مادية، وخلص زيمباردو في كتابه إلى نظرية يرى أنها غير قابلة للنقاش أو الجدل من وجهة نظره تقول: إن أفضل الناس خلقا إذا ما تعرض لضغوط اجتماعية ومناخ قهري يمكن أن تتلبسه حالة من الانعدام الأخلاقي يتجرد معها بلا وعي من إنسانيته، فالانحراف كامن في كل نفس بشرية وهو قابل للظهور في حال وجود محفزات خارجية، وأن ارتكاب الشر لا علاقة له بالفروق الفردية''·

يصرون على البحر
أنطولوجيا جديدة لشعراء السعودية

الخبر - محمد خضر:

ضمن فعاليات أيام الجزائر الثقافية الأخيرة، صدرت أنطلوجيا الشعر السعودي، والتي قام بإعدادها الشاعران عبدالله السفر ومحمد الحرز وآخرون··
وجاء في مقدمة الأنطلوجيا تعريفاً شاملاً حول بدايات الحركة الشعرية الحديثة، وحول شعرية المكان وخصوصيته· الأنطلوجيا صدرت تحت مسمى ''يصرون على البحر'' وتحت إشراف جمعية البيت للثقافة والفنون في إطار تظاهرة الجزائر عاصمة للثقافة العربية وبطلب من وزارة الثقافة الجزائرية·
وقد تضمنت الأنطلوجيا قصائد لشعراء من جيلي الثمانينات والتسعينات حتى التجارب الأخيرة في المشهد الشعري، ومن بين الشعراء: إبراهيم الحسين، أحمد الملا، أحمد الواصل، أحمد كتوعة، أشجان هندي، ثريا العريض، حسن السبع، حمد الفقيه، خديجة العمري، زياد عبدالكريم السالم، سعد الحميدين، سعود السويداء، شريف بقنة، عبدالله السفر، عبدالله الصيخان، عبدالله ثابت، علي الدميني، علي العمري، علي بافقيه، عيد الخميسي، غسان الخنيزي، فوزية أبوخالد، محمد الثبتي، محمد الحرز، محمد الدميني، محمد العلي، محمد جبر الحربي، محمد حبيبي، محمد خضر، محمد زايد الألمعي، محمد عبيد الحربي، هاشم جحدلي، هدى الدغفق، هيلدا إسماعيل وغيرهم·
وقد أعرب كثير من الشعراء والمهتمين عن تقديرهم للأنطولوجيا باعتبارها الأهم، فيما صدر من بين مجموعة من الأنطلوجيات والمختارات الشعرية، وأنها كانت كذلك الأشمل لنتاجات فنية وزمنية متفاوتة وطلائعية·
وفي مقدمة الأنطلوجيا، جاء: ''لم يلتقوا كجيل شعري على مقولات وآراء فكرية وأدبية كالإيمان بالوحدة والهوية كما كان عليه الحال عند الجيل الشعري السابق، بسبب حياتهم التي عاشوها كجيل باعتبارها نتاج مرحلة تاريخية كانت هي البوابة التي تفضي للمتغيرات التي طالت بنية التفكير عند الفرد، ناهيك عند المبدع والمثقف نفسه، متغيرات خلقت علاقات جديدة ليست على مستوى المنطقة فقط، وإنما على المستوى العالمي، وليس سهولة التواصل والاتصال في العلاقات الاجتماعية والثقافية سوى إحدى أهم مظاهر هذه المتغيرات التي نشأ من خلالها الجيل الشعري للتسعينيات·
لقد ذهبوا إلى الشعر متخففين من سلطة الآباء، وحين قيل لهم سمرة الصحراء علامة تدل على قصائدكم، وتفضح نواياكم، كانوا يصرون على البحر، ويقولون: هناك علامة أخرى لن تنمو تحت أبوابكم، لكنها بين الكلمات ستنضج مثل ثمرة''·

الأندلسي الصفّار في فرنسا يحقق متعة الدهشة والغرابة
رحلة تشبه قصيدة
صباح زوين:

تبقى السِيَر الذاتية للشخصيات التاريخية والكتب التي تتناول أدب الرحلات، من أجمل ما يمكن للمرء أن يقرأ، ولعل أحدهما مكمل للآخر، ففي السيرة حكاية حميمة لتفاصيل شخصية قريبة من الحياة الحقيقية والواقع، وفي أدب الرحلات سرد لدقائق مرحلة من حياة فيها من الحميمية بقدر ما فيها من الواقع، كما أن النوعين بعيدان عن جفاف البحث العلمي وصرامته· صدر عن ''المؤسسة العربية للدراسات والنشر'' حديثاً كتاب تحت عنوان رئيسي: ''رحلة الصفّار إلى فرنسا، 1845-،''1846 وعنوان ثانوي: ''محمد بن عبدالله الصفّار الأندلسي التطواني''، حققتها وقدّمت لها د· سوزان ميلر، وترجم وشارك في التحقيق د· خالد بن الصغير، وهو من النوع الأدبي الذي يدخلنا قبل كل شيء إلى المتعة، ألا وهي متعة القراءة والاكتشاف، لكن أي نوع من الاكتشاف؟! طبعاً، في الألفية الثالثة لم يعد المرء بحاجة إلى من يكتشف له البلدان الغريبة ويخبره عنها، إذ بات السفر في متناول الجميع، لكن ما نحبّ اكتشافه في أدب الرحلات، هو معرفة كيف كان أولئك الأجانب يعيشون في قرون مضت، وكيف كان الرحالة العرب ينظرون إلى ذلك الشيء الغريب والغربي، ومدى طرافة الرؤية·

علامات الدهشة

يقول الصفّار في ''فصل في عوائدهم في المأكل'': ''اعلم أن من عادة هؤلاء القوم أنهم لا يعرفون اقتعاد بسيطة الأرض، ولا يجلسون إلا على الشوالي (الكراسي)، ومن عادتهم أنهم لا يباشرون الطعام باليد ولا يجتمعون على ماعون واحد، فإذا حضر وقت الأكل أتى الخدمة بطبلة من الخشب، وينصبون لها أرجلاً من الخشب تنزل عليها، ثم تصير بحيث يجلس عليها عشرة أو أكثر، ثم يفرشون عليها ثوباً أبيض في غاية النظافة يسترها كلها، ثم ينزلون لكل واحد ماعوناً صغيراً فارغاً فيه فوطة بيضاء مطوية ليجعلها على حجره، ومعه قطعة من الخبز وملعقة من الفضة وسكين صغيرة وشوكة صغيرة بثلاثة أسنان، ويجعلون لكل واحد زجاجة من الماء معها كأسها، أما الكأس فلا يكون إلا كل واحد بكأسه''، وإلى ما هنالك من ملاحظات طريفة ودقيقة ملأ بصره بها الصفّار كما ملأ نصوصه· فلم يترك تفصيلاً على دقته إلاّ واكترث له ليصل إلى الكلام عن الـ''بشكتوا'' والـ ''شكلاط''، وإلى طريقة شربهم الخمر وعدم شربهم الماء (وهذا صحيح إلى اليوم!)· ما يحبّه القارئ في أدب الرحلات أيضاً، هو الدهشة الجميلة التي ترافق المندهش المستكشف في رحلته، واندهاش الصفّار في هذه النصوص الشيقة لا تقل شفافية ونضارة عما نقع عليه في الكتب الأخرى في هذا النوع الأدبي، إنها دهشة الاكتشاف والجديد، هو يذكرنا برفاعة الطهطاوي كما بأحمد فارس الشدياق، لا بل أيضاً بأمين الريحاني، وبالمناسبة تشير الباحثة ميلر إلى أن الصفّار قام بسرقة أدبية من عند رفاعة الطهطاوي: ''غير أن ما يبدو واضحاً، هو أن كتاب الطهطاوي كان مفتوحاً أمام الصفّار واستمدّ منه أشياء عديدة، نظراً لوجود أوجه تشابه كبيرة في الأسلوب والشكل، ولا يمكن أن ينظر إليه من حيث الاعراف الغربية إلا أنه من باب السرقة الأدبية''·

مهمة دبلوماسية

لكن من ناحية أخرى، تذكر الباحثة أن الصفّار، على الرغم من افتقاره إلى معرفة البلاد الفرنسية، فهو استطاع أن يكوّن تصوّرات مسبقة وصحيحة رآها في ما بعد لدى وصوله إليها، وذلك بفضل استيعابه ''مقدمة'' ابن خلدون التي أغنته فكراً وعلماً وبصيرة على الصعيد الاجتماعي والجغرافي والسياسي·
من هذا المنطلق، يمكن القول إن الصفّار كان في مهمة شبه سياسية-ديبلوماسية إلى فرنسا، فإضافة إلى مراقبته التفاصيل اليومية الحميمة للمجتمع العادي، راح يراقب أيضاً آلية الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسوسيولوجية ليقارنها بالآلية السائدة في بلاده الأم المغرب، محاولاً الإفادة مما يلاحظه في فرنسا ليطبقه عنده، مثلاً كيفية تحسين الحالة الاقتصادية، وذلك من خلال العمل الدؤوب ومن خلال التكاتف في ما بين المواطنين، لكن أيضاً ثمة أمراً آخر وغاية في الأهمية لفت انتباهه، وهو حرية الرأي في فرنسا، إذ يقول: ''ولأهل باريز كغيرهم من سائر الفرنسيين بل وسائر الروم، تشوّف لما يتجدد من الأخبار ويحدث من الوقائع في سائر الأقطار، فاتخذوا لذلك الكوازيط )جف هف مُُّّم( (أي الجرائد) وهي ورقات يُكتب فيها كل ما وصل إليهم علمه من الحوادث والوقائع في بلدهم أو غيرها من البلدان النائية أو القريبة، وأن صاحب دار الكازيطة يتخذ أقواماً يرسلهم لالتقاط الأخبار من كل ما يسمعونه أو يرونه، ومن جملة قوانينهم التي أسسها لهم سلطانهم لويس الثامن عشر، أنه لا يمنع إنسانا في فرنسا أن يظهر رأيه أو أن يكتبه ويطبعه·'' هذه من جملة ملاحظات الصفّار الرائعة، وهي تدفع الى التساؤل ما اذا كان الفرد العربي في أكثر من بلد عربي لا يزال يفتقر إلى ما افتقر له الصفّار؟ ما لفت أيضاً نظر هذا الرحالة الحذق والمرهف في باريس، هو اعتماد الفرنسيين ''الساعة الميكانيكية''، أي تماماً الساعة التي نعرفها اليوم ونحملها في معصمنا أو التي كانت تُعلّق على الحائط وما شابه، ويبدو أن المغاربة، على الرغم من اقتنائهم هكذا ساعات، كانوا يستعملونها أدوات زينة فحسب، فلم يكونوا يقرأون فيها الوقت، لا بل لم تكن تعمل إطلاقاً·

تحقيق حول الكاتب وسيلة جان لاكوتير لمحاسبة ذاته
ليس صعباً أن تقول الحقيقة بل أن تقولها كاملة
الطيب بشير:

''لا أعرف ما هي الحقيقة، ولكني أعرف جيداً ما هو الكذب''· هذه هي المقولة التي اختارها الكاتب والصحفي والمؤرخ الفرنسي جان لاكوتير لتتصدّر كتابه ''تحقيق حول الكاتب'' الصادر باللغة الفرنسية بباريس، وهو كتاب يمزج فيه مؤلفه بين المذكرات والتحليل السياسي والنقد الذاتي،ويعلل الكاتب ذلك بقوله إن كتابة التاريخ وتحليل الأحداث الساخنة لحظة حدوثها تتسبب في الوقوع في الكثير من الأخطاء، استنادا الى مقولة للسياسي الفرنسي ليوم بلوم مفادها:'' ليس الأصعب أن تقول الحقيقة، بل أن تقول كلّ الحقيقة''
تسليط الضوء
جان لاكوتير وهو فرنسي له عشرات الكتب من بينها كتب عن السير الذاتية لعبد الناصر و''هوشي منه'' والحبيب بورقيبة وديغول وغيرهم من كبار الزعماء الذين عاصرهم، والتقى بهم وكتب عنهم، كما غطى على امتداد سنوات طويلة أحداثا هامة في منطقة الهند الصينية (الكمبودج) ومصر وتونس والجزائر والمغرب لصحف فرنسية كبرى اهمها ''لوموند''·
وبعد أن تجاوز الثمانين من عمره، يقول في كتابه:
''إني أرى انه من الطبيعي أن يكون للصحفي واجب محاسبة نفسه، وهو ما قمت به في هذا الكتاب، واني لا أبحث عن إبراء لذمتي، ولا اريد جلد ذاتي كما لا أجد متعة في إبراز أخطائي، وانما اردت فقط أن أسلط الضوء على الأسباب العميقة أو السطحية التي وجهت صحفياً مثلي في صياغة آرائه''·

مع عبد الناصر

عمل جان لاكوتير بين 1953 و1956 مراسلا صحفياً في مصر وأقام بها برفقة زوجته التي كانت هي الأخرى مراسلة صحفية، وهو يصف جمال عبد الناصر، الذي التقاه لأول مرة في حفل استقبال بحضور العديد من المراسلين الصحفيين، بأنه ''رجل خجول، يجيب الصحفيين الأجانب المحيطين به بإنجليزية جيدة، وبردود فضفاضة على غرار ''لا أعلم'' أو'' هل تعتقد فعلا ذلك؟'' ويروي جان لاكوتير في كتابه لقاء آخر له مع الزعيم المصري قائلا: ''في شهر يناير 1954 استقبلني جمال عبد الناصر، وكنت برفقة بزوجتي الصحفية، وتولد لنا انطباع بأنه رجل مهذب جدا، واذكر انني عندما التقيت بنهرو سمعته يقول:
''إن هذا الشاب عبد الناصر رجل يلقي الأسئلة··ولذلك فإنه سيذهب بعيدا''، وفعلا فإن عبد الناصرالقى عليّ وعلى زوجتي الكثير من الأسئلة اثناء اللقاء، ولأنه كان يعلم أنني اقمت وعملت صحفياً لمدة طويلة في فيتنام فقد كان يسألني مطولا عن الوضع به هناك، وعن منطقة الهند الصينية وعن القوى المتواجدة، ومن هو الذي سينتصر في الحرب، كما سألني عن الأسباب التي تدفع فرنسا الى الاصرارعلى خوض الحرب ضد الفيتناميين في تلك الفترة؟

بين السياسي والإعلامي

يتابع لاكوتير ساردا: ''ثم انتقل عبد الناصر للحديث عن أفريقيا الشمالية التي كان يعلم أيضا أنني اقمت وعملت بها، وقد لاحظت أن تونس كانت محل اهتمامه، وربما كان يريد أن يلعب دور الوسيط بين فرنسا وزعماء حركة التحرير· ولا يخفي جان لاكوتير احترامه لعبد الناصر لقضائه على الاقطاعية في مصر، وللخدمات التي قدمها للمزارعين وصغار الفلاحين، ولدهائه أثناء اجرائه للمفواضات مع الإنجليز عام،1954 لكنه يصف سياسته العربية بأنها كانت فاشلة مضيفا:
''في بداية ظهوره كان عبد الناصر لا يزال يحمل سمات الرجل الريفي وتتسم شخصيته بالود مع نظرة ثاقبة، ولكن حصل لي انطباع بأنه لم يكن يعلم في البداية الى اين هو ذاهب، ولكن عندما انكببت على دراسة شخصيته بعمق ادركت أنه كان، منذ ذلك الوقت، أكثر وضوحاً وتنظيماً مما يوحي به للآخرين''·

بداية وطنية لعبد الناصر

فيما هو يستعرض شريط ذكرياته سيستنتج جان لا كوتير، وبوصفه شاهد عيان، أن عبد الناصر لم يكن عام 1953 يضع في استراتيجيته السياسية مسألة القومية العربية، مشيرا الى أنه في خطبه أو مبادراته لم يكن يهتم الا بمسألتي استقلال مصر وادخالها للعصرنة والحداثة، ويستشهد المؤلف على ذلك بحرب فلسطين عام ،1948 حيث أورد معلومات تشير بأن عبد الناصر كتب في كراس خاص به وقتها:'' ما فائدة خوض حرب لا علاقة لنا بها·؟ وما يهمنا هو الدفاع عن مصر·
ويقول جان لاكوتير: ''إني كنت من القلائل الذين ادانوا مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على مصرعام 1956 في الوقت الذي كان فيه الرأي العام الفرنسي مشحوناً ضد عبد الناصر، والحقيقة أن مشاركة فرنسا لم تكن بسبب تأميم القناة، بقدر هي بسبب دعم مصر للثورة الجزائرية، وبسبب ما كان تعتقده الدول المعتدية من تهديد مصر لإسرائيل''·

اقرأ أيضا